أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني لم أستطع دفن ذكراه















المزيد.....

سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني لم أستطع دفن ذكراه


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 11:26
المحور: القضية الفلسطينية
    


بعض المآسي لا تنتهي حين يتوقف القتل، ولا تُدفن حين تُوارى الجثامين تحت التراب. هناك أوجاع تبقى حيّة في ذاكرة من نجا، تحمل وجوه الذين رحلوا، وأصواتهم، وتفاصيل لحظاتهم الأخيرة.

في صبرا وشاتيلا، لم تكن سَنِيّة محمد قاسم رمضان «أم جهاد» شاهدةً على المجزرة فحسب؛ كانت واحدةً ممن فقدوا أحباءهم، ورأت بأمّ عينيها كيف تحوّلت لحظات البحث عن الماء والأمان إلى رحلة بين الخوف والموت.

نجت أم جهاد من الموت، لكنها حملت معها فاجعة فقدان زوجها، محمد متعب قاسم رمضان «أبو جهاد»، وعدداً من أقاربها. وعادت من تلك الأيام بصورة زوجها بين الجثث، وبمشاهد لم تستطع السنوات أن تمحوها.

هذه شهادة امرأة نجت من المجزرة، لكنها حملت وجعها معها طوال حياتها.

هذه حكايتها، كما روتها، وكما بقيت تفاصيل ذلك اليوم محفورةً في ذاكرتها.

سَنِيّة محمد قاسم رمضان، المعروفة بـ«أم جهاد»، فلسطينية من عشيرة عرب الطوقية، قرب قرية البصّة في شمال فلسطين. وُلدت في البصّة عام 1936.

في صبرا وشاتيلا فقدت زوجي، محمد متعب قاسم رمضان «أبو جهاد»، وفقدت عدداً من أقاربي، ونجوت من الموت، لكنني حملت تلك الأيام معي طوال حياتي.

هذه حكايتي، كما بقيت في ذاكرتي.

شهادة سَنِيّة رمضان «أم جهاد»

في صباح يوم الجمعة 17 أيلول/سبتمبر 1982، نحو الساعة التاسعة، ذهبت الطفلة رجاء علي رمضان، ابنة شقيقي، إلى مفرق صبرا، بالقرب من تمثال أبو حسن سلامة، لتعبئة الماء. كانت أنابيب المياه مكسّرة في الشارع، وكان الماء يتجمع فيها.

مرّ جيب لقوات الاحتلال، وأطلق على رأسها رصاصة من مسافة قريبة جداً، فماتت على الفور.

جاءت جارتنا وقالت لنا:

«قتلوا رجاء وهي تشرب ماء عند تمثال أبو حسن سلامة».

وفي نحو الساعة الحادية عشرة قبل ظهر اليوم نفسه، كنت جالسة أمام منزل أهلي في بئر حسن، حين اقتحم الزاروب ستة مسلحين.

قالوا لنا:

«لا تخافوا، نحن جيش لبناني».

وطلبوا منا أن نمشي أمامهم، ولم يسمحوا لنا أن نغلق أبواب منازلنا.

بعد ذلك عرفنا أنهم ليسوا من الجيش اللبناني، بل من جماعة سعد حداد.

وتعرّفت إلى أحدهم، وكان مفضي ياسين أبو ساري، المعروف أيضاً باسم مفضي أبو دراج. كنت أعرفه، وهو من سكان الظهيرة قرب الناقورة.

مشيت أنا ومن معي أمام المسلحين حتى الحسينية، حيث كان عدد كبير من الناس، ثم اقتادونا إلى مفرق صبرا، عند تمثال أبو حسن سلامة، في زاوية المقبرة.

هناك شاهدنا حرامات زرقاء مفروشة على الأرض، بالقرب من محل مفروشات أبو محمود أبو حرب. وكانت عليها بلطات وسكاكين وسِنَج تُوضع على فوهات البنادق.

وقالوا لنا:

«الفلسطيني يقف مع السوري، واللبناني لحاله».

كان هناك عدد كبير من جنود الاحتلال، إلى جانب آخرين كانوا يرتدون بزّات لم أعرف ما كُتب عليها، لكنها بدت لي شبيهة ببزّات الجيش اللبناني.

ثم قال أحد المسلحين، بلهجة عربية مكسّرة:

«روحوا على المدينة الرياضية».

اقتادونا إلى المدينة الرياضية، وبقينا هناك تحت تهديد السلاح.

جلسنا هناك من دون أن نرفع رؤوسنا، وكانوا يسلّطون أسلحتهم على رؤوسنا. بقينا حتى عصر يوم الجمعة.

ثم جاءت امرأة وقالت لنا:

«بعدكوا هون؟ قتلوا كل الناس عند مفرق صبرا».

وبقينا في المدينة الرياضية حتى المغرب، قبل أن يأتي أحد المسلحين ويطلب منا التوجه إلى جسر الكولا.

