أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود















المزيد.....

ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 20:17
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم تكن علاقتي بأحمد اليماني (أبو ماهر)، علاقة عابرة.

كنت أكنّ له احتراماً وتقديراً كبيرين، ليس فقط لأنه كان شخصية سياسية فلسطينية، بل لأنه كان من ذلك الجيل الذي عاش فلسطين قضيةً وذاكرةً ومسؤولية.

كنت أزوره أحياناً، وألتقيه في مناسبات متباعدة، وأحياناً برفقة عدد من الأصدقاء. وكانت لقاءاتنا تحمل دائماً شيئاً خاصاً؛ ربما لأنك عندما تجلس أمام رجل من ذلك الجيل، تشعر أنك أمام شخص عاش جزءاً من التاريخ، لا أمام من يرويه لك.

لكن هناك لقاءً واحداً مع أبي ماهر بقي في ذاكرتي حتى اليوم.

كان ذلك بعد اتفاق أوسلو، في سبتمبر/أيلول 1993، في إحدى الفعاليات التي أقيمت في قاعة جمال عبد الناصر في جامعة بيروت العربية. كان أبو ماهر بين الحضور، وكان هناك متحدث من حركة فتح جاء من تونس إلى لبنان.

جلست إلى جانب أبي ماهر.

كان حديث المتحدث طويلاً ومملاً، ولم أقاوم النعاس. بدأت أغفو في مقعدي.

وفجأة شعرت بضربة قوية إلى جانبي.

ضرب أبو ماهر المقعد بيده احتجاجاً على ما قيل، ثم نهض وغادر القاعة.

استيقظت مذعوراً. لم أفهم ما الذي حدث، فخرجت خلفه.

ولحق بنا شفيق الحوت، محاولاً إقناع أبي ماهر بالعودة إلى القاعة.

لكن من عرف أبا ماهر يعرف أنه لم يكن من السهل تغيير موقفه عندما يغضب.

واصل طريقه إلى منزله القريب من الجامعة، ولحق بنا عدد من أصدقائه.

هناك عرفت سبب غضبه.

كان المتحدث قد تطرق في حديثه إلى ناجي العلي، وسأل: لماذا دُفن ناجي في لندن، ولم يُدفن في مخيم عين الحلوة؟

كان السؤال بالنسبة إلى أبي ماهر أكبر من مجرد سؤال.

فهو لم يكن بعيداً عن تفاصيل تلك المرحلة، وكان على صلة بترتيبات وصول جثمان ناجي، ويعرف من التفاصيل ما لم يكن يعرفه كثيرون.

أما مسألة دفنه في عين الحلوة، فلم تكن يومها مسألة بسيطة.

لذلك فهمت غضب أبي ماهر يومها، وإن كنت لا أعرف كل ما كان يعرفه.

بعد سنوات، عندما كنت أعدّ كتاباً عن الشهيد ناجي العلي، نصحني الكاتب والأديب الفلسطيني سليمان الشيخ بأن ألتقي أبا ماهر.

قال لي:

«يجب أن تلتقي بأبي ماهر اليماني، لديه معلومات مهمة عن ناجي.»

اتصلت بأبي ماهر، واتفقنا على موعد.

وفي صيف عام 2000، جلست معه في منزله.

تحدثنا عن ناجي الإنسان.

سألته عن علاقته به، وعن شخصية ناجي، وعن بداياته.

وسألته سؤالاً ظل عالقاً في ذهني:

هل كان ناجي عضواً في حركة القوميين العرب؟

أجابني أبو ماهر بأن ناجي كان قريباً من الحركة، لكنه لم يكن منضبطاً تنظيمياً. كان كما وصفه لي، فوضوياً، ولا يلتزم بحضور الاجتماعات الحزبية.

ثم وصلت إلى السؤال الذي كنت أبحث عن إجابته.

سألته عن اغتيال ناجي.

وسألته أيضاً:

لماذا لم يُدفن في عين الحلوة؟

هنا تغير وجه أبي ماهر.

نهض من مكانه.

وقف أمامي متوتراً، ثم عاد وجلس.

رفض أن يجيب.

حاولت أن أعرف منه شيئاً، لكنه ظل صامتاً.

ثم قال:

«قتلوه... قتلوه... قتلوه...»

قالها وهو واقف، ثم جلس، وساد الصمت.

لم أعرف ماذا كان وراء تلك الكلمات.

ماذا تذكر أبو ماهر في تلك اللحظة؟

ماذا كان يعرف؟

ولماذا تغير وجهه وصوته عندما وصل الحديث إلى اغتيال ناجي ودفنه؟

لم أحصل على جواب.

كان أبو ماهر بالنسبة إلى ناجي العلي أكثر من مجرد شخص عرفه في طفولته؛ فقد كان أحد معلميه في مخيم عين الحلوة.

وفي حكايته عن طفولته، قال ناجي العلي:

«حين كنت صبياً في عين الحلوة، انتظمتُ في فصلٍ دراسيّ كان مدرّسي فيه أبو ماهر اليماني. علّمنا أبو ماهر أن نرفع علم فلسطين وأن نحيّيه، وحدثنا عن أصدقائنا وأعدائنا... وقال لي، حين لاحظ شغفي بالرسم: "ارسم... لكن دائماً عن الوطن".»

