أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا وشاتيلا















المزيد.....

عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا وشاتيلا


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 15:09
المحور: القضية الفلسطينية
    


في صبرا وشاتيلا، لم ينجُ من الموت كلُّ من بقي حيّاً.

نجا عصام أبو دهيس، لكنه ترك خلفه صهراً شهيداً، ووجوهاً لم تغادر ذاكرته، وليلةً ظلّت تسكنه طوال حياته.

كان يقف في صفّ الموت، والرصاص يحصد من حوله، ثم سقط ونجا… لا ليحمل فرحة النجاة، بل ليحمل أصوات الذين قُتلوا .

هذه شهادة ناجٍ رأى المجزرة بعينيه، وعاش تفاصيلها لحظةً بلحظة.

نجا عصام ليحكي…

لأن الذين رحلوا لم يبقَ منهم إلا الذاكرة، والشهادة، والحقيقة.

عصام عرسان المحمد «عصام أبو دهيس»، مواليد مخيم عين الحلوة عام 1965، من بلدة لوبيا قضاء طبريا.

كيف بدأت المجزرة في صبرا وشاتيلا؟

في حوالي الساعة السابعة من مساء يوم الخميس، 16 أيلول/سبتمبر 1982، كنت في مستشفى غزة برفقة صديقي محمود. تركته ينتظرني أمام المستشفى، ثم توجهت إلى بيت أختي الكائن في الجنوب الشرقي من مخيم شاتيلا.

وأنا في الطريق، شاهدت مجموعة من المقنّعين، كان عددهم حوالي 25 شخصاً، وكانوا مسلحين بالكلاشينكوف. في البداية اعتقدت أنهم فدائيون، وعندما اقتربت منهم عرفت أنهم ليسوا فدائيين. ناداني أحدهم بلهجة لبنانية وقال لي:

«تقدّم إلى هنا».

اقتربت منه، ولحظتها أيقنت أن الكارثة قد وقعت.

سألني المسلح:

«هل يوجد فدائيون في الجوار؟»

أجبته:

«ربما، هل أذهب لأتأكد لك؟»

لم يجب، وطلب مني الاقتراب والانبطاح على الأرض. عندما انبطحت على مقربة من المسلحين، وجدت العديد من الرجال في وضع الانبطاح، بينما كانت تقف في زاوية قريبة عشرات النساء والأطفال في حالة من الذعر الشديد.

نظرت إلى يميني، فوجدت صهري محمد محمود نزال منبطحاً بقربي.

همست لصهري:

«من هؤلاء؟»

أجابني همساً:

«لماذا جئت؟ إنهم من اليهود والكتائب».

مرت لحظات من الصمت الثقيل، قطعها أحد الملثمين بالقول:

«يا بول، خذ النساء والأطفال إلى أقرب نقطة للصليب الأحمر».

قاد بعض المسلحين النساء والأطفال باتجاه الحرش. أعتقد أنهم قتلوهم في الحرش.

ثم أمرنا مسلح آخر بالوقوف ووجوهنا إلى الحائط استعداداً للتفتيش.

وقفنا في صفين متقابلين، وجوهنا إلى الحائط وأيدينا مرفوعة إلى أعلى.

وأثناء نهوضنا، استطعت أن ألمح وجوه عدد من رجال المخيم بجانبي.

جميعهم جاؤوا بهم من ملجأ أبي ياسر، حيث كانوا يحتمون من القصف.

خلفنا كان عدد من المسلحين يصوّبون بنادقهم إلينا.

وكنا بانتظار بدء عملية التفتيش، وفجأة انهمر الرصاص بغزارة.

في البداية اعتقدت أنهم يطلقون النار لإرهابنا، لكنني بدأت أسمع ارتطام الأجساد بالأرض، وبدأت أسمع أنين الرجال كأصوات طيور الحمام.

نظرت إلى الخلف نحو المسلحين.

شعرت بأن رأسي ارتطم بالحائط. كنت أقف إلى جانب بوابة منزل، فسقطت أرضاً، وحاولت الدخول إلى داخل المنزل.

كان الرصاص ما زال ينهمر كالمطر علينا.

دخلت البيت بصعوبة، ووقفت للحظات مذعوراً خلف شجرة في ساحة البيت. كنت أسمع أنين الضحايا وحشرجاتهم.

سمعت وأنا داخل ساحة البيت، صوت أحد القتلة يقول لآخر:

«فتّش البيت، ممكن يكون في حدا بداخله».

صعدت إلى سطح البيت عبر الدرج، ومنه إلى بيت مجاور. بدأت أشعر بالدوار، وركضت عبر الزواريب باتجاه جامع مخيم شاتيلا.

وقبل أن أصل إلى جامع مخيم شاتيلا، وأنا أركض في أحد الزواريب، شاهدت نساء وأطفالاً تم قتلهم. أظن أنهم كانوا النساء والأطفال أنفسهم الذين كانوا معنا، والذين قالوا إنهم سيسلّمونهم إلى الصليب الأحمر.

شاهدني مسلح، فقذف نحوي قنبلة يدوية أصابت شظاياها ذراعي اليسرى.

