أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين














المزيد.....

ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 18:17
المحور: الادب والفن
    


ولد الجدل الأزلي بين الإيمان والإلحاد مع تشكّل الوعي البشري الأول؛ صراع ممتد عبر القرون، سالت فيه أحبار كثيرة وخيضت لأجله معارك فكرية طاحنة، لكنه في المحصلة التاريخية لم يفضِ إلى شيء ملموس يغير جوهر المعاناة الإنسانية. لم يربح الملحدون من إنكارهم شيئاً سوى العيش تحت سماء زجاجية باردة، في كون ميكانيكي أصم لا غاية منه، بينما غنم المؤمنون —على اختلاف مشاربهم— الجائزة الأثمن: الاطمئنان الروحي والسكينة الداخلية. واليوم، وسط أمواج القلق المتفاقم التي تتقاذف إنسان العصر الرقمي وهو يلهث حافياً كي يجد نفسه ويبرر وجوده، يبدو أن البشرية لم تعد بحاجة إلى الإيمان كمنظومة طقوسية أو مجرد أسلوب في العبادات، بل كحل مثالي وأخير لاستعادة الطمأنينة المفقودة في عالم ضاقت فيه الحلول المادية تماماً.
هذا التوق الروحاني لدى العقول الكبرى هو ما يلتفت إليه الكاتب البريطاني توماس أوبونغ —المتخصص في تفكيك السلوك البشري والفلسفة العملية— في مقاله المنشور على منصة “ميديوم”، حيث يعيد تعريف القناعات الإيمانية لأذكى عقول البشرية تحت عنوان “كان آينشتاين يؤمن بالله”. يذكرنا أوبونغ بأن إيمان آينشتاين لم يكن التزاماً برؤية لاهوتية تقليدية، بل كان خشوعاً معرفياً أمام عبقرية الخلق، ومحاولة واعية لمنح التفكير العلمي سياقاً أخلاقياً وروحياً يحميه من الجفاف والانزلاق نحو العدمية.
وعندما نمعن النظر في سيرة ألبرت آينشتاين، نجد أن هذا الرؤيوي الفذ لم يجد حرجاً في إعلان إيمانه بنظام كوني بديع. وفي برقيته الشهيرة عام 1929، قال بوضوح: “أنا أؤمن بإله سبينوزا، الذي يكشف عن نفسه في التناغم القانوني للوجود”. لم يكن آينشتاين يرى في الذات الإلهية كياناً مشغولاً بمعاقبة البشر أو مكافأتهم على تفاصيل حياتهم اليومية، بل كان يختبر ما أسماه “الشعور الديني الكوني”؛ ذلك المزيج من المهابة والذهول الذي يعتري العالِم وهو يرى القوانين الفيزيائية الصارمة تتجلى في ثنايا الوجود بنسق رياضي معجز لا مكان فيه للمصادفة العبثية. هذا الشعور بالذات، يمثل حجر الأساس في فهم الإيمان ليس كفعل إكراه لاهوتي، بل كحاجة عقلية ونفسية ملحة للاعتراف بوجود هندسة عاقلة تقف وراء هذا المدى الشاسع.
إن الانطلاق من تجربة آينشتاين يقودنا إلى منطقة أرحب في الدفاع عن فكرة الإيمان؛ فنحن هنا لسنا معنيين، بأي حال من الأحوال، بموضوع تقديس البشر، أو منح صكوك الغفران لرجال الدين والمؤسسات الطائفية واللاهوتية التي كثيراً ما شوّهت جوهر الفكرة الروحية واختزلتها في أدوات للسيطرة السياسية أو الاجتماعية. كما أننا نضع العبادات والطقوس في خانتها الصحيحة كخيار شخصي وحر لكل إنسان يمارسها بالطريقة التي تناسب نداءه الداخلي وتمنحه سلاماً ذاتياً. ما نتحدث عنه ونشدد عليه هو “الإيمان بوصفه مرساة نفسية وملاذاً وجودياً”؛ الاعتراف الواعي بأن خلف هذا الوجود عقلاً كلياً متفوقاً يمنح حياتنا الضئيلة مغزى، ويحمي الكائن البشري من السقوط الحر في هاوية العبث.
وتكتسب هذه المرساة الإيمانية قيمتها القصوى اليوم، ونحن نعيش ذروة الصدام والصراع الصامت بين الإنسان والآلة الذكية. ففي العصر الذي تقدم فيه التكنولوجيا والخوارزميات إجابات “جاهزة” ومبرمجة عن كل شيء، وتكاد تجرد الإنسان من فرادته عبر تحويل مشاعره وأفكاره وسلوكياته إلى مجرد بيانات رقمية قابلة للتنبؤ والتسليع، يجد الإنسان نفسه في مواجهة اغتراب من نوع جديد. الآلة قادرة على محاكاة ذكائنا، وحساب خطواتنا، وتوليد نصوصنا، لكنها تقف عاجزة ومقفرة أمام سؤال “المعنى”. هنا يبرز الإيمان كخط الدفاع الأخير عن الخصوصية البشرية؛ إنه المساحة الوحيدة التي لا يمكن للخوارزميات اختراقها أو نمذجتها، لأنه ينبع من تجربة حية وعميقة من التسليم، والدهشة، والاتصال بالمطلق، وهي تراكيب وجدانية تعصى على التوليد الآلي والرموز البرمجية الجافة.