لم يكن أبو ماهر يعرف يومها أن الطفل الذي أمامه سيصبح بعد سنوات ناجي العلي، وأن تلك النصيحة سترافقه طوال حياته.

ناجي لم يرسم عن الوطن فقط، لقد جعل من الرسم وطناً، وجعل من حنظلة شاهداً دائماً على وطن لم يسمح للمنفى أن يمحوه.

لكن علاقة الرجلين، في نظري، لم تكن مجرد علاقة معلم بتلميذ.

أبو ماهر كان جزءاً من البيئة الوطنية والسياسية التي تشكل فيها وعي ناجي العلي. وكان قريباً من حركة القوميين العرب، بينما كان ناجي قريباً منها من دون أن يكون رجل تنظيم واجتماعات.

ولعل هذا يفسر جانباً من شخصية ناجي العلي التي عرفناها لاحقاً.

كان شديد الالتصاق بفلسطين، ولم يكن من السهل أن يقبل قيداً يمنعه من قول ما يراه.

ولهذا رسم الجميع، ولم يسلم أحد من حنظلة.

واللافت أن ناجي العلي، قبل اغتياله، ظل يعود إلى أبي ماهر عندما يشعر بالخطر.

وربما كان ذلك طبيعياً.

فالطفل الذي عرف أبا ماهر معلماً في المخيم، ظل يرى فيه بعد سنوات رجلاً يستطيع أن يعود إليه.

وهنا تصبح العلاقة بينهما أبعد من السياسة.

هناك طفل فلسطيني فقد وطنه، وهناك رجل فلسطيني عرف ذلك الطفل منذ أيام المخيم.

ثم كبر الطفل، وأصبح ناجي العلي، وظل أبو ماهر حاضراً في جزء من ذاكرته.

رحل ناجي العلي برصاصة في لندن، ورحل أبو ماهر بعد سنوات.

وبين الرجلين بقيت أسئلة لم تجد جواباً.

مات ناجي، وبقي حنظلة واقفاً، يدير ظهره للعالم.

أما أنا، فبقيت في ذاكرتي تلك الجملة التي قالها أبو ماهر في منزله:

«قتلوه... قتلوه... قتلوه...»

لا أعرف ماذا كان وراءها.

ولا أريد أن أضيف إلى شهادتي شيئاً لا أعرفه.

أنا أعرف فقط ما رأيته وسمعته.

رأيت رجلاً يتغير عندما وصل الحديث إلى ناجي العلي.

رأيت توتره، رأيت صمته، وسمعت كلماته الثلاث.

وهذا كل ما أستطيع أن أشهد به.

وفي لندن، حيث تستطيع الأجهزة الأمنية البريطانية الوصول إلى كثير من تفاصيل الجرائم والتحقيق فيها، يبقى السؤال الذي لم يجد جواباً حتى اليوم: هل يُعقل أن جريمة اغتيال ناجي العلي، التي وقعت في قلب لندن، لم تُفضِ التحقيقات فيها إلى معرفة من قتله؟

لكنني لهذا السبب تحديداً لا أستطيع، بعد كل هذه السنوات، أن أنظر إلى علاقة أبي ماهر بناجي العلي باعتبارها مجرد علاقة معلم بتلميذ.

جمعت بينهما فلسطين، والمخيم، والذاكرة، ثم جاء اغتيال بقيت حوله أسئلة كثيرة.

وربما لهذا بقيت بعض الحكايات ناقصة، ليس لأن الشهود لم يكونوا موجودين، بل لأن بعض الشهود رحلوا، وأخذوا معهم ما كانوا يعرفونه.

رحم الله ناجي العلي، ورحم الله أحمد اليماني، أبا ماهر.

وبينهما بقيت فلسطين.

وبقي حنظلة واقفاً، يدير ظهره لنا جميعاً.

كأنه يقول:

هناك أشياء لم تُحكَ بعد.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية


المزيد.....




- سوريا تعيد افتتاح سفارتها في ليبيا بعد 14 عاما من الإغلاق
- -مالكه بداخله-.. مستوطنون إسرائيليون يستولون على منزل بعد اق ...
- مصر.. صاحب مقترح -مقايضة الديون- يتراجع عن إدراج قناة السويس ...
- الأطراف السياسية المتنافسة في ليبيا تتفق على خارطة طريق لإجر ...
- اتصالات وزيارات سرية إلى تل أبيب.. تقرير يكشف أوجه التعاون ب ...
- دحلان يطرح معادلة فلسطينية جديدة: شراكة بين الفصائل وتعددية ...
- الجزائر ترسل مقاتلات -سوخوي-30- لدعم الجيش النيجري بعد محاول ...
- توغلات جديدة للقوات الإسرائيلية في الجنوب السوري للمرة الثان ...
- ميرتس: الإنفاق الدفاعي أولى من الإعانات الأسرية
- تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل صفقة ضخمة -لن تسعد تركيا برؤيتها- ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود