أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - حين تصبح أصول الدولة رهينة للدين: من إدارة الثروة العامة إلى إدارة الأزمة















المزيد.....

حين تصبح أصول الدولة رهينة للدين: من إدارة الثروة العامة إلى إدارة الأزمة


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 13:50
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لا تبدأ أزمة الدين في الدولة عندما تعجز عن سداد أحد استحقاقاتها، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يصبح العجز المالي ظاهرة متكررة، ويتحول الاقتراض من أداة مؤقتة لتمويل فجوة طارئة إلى وسيلة دائمة لتمويل الإنفاق. وفي الحالة العراقية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً لأن الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، في حين أصبح جزء كبير من إنفاقها ذا طبيعة تشغيلية يصعب خفضه بسرعة كلما تراجعت الإيرادات. وهكذا لا يعود الاقتراض مجرد خيار مالي تستخدمه الحكومة في ظروف استثنائية، بل يصبح جزءاً من آلية استمرار الإنفاق نفسه. ومع تراكم الاستحقاقات تتغير طبيعة المشكلة تدريجياً؛ في البداية يكون السؤال: كم تحتاج الحكومة من التمويل؟ ثم يصبح: كيف ستسدد ما اقترضته؟ ثم يصل الأمر إلى السؤال الأكثر حساسية: ماذا تملك الدولة من أصول يمكن أن تدخل في إدارة هذه الالتزامات؟

من تراكم الدين إلى إدارة أصول الدولة
وبحسب أحدث البيانات للبنك المركزي العراقي، بلغ الدين العام الداخلي نحو 106.072 تريليون دينار، وهو رقم يكشف أن الاقتراض الداخلي لم يعد مجرد وسيلة مؤقتة لتمويل فجوات الموازنة، وإنما أصبح رصيداً مالياً كبيراً يحتاج إلى إدارة مستمرة. والأكثر دلالة أن نحو 67.499 تريليون دينار من هذا الدين تتمثل في إجمالي مطالبات وزارة المالية لصالح البنك المركزي، أي ما يقارب ثلثي الدين الداخلي، فيما تتوزع بقية الالتزامات بين حوالات الخزينة البالغة 8.742 تريليون دينار، والقروض بنحو 18.964 تريليون، والسندات بنحو 10.867 تريليون دينار.
وهذه التركيبة تجعل قضية الدين الداخلي أكثر تعقيداً من مجرد النظر إلى حجمه الإجمالي، لأنها تضع العلاقة بين المالية العامة والبنك المركزي في قلب المشكلة. فكون الدين داخلياً لا يلغي تكلفته، كما أن انتقال الالتزام بين مؤسسات القطاع العام لا يعني أن الموارد اللازمة للوفاء به قد ظهرت من العدم، وإنما يعني أن الأصول والالتزامات انتقلت أو تراكمت داخل ميزانيات مؤسسات مختلفة، لكل منها وظائفها وقيودها ومخاطرها.
وهنا يقع أول التباس في فهم الدين الداخلي. فكون الدين داخلياً لا يعني أن الدولة مدينة لنفسها وبالتالي تستطيع إلغاء الدين بمجرد قرار محاسبي. صحيح أن توحيد الحسابات على مستوى القطاع العام قد يؤدي في بعض الحالات إلى إظهار جانب من الالتزامات والأصول بصورة مختلفة، لكن المؤسسات الحكومية ليست كياناً واحداً من الناحية الاقتصادية. فوزارة المالية لها وظيفة، والبنك المركزي له وظيفة مختلفة، والمصارف الحكومية لها ميزانيات والتزامات مختلفة، ولكل مؤسسة قيودها القانونية والمؤسسية. ولذلك فإن السند الذي تحمله جهة حكومية يمثل أصلاً بالنسبة إليها، بينما يمثل التزاماً بالنسبة إلى الجهة المصدرة له، ولا تختفي المخاطر لمجرد أن الطرفين ينتميان في النهاية إلى القطاع العام.