في هذا العالم المزدحم بالآلات الذكية، ضاقت الحلول الفلسفية والسياسية التي وعدت البشرية بالرفاهية المطلقة، فإذ بها تخلف مجتمعاً يعاني من عُزلة خانقة وتزايد غير مسبوق في معدلات الاكتئاب والقلق الوجودي. لقد تحول الكائن البشري من “صانع للآلة” إلى “ترس في ماكينتها”، يلهث بلا توقف لتلبية شروط الاستهلاك السريع، مما أحدث فجوة روحية هائلة لا يمكن لسرعات المعالجات أو شاشات الهواتف ردمها. الإيمان هنا يأتي كحل مثالي ومضاد حيوي لهذا التنميط؛ إنه يعيد تذكير الإنسان بأنه ليس مجرد رقم إحصائي أو أصل تجاري في سوق البيانات، بل هو كائن يحمل نفخة من روح كوني علوي، مما يعيد إليه كرامته الوجودية ويمنحه السكينة وسط ضجيج عالم ميكانيكي مفرط في ماديته.

يحتاج إنسان اليوم، المنهك من وطأة المنافسة مع الآلات ومن حروب الواقع الافتراضي، إلى أن يغمض عينيه ويشعر بأنه ليس وحيداً ولا منسياً في هذا الكون الشاسع. إن العقل البشري، مهما بلغ من الفطنة والذكاء التجريبي، يظل قاصراً ومذعوراً أمام فكرة أنه مجرد “غبار كوني عابر” بلا وجهة أو غاية. هنا تحديداً يتدخل الإيمان ليعيد صياغة المشهد ويضمد جراح الروح المنهكة، إنه يمنح الروح توازنها، ويهدئ روع النفس أمام الموت والغياب والأسئلة المعلقة التي تعجز الفيزياء الصارمة عن إجابتها.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية الطويلة عبر العصور أن العلم والتكنولوجيا يمكنهما أن يفسرا لنا بدقة كيف يسير الكون وكيف تعمل أجهزتنا، لكنهما يعجزان تماماً عن إخبارنا لماذا نحن هنا، وما هي الغاية من وجودنا. وبدون الإجابة عن هذا “الـ لماذا”، يظل الإنسان —رغم كل ترفه التقني— كائناً قلقاً، مغترباً، ومرتعباً من المستقبل. إن الإيمان، بمعناه السامي والعميق البنيوي الذي اختبره آينشتاين وتحدث عنه أوبونغ، ليس قيداً على التفكير الحاد، بل هو تحرير وتتويج له؛ إنه الاعتراف المتواضع بنسبية وعينا أمام مطلق الكون، وهو الملاذ والحل الوحيد المتبقي لإنسان يصر، بكل كبرياء، على أن يظل مطمئناً في عالم يضج بالخوف والآلات.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية


المزيد.....




- -دير جيست- يضيء ليل القاهرة بتكريمات جديدة لنجوم الفن والإعل ...
- -الناس يتألمون هناك-.. مصارع فنون القتال شون شرف يعلن تضامنه ...
- موسيقى هادئة وتدليك عميق.. يوم للاسترخاء مع الأبقار في هذه ا ...
- إيران تغلق مركزا لتعليم اللغة الفرنسية: يهدد الأمن القومي
- بيان مصري ردا على أصالة بعد حفلتها في دمشق
- الحياة العثمانية الكلاسيكية زمن الرحالة أوليا جلبى
- إد شيران يكسر صمته ويدين الحرب على غزة عقب أزمة استبعاد الفن ...
- بعد تناوله الخلفية الفكرية للشرع.. هجوم واسع من أوساط سلفية ...
- هل تتناول طعامك ببطء؟ قد تكون مطاعم هونغ كونغ كابوسًا بالنسب ...
- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين