آلاء عبد الحي جبار
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في صيف عام 1518، شهدت مدينة ستراسبورغ الفرنسية واحدة من أغرب الظواهر في التاريخ البشري، والمعروفة بـ "طاعون الرقص". خرجت امرأة تُدعى فراو توفيا إلى الشارع وبدأت بالرقص الهستيري دون موسيقى، ولحق بها المئات خلال أيام. ظل الناس يرقصون لأسابيع متواصلة حتى سقط العشرات منهم صرعى الإعياء والأزمات القلبية. ظن الأطباء يومها أن الدم الساخن هو السبب، بينما عزاه رجال الدين إلى "لعنة إلهية". لكن المؤرخين اتفقوا لاحقاً على أنه كان هوساً جمعياً ناتجاً عن القهر والجوع والفقر المدقع
.
فرنسا ترقص لأسابيع من شدة البؤس وتهلك، أما في العراق، فنحن أمام نسخة أسطورية ومحدثة من هذا الوباء!
يبدو أن الآلهة، أو قدر العراق العاثر، قررت أن تبتلي هذا الشعب بطاعون من نوع آخر: "وباء الساسة اللصوص". فمنذ عقدين من الزمن، والعراقيون يعيشون في غيبة جماعية وهوس لا ينتهي. رقص أهل ستراسبورغ لأسابيع وماتوا، أما نحن فنرقص منذ عشرين عاماً على أنغام الوعود الكاذبة والتخدير الطائفي والمحاصصة المقيتة، بينما يقف "سادة الوباء" خلف الكواليس يسرقون النفط، ينهبون الميزانيات، ويشحنون المليارات إلى بنوك الخارج.
الفرق الوحيد بين طاعون فرنسا وطاعون العراق يتلخص في الآتي، في ستراسبورغ: كان الضحايا يرقصون حتى الموت الفعلي.في بغداد: يرقص الشعب في نوبة غيبوبة سريالية، بينما يسرق السياسيون الرغيف من أيديهم، والكهرباء من بيوتهم، والمستقبل من أبنائهم، ثم يطالبونهم بالتصفيق للفرقة الموسيقية!
لقد حولنا ساسة الفساد إلى مجتمع يرقص على جراحه، نرقص عندما تنقطع الكهرباء في آب الخاطف، ونرقص عندما تغرق الشوارع بثرثرة الوعود الانتخابية. عشرون عاماً من الرقص الإجباري في مسرح العبث، والمخرجون هم لصوص المحاصصة الذين جعلوا من الوطن مجرد غنيمة يُحتفل بتقاسمها كل أربع سنوات.
إن كان أهل ستراسبورغ قد أفاقوا من رقصتهم بعد أسابيع بموت المرضى وشفاء الباقين، فمتى يستفيق العراقيون من طاعون الساسة، ويكسرون مزمار الفساد الذي يستغفلهم منذ عقدين؟
#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