وهنا تصبح العلاقة بين المالية العامة والبنك المركزي ذات أهمية خاصة. ففي تحليله للعلاقة بين ميزانية البنك المركزي والعبء المالي للحكومة، يبين ريكاردو رايس أن ميزانية البنك المركزي ليست مساحة مجانية تستطيع الحكومة استخدامها بلا حدود لتخفيف أعبائها؛ فالأصول والالتزامات التي يحملها البنك المركزي لها آثار على دخله وملاءته وقدرته على تنفيذ سياسته النقدية، ولذلك فإن استخدام ميزانيته لتخفيف العبء عن المالية العامة قد ينقل المشكلة بدلاً من أن يلغيها (Reis, 2016). ومن ثم فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم يبلغ الدين الذي على الحكومة؟ بل أيضاً: أين يوجد هذا الدين؟ ومن يحمل المطالبة به؟ وما الأصول التي تقابلها؟ ومن يتحمل المخاطر إذا أصبحت الحكومة غير قادرة على تسوية التزاماتها؟

عندما تتحول الأصول إلى أداة لإدارة الدين
إذا كانت الحكومة مدينة للبنك المركزي، فإن البنك المركزي يحمل في الجانب الآخر من ميزانيته أصلاً يمثل مطالبة على الحكومة. وإذا تعذر على الحكومة الوفاء بهذا الالتزام نقداً، فإن المشكلة لا تختفي، وإنما تبدأ عملية إعادة ترتيب للأصول والالتزامات داخل القطاع العام. وقد تتمثل هذه العملية في إعادة جدولة الدين، أو تمديد آجاله، أو تغيير الأداة المالية، أو البحث عن أصول يمكن استخدامها بطريقة ما في التسوية. وعند هذه النقطة تحديداً ينتقل النقاش من إدارة الدين إلى إدارة أصول الدولة.
فالدولة لا تمتلك الدين فقط، وإنما تمتلك أيضاً أصولاً: أراضي، ومباني، ومطارات، وموانئ، ومصانع، وشركات عامة، وبنية تحتية، وموارد طبيعية، إلى جانب الأصول المالية. ولذلك فإن النظر إلى المالية العامة من خلال العجز والدين وحدهما يقدم صورة ناقصة. وهذا هو المنطلق الذي يقوم عليه إطار صندوق النقد الدولي المعروف باسم «الميزانية العمومية للقطاع العام» Public Sector Balance Sheet، الذي ينظر إلى القطاع العام باعتباره يمتلك أصولاً ويتحمل التزامات، ويبحث في النهاية عن صافي الثروة العامة والمخاطر الكامنة في تركيب هذه الأصول والخصوم، بدلاً من الاكتفاء بقياس الدين الإجمالي وحده (IMF, 2018).
وتكتسب هذه الطريقة في التفكير أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق، لأن السؤال لا يتوقف عند معرفة أن الدولة مدينة بنحو 106 تريليون دينار، وإنما يجب أن يمتد إلى معرفة حجم الثروة العامة التي تمتلكها الدولة، وطبيعة هذه الثروة، وقيمتها، والعائد الذي تحققه، وما إذا كانت هذه الأصول مستغلة بكفاءة أم أنها معطلة أو ضعيفة الإدارة. فالدولة التي تمتلك أصولاً كبيرة قد تكون في وضع مالي أفضل من دولة تمتلك الدين نفسه ولكنها لا تملك أصولاً مقابلة، غير أن هذا لا يعني أن كل أصل حكومي يمكن أن يتحول بسهولة إلى مورد لسداد الدين.
وهنا تأتي أهمية دراسة Bova وDippelsman وRideout وSchaechter التي تناولت بصورة مباشرة دور الأصول الحكومية غير المالية في الميزانية العمومية للدولة. فقد بينت الدراسة، التي شملت بيانات من 32 اقتصاداً، أن الأصول غير المالية الحكومية، ومنها المباني والطرق والأراضي وغيرها من الأصول، تمثل جزءاً مهماً من الثروة العامة، وأن تحسين إدارة هذه الأصول يبدأ قبل كل شيء من تحسين المعلومات المتعلقة بها وتقييمها وإدارتها (Bova et al., 2013). وهذا يقود إلى نتيجة مهمة بالنسبة إلى العراق: امتلاك الدولة للأصول لا يكفي، لأن الأصل الذي لا تعرف الدولة قيمته الحقيقية أو عائده أو وضعه القانوني لا يمكن أن يكون أساساً سليماً لإدارة الثروة العامة أو الدين.
لذا ينبغي التمييز بين أن تقول الدولة «لدينا أصول»، وبين أن تقول «لدينا أصول قابلة للاستخدام في مواجهة الدين». فالعبارتان ليستا شيئاً واحداً. وهذا ما تؤكده دراسة Henao-Arbelaez وSobrinho التي درست العلاقة بين الأصول المالية الحكومية واستدامة الدين باستخدام بيانات لـ110 اقتصادات متقدمة وناشئة، ووجدت أن امتلاك الأصول المالية يمكن أن يرتبط بانخفاض تكاليف الاقتراض ومخاطر أزمات الدين في الاقتصادات الناشئة، لكن أثر الأصول يختلف باختلاف خصائصها، وبالأخص درجة السيولة (Henao-Arbelaez & Sobrinho, 2017).
