آلاء عبد الحي جبار
الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:42
المحور:
الادب والفن
منذ نعومةِ أحزاني، كنتُ أرقبُ أمي وهي تذرفُ "عويلاً متخماً" باللوعة، عويلاً لا يشبه البكاء العابر، بل كان طقساً جنائزياً تستحضر فيه الغائب الحاضر. كانت تهزُّ أركان الذاكرة بنحيبها المترع بالوجد، مرددةً وصايا الفقد:
"گطان يل ماكو بحنانك، ولا شوف
عگبك صرت مسودنة.. وبجرحي انة اروف.
گطان يل مجبل علية، فك الضفاير وحني ادية".
كان خالي "گطان" برعماً في التاسعة عشرة من عمره، حين اقتلعته ريح الحرب من جذوره لتلقي به في أتون الجبهات المشتعلة بين العراق والعدو الإيراني. غادر تاركاً خلفه ثلاثة أقمارٍ صغار، وزوجةً يرزحُ قلبها تحت حملٍ من الانتظار، ووسادةً باتت مسرحاً لكوابيس النعوش وهواجس الفراق.
بينما كانت رحى الحرب تطحنُ الأعمار، كانت عائلة بيت جدي تعيشُ اغتراباً جغرافياً، تقتفي أثره فوق الخرائط الصامتة، وتتلمسُ ظله في أخبار الجبهات. لكنَّ "الغراب" لم يتأخر، إذ جاء يحملُ في منقاره رسالة الفجيعة: لقد استقرَّ "گطان" في قاع "نهر جاسم".
يا للمفارقة الموجعة! خالي الذي طالما كان في خفته وأُلفته كسمكة، لم يتقن العوم هذه المرة، بل اختار في ليلةٍ حالكة أن "ينفق" بوقار الأسماك، تاركاً للماء حق الوداع.
هناك، حيثُ تشبث الطين بملامحه الغضة، وكأن الرب أراد أن يذكّر الكون بسرِّ الجبلة الأولى، فختمت على وجهه بختم الأرض، "من الترابِ بدأتَ.. وإلى صيرورتهِ أُعيدك".
رحل "گطان"، وبقي نداء أمي ينسجُ من الحروف وشاحاً أبدياً للغياب.
يتبع
#آلاء
#نبوءة_الطين
#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