تابعت ركضي إلى جامع مخيم شاتيلا. وصلت إلى الجامع، فوجدت الناس متجمعين أمامه. قلت لهم:

«هناك مجزرة».

لم يصدقني أحد. لقد كانت المجزرة أبشع من أن يستوعبها العقل الإنساني.

وأنا أخبرهم، شعرت بدوار شديد. لم أكن أعلم أنني مصاب بطلق ناري أسفل فكي، ومصاب بطلقة في خاصرتي اليمنى.

سقطتُ أرضاً وفقدتُ وعيي.

يبدو أن شباب المخيم نقلوني من جامع مخيم شاتيلا إلى مستشفى غزة. تم إسعافي، ثم استيقظت.

أخبرت الجميع بأن مجزرة تحدث، لكن لا أحد صدقني.

ثم حضرت إلى المستشفى ممرضة أجنبية تعمل في مستشفى عكا، جنوب المخيم، وبدأ الناس يتناقلون الخبر داخل المستشفى.

ثم ساءت حالتي الصحية في مستشفى غزة، فنقلوني بالإسعاف إلى مستشفى المقاصد.

تم علاجي، وبعدما تعافيت طلبوا مني مغادرة المستشفى، لكن الجيش اللبناني كان يعتقل أي فلسطيني يجده في الشارع.

أقنعت إدارة المستشفى بأن أعمل معهم في قسم الطوارئ مجاناً، مقابل أن أنام فقط في المستشفى.

كانت مهمتي نقل الموتى من غرف العمليات إلى البرّاد.

لم تكن لديّ ثياب في المستشفى. تعرّفت إلى ممرضة لبنانية، فاشترت لي ثياباً وملابس داخلية من مالها الخاص.

وكانت تحضر لي الطعام يومياً من بيتها، لكنني لم أعد أراها في المستشفى. بحثت عنها طويلاً، لكنني لم أجد لها أثراً.

أتمنى لو أعرف اسمها وأين تسكن.

كانت إنسانة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

عندما كنت أقف في الصف بانتظار إعدامنا، كان صهري يقف إلى جانبي تماماً.

استشهد بجانبي، ورأيت احتضاره وسمعت حشرجاته.

كانت ليلة لا يمكن أن أنساها ما حييت.

أكثر ما كان يحزنني أن أمي وأبي وأخواتي لم يكونوا يعرفون عني أي شيء. كانوا يعتقدون أنني قُتلت في مجزرة صبرا وشاتيلا.

وبعد حوالي ثلاثة أشهر من الغياب عن أهلي، عدت إلى مخيم عين الحلوة.

لم يصدق أهلي أنني ما زلت حياً.

إن الأعداء ينكرون أنهم ارتكبوا المجزرة، رغم كل الشواهد التي تفضح كذبهم.

المهم ألّا ننسى نحن دم شهدائنا المسفوح في صبرا وشاتيلا، والمهم ألّا تمر هذه الجريمة دون عقاب، والمهم أيضاً أن يظل شهداء صبرا وشاتيلا حافزاً لنا على مواصلة الكفاح.

نجا عصام من الموت، لكن الموت ظلّ يسكنه.

دفن صهره ورفاقه في ذاكرته، وحمل أصواتهم وحشرجاتهم معه طوال حياته.

منذ تلك الليلة، لم تعد النجاة بالنسبة إليه حياةً كاملة؛ كانت عبئاً ثقيلاً… وذاكرةً لا ترحم.

بقي حيّاً، ليحكي كيف مات الذين كانوا يقفون إلى جانبه.

المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع عصام عرسان المحمد (عصام أبو دهيس)، 7 تشرين الأول/أكتوبر 1985، مخيم اليرموك، دمشق.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم
- زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً
- كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟
- حين حمل القميص فلسطين
- طلال سلمان… حين كانت «السفير» تصل إلى فرن المناقيش
- هل ما زالت منظمة التحرير للشعب… أم أصبحت لمن يملك المال والن ...
- الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع
- ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة


المزيد.....




- عُثر عليها مشنوقة على شجرة.. تطور جديد في قضية وفاة شابة بأم ...
- مصر تدين بشدة الاعتداءات الأخيرة على السعودية وتحذر من تأجيج ...
- السعودية تنفذ حكم القتل بحق باكستاني أدين بجرائم إرهابية
- الشتاء يقترب وحزب الله يعيد بناء صفوفه.. ضباط إسرائيليون يحذ ...
- موقف سيارات آلي في مطار غاتويك يعد بتخزين طويل الأمد أكثر أم ...
- جهاز يحول العناية بالنباتات إلى لعبة تفاعلية
- ضربة حوثية تكشف اختبار -ميثاق مكة-.. هل يصمد تحالف السعودية ...
- الحوثيون يضربون من المخا إلى باب المندب.. هل تتحول اليمن إلى ...
- -وول ستريت جورنال-: الإمارات تدرس إنشاء مراكز بيانات تحت الأ ...
- الشرع: نعمل لإيجاد سبل تقلل آثار الحرب وهناك تخوف من توسعها ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا وشاتيلا