وهذا يعني أن السؤال ليس: كم تبلغ قيمة أصول الدولة؟ وإنما أي أصول؟ وما درجة سيولتها؟ وما العائد الذي تولده؟ وما تكلفتها؟ وما قيمتها المستقبلية؟ وما الذي يحدث إذا تخلت عنها الدولة اليوم؟ فالنقد أو الأصول المالية السائلة شيء، والأرض والمصنع شيء آخر، والمطار شيء أكثر تعقيداً، لأن قيمة الأصل لا تتحدد فقط بما يمكن الحصول عليه مقابله اليوم، وإنما أيضاً بما يمكن أن يولده من إيرادات وخدمات وفرص اقتصادية في المستقبل.
إدارة الأصول العامة، وتجميدها، وتصفية بعضها، ليست مفاهيم مترادفة، بل خيارات مختلفة في التعامل مع ثروة الدولة. وتبدأ الإدارة الرشيدة للأصول من معرفة الدولة الدقيقة بما تملك، ثم تقييم هذه الأصول من حيث قيمتها وعائدها وأهميتها الاستراتيجية: ما الذي يدر دخلاً ويمكن تطويره؟ وما الذي يحتاج إلى استثمار أو إعادة هيكلة؟ وما الذي يمكن أن يكون مجالاً لشراكة مع القطاع الخاص؟ وما الذي ينبغي الاحتفاظ به باعتباره أصلاً استراتيجياً لا ينبغي التفريط به؟
أما تجميد الأصول فيعني إبقاء الأصل قائماً وعدم التصرف به، مع تقييد استخدامه أو نقله أو بيعه أو ترتيب حقوق جديدة عليه، عادةً بسبب التزامات قانونية أو مالية أو بهدف حماية قيمته إلى حين اتخاذ قرار نهائي بشأنه. في حين تعني تصفية الأصول تحويل جزء من هذه الثروة إلى سيولة أو مورد مالي يستخدم في تمويل احتياجات أخرى أو الوفاء بالتزامات قائمة. وقد تكون التصفية عقلانية في حالات معينة، خصوصاً عندما يكون الأصل معطلاً أو منخفض العائد، كما قد يكون التجميد مبرراً عندما تكون المحافظة على الأصل أكثر جدوى من التصرف به في الأجل القصير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التصفية إلى بديل متكرر عن إصلاح العجز الهيكلي، أو عندما يتحول تجميد الأصول إلى تعطيل للثروة العامة.
وهنا تظهر الفكرة الأكثر أهمية في الحالة العراقية: العجز المالي مشكلة تتجدد وتتكرر ، بينما الأصول تمثل ثروة متراكمة تملكها الدولة. فقد يتكرر العجز عاماً بعد عام، أما الأصل الذي يتم التصرف به فلا يمكن استعادته بمجرد تكرار الإيرادات السنوية. ولذلك فإن استخدام أصل من أصول الدولة لتمويل عجز متكرر يشبه استهلاك جزء من الثروة المتراكمة لتغطية فجوة مالية تتجدد كل عام. وقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغط على المالية العامة في المدى القصير، لكنه لا يعالج بالضرورة السبب الذي أدى إلى ظهور العجز في المقام الأول. فإذا استمرت النفقات التشغيلية في الارتفاع، وبقيت الإيرادات النفطية المصدر الرئيسي لتمويل الدولة، فقد تجد الحكومة نفسها بعد فترة أمام العجز نفسه، ولكن مع أصول عامة أقل.

مطار بغداد بين سداد الدين والحفاظ على الثروة العامة
ومن هنا يصبح الحديث عن "مقابل الدين" أكثر حساسية عندما يكون الأصل المقصود أصلاً استراتيجياً مثل مطار بغداد. فالمطار لا تكمن قيمته في الأرض والمنشآت وحدها، وإنما في قدرته على توليد إيرادات مباشرة وغير مباشرة مستقبلاً، وفي الاستثمارات التي يمكن أن ترتبط به. ولذلك فإن تقييمه مقابل دين معين لا ينبغي أن يعتمد على سؤال «كم يساوي اليوم؟» فقط، بل على سؤال أكثر أهمية: كم يمكن أن يساوي ويولد للدولة خلال السنوات والعقود المقبلة؟. فقد يكون من الممكن تخفيض الدين اليوم بمقدار معين من خلال تقييد أصل استراتيجي، لكن الدولة قد تكون في المقابل قد تنازلت عن تدفقات مالية أو خيارات استثمارية مستقبلية تفوق بكثير المكسب الآني. وإذا كان الأصل استراتيجياً، فإن المخاطرة لا تقتصر على قيمته المالية، وإنما تمتد إلى المرونة التي تفقدها الدولة في إدارة أحد مواردها الأساسية.
