أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - حين تخرج الكلمةمن مألوفها...ويولد الإبداع .قراءة في صورة شعرية للأستاذ الدكتور أيمن دراوشة














المزيد.....

حين تخرج الكلمةمن مألوفها...ويولد الإبداع .قراءة في صورة شعرية للأستاذ الدكتور أيمن دراوشة


نادية الإبراهيمي

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:33
المحور: الادب والفن
    


ثمة غرابة تستوقفنا لأنها تربك اللغة، وغرابة أخرى تستوقفنا لأنها تفتح فيها نافذة لم نكن نراها. وبين الاثنتين مسافة نقدية دقيقة: فليس كل تركيب غير مألوف تجريبا، كما أن خروج الكلمة عن موضعها المعتاد ليس عيبا في ذاته، العبرة بما يصنعه هذا الخروج داخل النص.

من هنا استوقفتني طويلا عبارة للأستاذ أيمن :

«تتلامح في سعفها البحيرات وصراخ النجوم»

في القراءة الأولى يبدو التركيب غريبا: كيف تتلامح البحيرات في السعف؟! وما الذي يجمع بين السعف والبحيرات والنجوم؟!
لكن الصورة لا تُعطي سرّها من النظرة الأولى.
السعف بتشعباته وانفتاحاته وفراغاته يمكن أن يتحول في عين الشاعر إلى فضاء تتشكل فيه صور الماء والضوء. وهكذا لا يعود السعف مجرد عنصر من عناصر الطبيعة بل يصبح سطحا تتخلق عليه رؤية أخرى. إن الشاعر لا يصف ما تراه العين؛ إنه يعيد ترتيب ما تراه العين بحيث نراه نحن على نحو مختلف.
ولعل مفردة «تتلامح» نفسها تستحق وقفة؛ فهي ليست «تظهر» أو «تنعكس» بمعناهما المباشر. في «تتلامح» إيحاء بالتشكّل التدريجي وبظهور الصورة في هيئة خاطفة، كأنها تلوح ثم تتوارى أو تتداخل ملامحها في شيء آخر. ولهذا تبدو المفردة أكثر ملاءمة للمشهد من فعل مباشر يحسم العلاقة بين السعف والبحيرات. فالبحيرات هنا لا تُرسم على السعف رسما ولا تنعكس فيه انعكاسا حرفيا؛ إنها تتلامح فيه أي تتشكل كإيحاء بصري عابر، يترك للعين والخيال مهمة إكمال الصورة.
وربما هنا تكمن دقة الاختيار: فالشاعر لم يبحث عن كلمة تؤدي المعنى فحسب، وإنما عن كلمة تحفظ للصورة غموضها وحركتها وتمنعها من أن تتحول إلى مشهد مكتمل مغلق.
وهنا تستدعي الصورة دون افتعال مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني. فالجمال ليس في الكلمات منفردة «السعف» كلمة مألوفة و«البحيرات» كلمة مألوفة لكن المفاجأة ولدت من العلاقة التي أقامها النظم بينهما. الكلمة لم تفقد معناها وإنما اكتسبت في سياقها الجديد طاقة لم تكن لها وهي معزولة.
وهذا يضعنا أمام فارق مهم في النظر إلى الغرابة:
قد تأتي الكلمة في غير موضعها المألوف فتبدو نشازا، وقد تأتي في غير موضعها المألوف فتكتشف لها موضعا شعريا جديدا.
المعيار إذن ليس غرابة التركيب وحدها، وإنما الضرورة الجمالية التي تبررها. فإذا كان الانزياح يفتح علاقة جديدة ويضيف إلى الصورة ما لا تستطيع العبارة المألوفة أن تمنحه، تحول من مجرد مخالفة للمألوف إلى وسيلة للإبداع.
ثم يبلغ التصوير ذروته في: «وصراخ النجوم»
هنا لا يكتفي الشاعر بإعادة تشكيل المرئي،إنما ينقلنا من العين إلى الأذن. النجوم تُرى لكنها لا تُسمع؛ ومع ذلك يمنحها صوتا ولا يمنحها أي صوت بل الصراخ.
إنها أنسنة للكون وفي الوقت نفسه تراسل للحواس؛ فالنجوم تدخل عالم الإحساس الإنساني وتصبح قادرة على التعبير والانفعال. واختيار «الصراخ» تحديدا يضيف توترا إلى المشهد، ويخرج الصورة من سكونها إلى فضاء أكثر حدة وإيحاء.
وهنا تتجاور في عبارة قصيرة مفردات من عوالم متباعدة: السعف/ البحيرات/ النجوم/ الصراخ./ غير أن هذا التباعد هو نفسه الذي يمنحها طاقتها؛ إذ لا يضعها الشاعر جنبا إلى جنب لمجرد الإدهاش، وإنما يجعل كل صورة تستدعي الأخرى حتى تتكون بينها وحدة تخييلية.
ومن هذه الزاوية يمكن أن تتسع القراءة نحو النقد الحديث. فمع رولان بارت يصبح القارئ طرفا فاعلا في إنتاج الدلالة؛ لأن الصورة لا تقدم تفسيرها جاهزا وإنما تترك مساحة يتحرك فيها القارئ. ومع جاك دريدا يمكن النظر إلى هذه المساحات باعتبارها مجالا لانفتاح الدلالة وتعدد إمكاناتها، لا باعتبارها فراغا ينبغي إغلاقه بتفسير واحد. لكن يبقى الجرجاني هو الأقرب إلى قلب هذه الصورة: الكلمات المألوفة لا تصنع وحدها هذا الأثر؛ إنما تصنعه الطريقة التي انتظمت بها والعلاقات الجديدة التي ولّدها تركيبها.

تحية للأستاذ أيمن دراوشة على هذا الجمال الذي منح اللغة فيه فرصة أخرى لأن تُدهشنا؛ إبداع يجعل المألوف قابلا لأن يُرى بعين جديدة ويترك في القارئ متعة لا تنتهي بانتهاء القراءة.



#نادية_الإبراهيمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حين يستدعي العمود الحلاج- قراءة نقدية لقصيدة -صرخة الحلاج- ...
- قراءة في نص -جذع القصاب- للأديب كاظم حسن سعيد
- الساعة الثالثة إلا رعشة قلب...
- تغيّرنا كثيرا..
- لحظة الصدق المطلق
- تمثيل ثيمة القبو في نص سلوى الإدريسي والي
- وأشرف الحب ماعفت سرائره
- العناق قصة قصيرة
- انبثاق الحياة من خلال الصدأ
- الماعز الجبلي
- حين تسمع نبضي
- ما رضيت بغيابك..لكنني تعودت.
- قراءة في قصة التمثال للبريكان
- عاصف النظرات
- نجم ...وأفل
- الفصل الأخير
- حين يخون البريق..
- أيلول...ماتبقى منا
- بحر يبتلع الريح
- قراءة في هايكو بوعلي سمير


المزيد.....




- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
- وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - حين تخرج الكلمةمن مألوفها...ويولد الإبداع .قراءة في صورة شعرية للأستاذ الدكتور أيمن دراوشة