أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - قراءة في نص -جذع القصاب- للأديب كاظم حسن سعيد














المزيد.....

قراءة في نص -جذع القصاب- للأديب كاظم حسن سعيد


نادية الإبراهيمي

الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 22:50
المحور: الادب والفن
    


سيكولوجية الأشياء في نصوص الأديب كاظم حسن سعيد
"جذع القصاب" من ديوان الجرو اليتيم ٢٠٢٦

لا يكتب كاظم حسن سعيد الأشياء كما تبدو للعين، بل كما تعيش في أعماقها. إنه يمتلك حساسية نادرة في النفاذ إلى العالم الداخلي للجمادات حتى يغدو كل شيء بين يديه كائنا يحمل ذاكرة وجرحا وصوتا خافتا. لذلك يمكن القول إن الأستاذ كاظم مجهر سيكولوجيّ يمشي بين الأشياء؛ لا يكتفي برؤيتها، بل يكشف طبقاتها النفسية الخفية، حتى يغدو الجماد في نصوصه أكثر اعترافا بمشاعره من كثير من البشر.
في نص "جذع القصاب" لا يختار الكاتب الجذع لأنه مادة صالحة للتشخيص، وإنما لأنه يرى فيه مرآة لقدر إنساني. فالجذع هنا لا يؤدي دور الرمز فحسب، بل يعيش تجربة نفسية كاملة تبدأ بالاقتلاع، ثم بالعزل، فالاستباحة اليومية، قبل أن تنتهي باستعادة الحياة.
ولعل أول ما يلفت الانتباه هو المعجم الذي ينهض عليه النص: اعتقلوه، الحبس الانفرادي، الطعنات، العويل... وهي مفردات لا تنتمي إلى عالم الأشجار بقدر ما تنتمي إلى ذاكرةٍ خبرت القهر، حتى غدت اللغة نفسها مشبعة بإيقاعه. لذلك تبدو الكلمات وكأنها لا تُستعار للخشب، بل تعود إلى موطنها الأول ثم تتجسد فيه.
الجذع لم يُقطع من شجرة فقط بل اقتلع من سيرته، وسلب اسمه الأول. وفي محل القصاب لم يعد أحد يرى فيه إلا أداة تتلقى الضربات بينما ظل يحمل في داخله صورة الشجرة التي كانت شامخة في الغابة. هنا يكشف الأستاذ كاظم عن واحدة من أكثر أفكاره إنسانية: أن الكائن قد يُختزل في وظيفته بينما يبقى تاريخه الحقيقي مطمورا تحت طبقات الاستعمال والقسوة.
وحين يقول:
"لم يلتفت أحد لعويله"
فإنه لا يطالبنا بسماع صوت الخشب، إنما بسماع ذلك الصمت الذي يخلّفه الألم الطويل. إنه صمت لا يولد من العجز عن الكلام، بل من اليقين بأن أحدا لن يصغي.
ثم تأتي الجملة التي أراها قلب النص:
"ولم يقرأ أحد بلاغة صمته."
فالبلاغة هنا ليست في القول وإنما في الاحتمال. وكأن الكاتب يؤمن أن أكثر التجارب قسوة لا تصرخ، بل تترسب في الأعماق حتى تتحول إلى صمت كثيف لا يقرأه إلا من عرف كيف تنطق الجراح دون كلمات.
وتأتي النهاية لتبدد كل هذا الركام:
"أزهرت له أغصان...
تتسع الدلالة أكثر. فالأغصان حقيقة واقعية ارتقت بها الكتابة إلى مستوى الرمز. غير أن الكاتب لا يحتفي بعودة النبات بقدر ما يحتفي بانتصار الإرادة الكامنة في الحياة؛ تلك الإرادة التي تبقى مختبئة تحت آثار المناشير والسكاكين ثم تختار لحظتها المناسبة لتعلن أنها لم تمت.
في هذا النص لا يتحدث كاظم حسن سعيد عن جذع شجرة، بل عن الكائن الذي يمكن أن يقتلع من أرضه، يحاصر، ويستنزف، وتمحى ملامحه الأولى، لكنه يظل يحتفظ في داخله ببذرة خضراء لا يراها أحد... حتى يحين أوان الإزهار. ولذلك تبدو سيكولوجية الأشياء عند الأستاذ كاظم امتدادا لسيكولوجية الإنسان؛ فالأشياء في نصوصه لا تستعير مشاعر البشر بل تكشف أن الألم والأمل كلاهما يتركان أثرهما في كل ما يلامس الحياة.



#نادية_الإبراهيمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الساعة الثالثة إلا رعشة قلب...
- تغيّرنا كثيرا..
- لحظة الصدق المطلق
- تمثيل ثيمة القبو في نص سلوى الإدريسي والي
- وأشرف الحب ماعفت سرائره
- العناق قصة قصيرة
- انبثاق الحياة من خلال الصدأ
- الماعز الجبلي
- حين تسمع نبضي
- ما رضيت بغيابك..لكنني تعودت.
- قراءة في قصة التمثال للبريكان
- عاصف النظرات
- نجم ...وأفل
- الفصل الأخير
- حين يخون البريق..
- أيلول...ماتبقى منا
- بحر يبتلع الريح
- قراءة في هايكو بوعلي سمير
- انا ...كما لا يريدني أحد
- أزهار في ظلال الذاكرة (قصة قصيرة)


المزيد.....




- من السقا وياسمين إلى العوضي ومي.. هل البطولة المشتركة رهان آ ...
- رئيس الوزراء اللبناني يشكر أردوغان على إهدائه الترجمة التركي ...
- الممثل السوري بشار إسماعيل: أحب وأدعم الرئيس الشرع ولو اتهمت ...
- -كنت العين التي قاومت المخرز-.. نقيب الفنانين السوريين مازن ...
- من النزوح إلى المسرح.. كيف تحولت حكايات الناجين من غزة ولبنا ...
- الروايات الإعلامية تجبر على نقل مشهد مختلف من إيران
- مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.. فنان وشم يطرح حلًا لمن لا ...
- خميس مليانة تحتضن الطبعة الأولى للأيام الوطنية للفيلم القصير ...
- زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله ...
- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - قراءة في نص -جذع القصاب- للأديب كاظم حسن سعيد