بعد أن مشينا، بدأوا بإطلاق الرصاص علينا بكثرة، ومات عدد من الناس بالرصاص.

واصلنا طريقنا حتى وصلنا إلى برج أبي حيدر. حاولنا دخول إحدى البنايات، لكن سكانها طردونا.

وهناك وجدنا حاجزاً لقوات الاحتلال.

حاولنا دخول بناية أخرى، لكن سكانها طردونا أيضاً.

ثم وصلنا إلى بناية أخرى، حيث استضافتنا امرأة وقدمت لنا حُصراً وشراشف.

العودة إلى صبرا

في صباح اليوم التالي، السبت، نحو الساعة التاسعة، طلب مني والدي ومن معي أن نعود إلى صبرا.

وعند محطة الدنا، شاهدنا رجلاً مسناً وسألنا إلى أين نتوجه. وعندما عرف أننا ذاهبون إلى صبرا، قال لنا إن مجزرة وقعت في صبرا وشاتيلا.

فجأة شاهدنا الناس تركض في الشارع، وكانوا يقولون:

«مجزرة في مستشفى غزة».

فهربنا وذهبنا إلى مستشفى الجامعة الأميركية.

وفي يوم الاثنين، عدت إلى صبرا.

في طريق العودة، مشينا من محطة الدنا إلى تمثال أبو حسن سلامة، قرب محطة الرحاب، مروراً بمستشفى غزة وسوق صبرا، كانت رائحة الموت تفوح من كل مكان. وكان طقس شهر أيلول حاراً جداً، لا يُطاق، وكانت ألوان الجثث تميل بشدة إلى السواد والازرقاق.

هناك شاهدت زوجي، محمد متعب قاسم رمضان «أبو جهاد»، مقتولاً عند مفرق صبرا، بالقرب من تمثال أبو حسن سلامة، إلى جانب عدد كبير من الجثث.

كانت الجثث مغطاة بالحرامات، وكان الدفاع المدني وكشافة الرسالة الإسلامية يعملون على تغطيتها.

دفنّا زوجي في مقبرة الشهداء قرب دوار شاتيلا، لكنهم لم يسمحوا لنا بدفنه حتى دفعنا لهم مالاً.

«ما خلّونا ندفنه حتى دفعنا لهم مصاري. دفعنا 300 ليرة لبنانية، وكان هذا المبلغ يومها كبيراً جداً».

زوجي الشهيد محمد متعب قاسم رمضان «أبو جهاد»، قتلوه بطريقة بشعة لا يمكن أن يتصورها العقل البشري.

انتهت المجزرة، لكن حياتي لم تعد كما كانت.

دفنتُ زوجي، لكنني لم أستطع أن أدفن ذكراه.

بقي اسمه في قلبي، وبقيت صبرا وشاتيلا جرحاً لا يلتئم.


ملاحظة: هذه الشهادة رواية مباشرة أدلت بها سَنِيّة محمد قاسم رمضان «أم جهاد» أمامي، وجلستُ إليها وحدثتني عن تفاصيل ما عاشته وما بقي في ذاكرتها.

وقد آثرتُ، لأسباب إنسانية، حذف بعض التفاصيل شديدة القسوة التي روتها لي عن الطريقة التي قُتل بها زوجها، رغم أنها جزء من شهادتها، تجنّباً لإعادة نقل تلك المشاهد بكل ما تحمله من ألم وقسوة.


المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع سنية محمد قاسم رمضان «أم جهاد»، 6 حزيران/يونيو 2002، بئر حسن – بيروت.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا و ...
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم
- زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً
- كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟
- حين حمل القميص فلسطين
- طلال سلمان… حين كانت «السفير» تصل إلى فرن المناقيش
- هل ما زالت منظمة التحرير للشعب… أم أصبحت لمن يملك المال والن ...
- الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع
- ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية


المزيد.....




- مجوهرات صُممت للخيول العربية..ما أبرز ما يُزيّن عنق الحصان؟ ...
- المتحدث العسكري للحوثي يعلق على اعتراض مسيّرة حاوت دخول أجوا ...
- نص برقية محمد بن سلمان إلى السيسي بعد مغادرة مصر
- رئيس وزراء باكستان يعلق على -استهداف مكة بطائرة مسيّرة-.. وه ...
- روسيا.. تطوير مادة من بوليمر طبيعي تزيد متانة الأسمنت بنسبة ...
- من صواريخ اليمن إلى حرب السودان: كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي ...
- جي بي إس ليس وحده.. حرب خفية على أقمار صناعية تحدد موقعك
- أخطبوط البيانات.. منظومة خفية تتاجر بأدق تفاصيل حياتك!
- عشرات القتلى والجرحى والمفقودين بانهيار مبنى في غزة
- العرب وبحر سارجاسو الغامض.. -أشباح خيول وسط ضباب أخضر-


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني لم أستطع دفن ذكراه