أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - فلسطين... المعركة على السردية والهوية















المزيد.....

فلسطين... المعركة على السردية والهوية


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:24
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم تعد المعركة الفلسطينية تُخاض على الأرض وحدها. هناك معركة أخرى لا نسمع ضجيجها، لكنها لا تقل خطورة؛ معركة تجري في الذاكرة والوعي، وفي الطريقة التي سنروي بها حكاية فلسطين لأبنائنا وأحفادنا.

من يملك حق رواية فلسطين؟ ومن يملك القدرة على حماية صورتها من أن تُشوَّه أو تُختصر أو تُكتب من وجهة نظر الآخرين؟

هذه هي معركة السردية.

فالصراع على فلسطين لم يكن يوماً صراعاً على الجغرافيا وحدها، بل كان أيضاً صراعاً على معنى المكان؛ على أسماء القرى والمدن، وعلى تفاصيل الحياة فيها، وعلى حكايات أهلها، وعلى كل ما بقي في الذاكرة بعد أن تغيرت خرائط كثيرة.

ومن يملك الرواية لا يملك الماضي فقط، بل يشارك في صناعة المستقبل.

هنا يأتي دور الفن.

الفن ليس ترفاً يمكن تأجيله إلى أن تنتهي الصراعات. وفي الحالة الفلسطينية، كان في أحيان كثيرة وسيلة لحفظ ما كان يمكن أن يضيع. وحين يرتبط بالمكان والذاكرة، يصبح وثيقة من نوع آخر؛ وثيقة لا تُكتب بالحبر وحده، بل باللون والصورة والكلمة والموسيقى والسينما.

لوحة يمكن أن تحفظ ملامح قرية لم يعد الجيل الجديد يعرفها إلا من الكتب.

وأغنية قد تحمل اسم مدينة إلى طفل وُلد بعيداً عنها.

ورواية تستطيع أن تعيد إلى الذاكرة بيتاً لم يبقَ منه سوى صورة قديمة.

وفيلم يستطيع أن يقدّم الإنسان الفلسطيني كما هو، بحياته وأحلامه وخوفه وفرحه، لا مجرد رقم في خبر أو صورة عابرة على شاشة.

هنا تكتسب المقاومة الفنية معناها.

الفن المقاوم ليس شرطاً أن يكون شعاراً سياسياً صريحاً، ولا أن تتحول اللوحة إلى منشور أو الرواية إلى خطاب. أحياناً تكون المقاومة أبسط من ذلك بكثير: أن تحافظ على اسم مكان، أو صورة بيت، أو أغنية، أو حكاية تناقلتها عائلة من جيل إلى جيل.

أن ترفض أن يصبح الفلسطيني مجرد رقم، وأن يتحول المكان إلى اسم بلا ذاكرة، وأن يُترك التاريخ لمن يريد أن يكتبه وحده.

حين يرسم الفنان الفلسطيني شجرة زيتون، فهو لا يرسم شجرة فقط.

وحين يرسم مفتاحاً قديماً، فهو لا يرسم قطعة من معدن.

وراء هذه الأشياء حكايات كاملة؛ بيوت وأسماء ووجوه وغياب طويل.

ومن هنا، لا يُقاس انتماء الفن بالشعارات التي يرفعها، بل بقدرته على حفظ الحياة والمكان والذاكرة، ومنحها حضوراً يتجاوز اللحظة ويصل إلى الأجيال القادمة.

والانتماء لا يعني أن يتحول الفنان إلى خطيب، ولا أن يتخلى عن استقلال الفن وجمالياته؛ بل يعني أن يعرف من أين جاء، وأن يدرك قيمة المكان الذي يتحدث عنه، وأن يعرف ما الذي يمكن أن يضيع إذا لم يجد من يحفظه.

لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.

فالذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة تصبح حنيناً، والحنين وحده لا يحمي الهوية.

لهذا نحن بحاجة إلى عمل حقيقي ومنظم: حفظ الصور والوثائق، وتسجيل شهادات الذين عاشوا الأحداث قبل أن يغيبوا، وجمع أسماء القرى والبيوت والعائلات، وحفظ الأغاني والحكايات الشعبية، وإعادة تقديم الثقافة الفلسطينية بأدوات العصر.

فالجيل الذي ينشأ اليوم لا يعيش كما عاش آباؤه. عالمه مختلف، وأدواته مختلفة؛ الهاتف في يده، والصورة أمامه، والفيديو أقرب إليه من الكتاب، والمنصات الرقمية جزء من حياته اليومية.

لذلك لا يكفي أن نقول له: تذكر فلسطين.

علينا أن نعطيه ما يساعده على معرفتها وفهمها وروايتها بنفسه. وإذا لم نفعل ذلك، فستكون هناك روايات أخرى جاهزة لتقول له من هي فلسطين، وماذا كان فيها، ومن عاش فيها، وكيف يجب أن يتذكرها.

