آلاء عبد الحي جبار
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 23:55
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يُمثل المشهد العمراني في العراق لوحةً تتشابك فيها قباب الذهب بفقر الأزقة المحيطة بها، حيث تغفو المراقد والمقامات الدينية في قلب المدن التاريخية، ليس فقط كرموزٍ روحية ومزاراتٍ وجدانية، بل ككيانات اقتصادية عملاقة تتدفق إليها الأموال من كل حدبٍ وصوب. وبين الإيمان الفطري للعامة وتراكم الثروات لدى "سدنة" هذه المؤسسات.
الرمزية والملاذ: جاذبية القباب..
تُعد المراقد في الوجدان العراقي ملاذًا للهوية ومستودعًا للدموع والطلبات، فالعلاقة بين العراقي ومرقده علاقة عاطفية ضاربة في القدم. هذا الارتباط الوثيق جعل من "الضريح" مركز ثقلٍ اجتماعي وسياسي. والأهم من ذلك، مركز استقطاب مالي لا يتوقف على مدار الساعة.
هندسة السلب: كيف تُدار "صناديق النذور"؟
تتحول القدسية في كثير من الأحيان إلى غطاءٍ لممارسات اقتصادية تفتقر للشفافية، حيث يتم استغلال العاطفة الدينية عبر عدة قنوات:
صناديق النذور (الشباك): وهي المورد الأول والأضخم، حيث يلقي الزائرون مدخراتهم تقربًا لله، لتنتهي هذه المليارات في عهدة لجان ومؤسسات تابعة لرجال دين أو جهات حزبية متنفذة، دون رقابة فعلية من أجهزة الدولة المالية (مثل ديوان الرقابة المالية).
الاستثمارات العقارية والتجارية: تحولت الأراضي المحيطة بالمراقد إلى إقطاعيات استثمارية كبرى (فنادق، مطاعم، أسواق)، تُدار بأسماء مؤسسات دينية، وتتمتع بإعفاءات ضريبية وتسهيلات حكومية، مما يخلق طبقة ثرية تعيش بمعزل عن معاناة الرعية.
صناعة "الخوف والرجاء": يبرع خطاب ديني معين في تكريس فكرة أن العطاء المادي للمرقد هو البوابة الوحيدة لنيل المراد أو دفع البلاء، مما يدفع الفقراء لتقديم القليل الذي يملكونه لجهات تزداد غنىً وتوسعًا.
غياب التنمية وتضخم المؤسسة..
المفارقة الصارخة تكمن في التباين الطبقي، فبينما تشهد العتبات والمراقد ثورة عمرانية وبذخًا في التذهيب والزخرفة، تعاني المدن الحاضنة لها من تهالك البنى التحتية وارتفاع معدلات البطالة. إن توجيه هذه "الأموال السيادية"، باعتبارها ثروة وطنية ناتجة عن السياحة الدينية، نحو مشاريع ريعية خاصة بدلاً من التنمية المستدامة، يكرس سلطة رجال الدين كـ"وسطاء ماليين" بين العبد وربه.
نحو إصلاح المفهوم..
إن نقد إدارة أموال المراقد ليس استهدافًا للمعتقد، بل هو دعوة لفك الارتباط بين "قدسية الرمز" و"جشع المتصدي". فالمراقد التي وُجدت لتكون منارات للعدل والزهد، لا ينبغي أن تتحول إلى مصارف مفتوحة تسلب الفقراء آمالهم قبل أموالهم، لتمويل إمبراطوريات مالية تتستر برداء الدين وهي أبعد ما تكون عن روحه.
#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