ولهذا يؤكد صندوق النقد في إطار إدارة الثروة العامة أن تحسين إدارة الأصول الحكومية يمكن أن يرفع الثروة العامة ويحسن النتائج المالية، لكن ذلك يتطلب رؤية متكاملة للأصول والالتزامات وليس مجرد البحث عن موارد سريعة (IMF, 2018).
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: هل استخدام الأصول يحل مشكلة الدين أم يؤجلها؟
الإجابة تعتمد على طبيعة العملية وعلى السبب الذي أدى إلى الدين. فإذا كان الأصل غير مستغل، أو منخفض العائد، وكانت الدولة تملك أصولاً فائضة يمكن إعادة هيكلتها أو استثمارها، وكان التصرف بها يتم وفق تقييم مستقل وشفاف ويذهب حصيله إلى تخفيض التزامات حقيقية، فقد يكون ذلك جزءاً من إدارة رشيدة للثروة العامة. أما إذا كانت الدولة تستخدم أصولها لتغطية عجز يتكرر سنة بعد أخرى، فإنها لا تكون قد عالجت مشكلة الدين، وإنما تكون قد حولت جزءاً من ثروتها إلى تمويل مؤقت للعجز.
ومن هذه الزاوية، فإن البديل عن استخدام الأصول ليس تجاهل مشكلة الدين، وإنما معالجة الدين من جذوره. فإذا كانت المشكلة مشكلة سيولة، فإن إعادة جدولة الاستحقاقات وإطالة آجالها قد تكون أكثر عقلانية من تقييد أصل استراتيجي. وإذا كانت المشكلة في هيكل الدين، فإن تطوير سوق السندات وتنويع أدوات التمويل يمكن أن يقللا مخاطر التركّز. وإذا كانت المشكلة في ضعف الإيرادات غير النفطية، فإن إصلاح الضرائب والكمارك وتوسيع القاعدة الإيرادية يصبحان أكثر أهمية من البحث عن أصل حكومي جديد يمكن وضعه في مواجهة الدين. وإذا كان أصل المشكلة في الإنفاق الجاري، فإن استمرار تمويل هذا الإنفاق من الاقتراض أو من بيع الأصول لن يؤدي في النهاية إلا إلى تأجيل المشكلة.
ولهذا فإن جرد أملاك الدولة وتقييمها ينبغي أن يكون جزءاً من الإصلاح المالي، ولكن ليس بهدف معرفة ما يمكن بيعه أولاً، وإنما بهدف معرفة ما تملكه الدولة فعلاً. ما هي الأصول التي تدر دخلاً؟ وما هي الأصول المتوقفة؟ وما الذي يحتاج إلى استثمار؟ وما الذي يمثل أصلاً استراتيجياً؟ وما الذي يمكن إدخاله في شراكات استثمارية؟ وما الذي أصبح عبئاً على المالية العامة؟ إن معرفة هذه الصورة الكاملة تجعل الدولة قادرة على إدارة ثروتها، بدلاً من أن تتعامل معها كصندوق طوارئ تفتحه كلما عجزت الموازنة عن الوفاء بالتزاماتها.
أما بالنسبة إلى البنك المركزي، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية إذا كان هو الطرف الذي سيحصل على الأصل أو يقبل به في مقابل التزام حكومي. فالسند الحكومي أصل مالي يتناسب بصورة أكبر مع طبيعة ميزانية البنك المركزي، بينما الأرض أو المصنع أو المطار أصل غير مالي يحتاج إلى إدارة وتشغيل وتقييم وقد لا يكون سائلاً. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل قيمة الأصل تساوي قيمة الدين؟ وإنما أيضاً: هل طبيعة هذا الأصل تتناسب مع وظيفة البنك المركزي؟ وماذا سيحدث لتركيب ميزانيته إذا تحول من حامل لأصول مالية إلى حامل لمجموعة من الأصول الحكومية غير المالية؟
وهنا تعود أهمية ما طرحه Reis (2016): عندما تتداخل المالية العامة مع ميزانية البنك المركزي، فإن نقل الالتزام من الحكومة إلى البنك المركزي لا يمحو التكلفة، وإنما يعيد توزيعها داخل القطاع العام، وقد يجعل البنك المركزي حاملاً لمخاطر نشأت أصلاً من السياسة المالية. ومن ثم فإن الحفاظ على الفصل المؤسسي بين المالية العامة والسياسة النقدية ليس مسألة قانونية أو شكلية فقط، بل جزء من إدارة المخاطر الاقتصادية نفسها.