وهنا تكمن خطورة المعركة المقبلة.

ليست المسألة في أن نصرخ أعلى من الآخرين، وإنما في أن نملك ما نقوله، وأن نعرف كيف نوثقه ونقدمه، وكيف نحافظ عليه من التشويه والنسيان.

ولا نحتاج إلى اختراع تاريخ جديد. القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مبالغات حتى تصبح قوية. الحقيقة، بكل ألمها وتفاصيلها الإنسانية، تكفي.

والفن يستطيع أن يقدم هذه الحقيقة بطريقة تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى الكتب.

قد تتغير الخرائط، قد تُهدم البيوت، وقد يغيب الشهود.

لكن صورة قد تبقى، وكتاب قد يبقى، وأغنية قد تبقى، ولوحة صادقة قد تمنح إنساناً لم يرَ قريته يوماً صورة عنها، وتمنحه إحساساً بأن ذلك المكان كان حقيقياً، وأن وراء اسمه حياة كاملة.

لهذا يصبح الفن واحداً من أهم أدوات حماية الذاكرة الفلسطينية؛ ليس لأنه يطلق النار، بل لأنه يمنع الحقيقة من الموت.

ولا ينبغي أن يبقى الفنان والكاتب والمخرج والمصور والموسيقي بعيدين عن هذه المعركة. هم ليسوا مطالبين بصناعة دعاية، وإنما بأعمال صادقة؛ أعمال تحفظ الإنسان قبل الشعار، والتفاصيل قبل الخطابة، والحقيقة قبل المبالغة.

فأخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن تُنتزع منه الأرض فحسب، بل أن تُنتزع منه ذاكرته، ويُسلب حقه في أن يروي تاريخه ويصوغ روايته.

والأخطر من ضياع المكان أن يأتي يوم يبحث فيه الفلسطيني عن فلسطين في كتب الآخرين، وفي أفلامهم، وفي رواياتهم.

عندها لا تكون الخسارة في الأرض وحدها، بل في اللغة التي نصف بها الأرض، وفي الذاكرة التي نعرف بها أنفسنا.

لذلك فإن الدفاع عن فلسطين لا يكون بالسياسة والميدان وحدهما. هناك دفاع آخر لا يقل أهمية: الدفاع عن الاسم، والصورة، واللون، والأغنية، والكتاب، والحكاية.

صون حق الفلسطيني في أن يروي حكايته، لا أن تُروى عنه.

فالمعركة القادمة لن تكون فقط حول من يملك المكان، بل حول من يملك حق تعريف الحقيقة، ومن يملك أدوات حفظ الذاكرة، ومن يستطيع أن يجعل هويته حاضرة في وعي الأجيال.

ومن هنا، فإن الفن الفلسطيني ليس هامشاً في المعركة.

إنه في قلبها.

والفنان، حين يخلص لفنه ولإنسانه وذاكرته، ليس مجرد شاهد على التاريخ؛ إنه أحد حُرّاسه.

قد ينتصر الأقوى في لحظة، وقد يفرض روايته في زمن، لكن القوة لا تستطيع وحدها أن تحدد ما سيبقى في ذاكرة الناس.

ما يبقى هو ما يجد من يحفظه، ومن يرويه، ومن يرفض أن يتركه للنسيان.

ولهذا ستبقى فلسطين بحاجة إلى من يكتبها، ويرسمها، ويصورها، ويغني لها، ويوثق حكايات أهلها، ويضعها بين يدي الأجيال القادمة.

فربما لا نستطيع أن نعرف كيف ستبدو خرائط الغد.

لكننا نستطيع أن نضمن ألا يضيع اسم فلسطين من الذاكرة.

وأن يبقى هناك دائماً من يقول للأجيال القادمة:

هنا كانت فلسطين... وهنا ما زالت.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...


المزيد.....




- هل يستطيع ترامب تغيير اسم -بحيرة أونتاريو؟-.. مراسلة CNN تجي ...
- تقرير عن توترات في البيت الأبيض واستعداد موظفين للرحيل.. ماذ ...
- مئات الأجانب في عداد المفقودين بعد فيضانات قاتلة في نيبال
- تصاعد القرصنة قرب السواحل الصومالية مع اتساع تداعيات الحرب ا ...
- العقوبات الأمريكية على إيران تطال فرع -بنك مصر- في الإمارات ...
- قضم الأظافر عند الأطفال: سلوك طبيعي أم جرس إنذار نفسي؟
- تغير المناخ يعرّض 560 مليون طفل لشهر إضافي من الحرارة الخطير ...
- عقيد أمريكي يحذر إسرائيل: -إذا استفززتم الأتراك فهذه معركة ح ...
- وول ستريت جورنال: الحرب على إيران استنزفت ترسانات أمريكا في ...
- الخارجية الروسية: تصريحات أرمينيا بشأن -العقوبات- مجرد تلاعب ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - فلسطين... المعركة على السردية والهوية