ومن هذه الزاوية يصبح استخدام أصل حقيقي لتسوية التزام مالي أكثر تعقيداً من مجرد عملية محاسبية. فالدولة قد تخفض التزاماً في جانب من ميزانيتها، لكنها قد تفقد في المقابل أصلاً أو جزءاً من قدرتها على استخدامه مستقبلاً. ولذلك يجب أن تكون المقارنة بين القيمة الحالية للدين وتكلفة خدمته من جهة، والقيمة الاقتصادية المستقبلية للأصل من جهة أخرى، لا بين رقمين اسميين فقط.
وفي النهاية، فإن الانتقال من السندات إلى الأصول ليس بالضرورة انتقالاً من أزمة إلى حل. قد يكون في بعض الحالات جزءاً من إدارة مالية رشيدة، وقد يكون في حالات أخرى مجرد تغيير في شكل المشكلة. فالسند يمثل التزاماً مالياً يمكن إعادة جدولته، أما الأصل فهو جزء من ثروة الدولة؛ وإذا جرى التخلي عنه أو تقييد استخدامه من أجل مواجهة عجز متكرر، فإن الدولة قد تكون قد خففت ضغطاً مالياً آنياً مقابل تقليص هامشها الاقتصادي في المستقبل.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تستخدم الدولة أصلاً واحداً في ظرف استثنائي، وإنما أن يصبح هذا النهج سياسة مالية بحد ذاته: كلما تراكم الدين، نبحث عن أصل وكلما اقترب الاستحقاق، نبحث عن ملكية؛ وكلما اتسعت الفجوة، نفتح جزءاً جديداً من ثروة الدولة. عندها لا يعود السؤال متعلقاً بالدين وحده، وإنما يصبح متعلقاً بمستقبل الثروة العامة نفسها.
فالدين الذي يُسدَّد من عائد أصل منتج قد يكون جزءاً من إدارة الثروة، أما الدين الذي يسدد من بيع الثروة لأن الدولة عاجزة عن إصلاح عجزها، فهو ليس نهاية للأزمة، إنه نقل للأزمة من حسابات الموازنة إلى ممتلكات الدولة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يبدأ منه الإصلاح المالي العراقي ليس: كم تملك الدولة من أصول يمكن استخدامها لسداد الدين؟، وإنما: كيف تجعل الدولة هذه الأصول مصدراً مستداماً للقيمة والدخل بحيث تقل حاجتها أصلاً إلى الاقتراض؟.
.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الاقتصادية على إيران: لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- الحرب الاقتصادية على إيران... لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- بيع عقارات الدولة... هل نعالج أزمة السيولة بتصفية ثروة الدول ...
- قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة
- عندما يصبح الوطن مذهبًا
- لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة


المزيد.....




- المرضى في إيران بلا حماية بسبب عقوبات ترامب والتضخم وانهيار ...
- لأول مرة منذ سنوات.. سوريا تصدر الفائض عن حاجتها من القمح
- الخطوط الجوية السورية توسّع حضورها الأوروبي برحلات مباشرة إل ...
- تجاوز 8 آلاف جنيه.. كيف أكلت موجة الدولار القوة الشرائية في ...
- أسعار المنتجين في عُمان ترتفع 32.7% في الربع الثاني
- مستشار للبنك المركزي الصيني: الذكاء الاصطناعي ربما يفاقم اخت ...
- الحرب التجارية تهدد شرايين النقل بين الولايات المتحدة وكندا ...
- فولكس فاغن تدرس خفض 4100 وظيفة إضافية في بورشه
- ديون فرنسا تتجه إلى مستوى قياسي عند 119% من حجم اقتصادها
- شقة بالستنتيمترات.. هل تنقذ بلدية طهران الشباب من أزمة السكن ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - حين تصبح أصول الدولة رهينة للدين: من إدارة الثروة العامة إلى إدارة الأزمة