أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - آلاء عبد الحي جبار - انهيار القيم في زمن الشاشات: المجتمع العراقي وازمة الهوية














المزيد.....

انهيار القيم في زمن الشاشات: المجتمع العراقي وازمة الهوية


آلاء عبد الحي جبار

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 19:51
المحور: المجتمع المدني
    


لم تكن الأزمات التي يعيشها المجتمع العراقي وليدة اليوم، غير أن ما باتت تكشفه منصات التواصل الاجتماعي من أنماط سلوكية صادمة يُنبئ بخلل عميق، يتجاوز حدود الظاهرة العابرة ليمسّ جوهر المنظومة القيمية والثقافية برمّتها. فقد غدت هذه المنصات مرآةً لا تكذب، تعكس ما آلت إليه أحوال شريحة واسعة من الشباب العراقي، الذي وجد نفسه في مفترق طرق بين إرث حضاري عريق وموجة رقمية عاتية لم يُحسن التعامل معها.

حين تصبح المنصة ساحةً للتفاهة...
في بلدٍ أنجب المتنبي والجاحظ، وفي أرضٍ كانت مهداً للكتابة الإنسانية الأولى، يجد المراقب اليوم حالةً من الترهّل الثقافي المُقلق. فقد تحوّل المحتوى الرقمي السائد لدى شريحة كبيرة من الشباب العراقي إلى فضاء يُمجّد السطحية، ويُروّج للمظهر على حساب الجوهر، وللصخب على حساب الفكر. يُنافس أصحاب المقاطع التافهة والمحتوى المبتذل الكتّابَ والمثقفين على استقطاب الأنظار، فيفوزون في أغلب الأحيان، لا لأن الجمهور جاهل بالضرورة، بل لأن المنصات ذاتها مُصمَّمة لتكافئ الإثارة وتُعاقب العمق.

أزمة القدوة وانهيار المرجعية...
من أعمق جذور هذه الأزمة أن جيل التواصل الاجتماعي نشأ في فراغ مرجعي خطير، فقد اهتزّت المؤسسات التربوية وتراجع دور الأسرة في ظلّ الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، فيما أخفق رجال الدين والمثقفون في كثير من الأحيان في إيجاد لغة حوار حقيقية مع هذا الجيل. وفي غياب القدوة الحقيقية، لجأ الشباب إلى البحث عنها في عالم الشاشات، فوجدوا "مؤثرين" لا يقدّمون سوى الاستهلاك والتباهي، ونماذج للنجاح تُقاس بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.

اللغة في مهبّ الانحلال..
لا يقتصر الخلل على السلوك، بل امتدّ ليطال اللغة ذاتها، تلك الوعاء الذي يحمل هوية الشعوب وذاكرتها. فقد استُبدلت العربية الفصيحة بلغة هجينة مهلهلة، تتخلّلها ألفاظ سوقية وتعابير مستعارة بلا وعي ولا انتقاء، حتى باتت الكتابة السليمة في الفضاء الرقمي العراقي ضرباً من الغرابة، يستقبله بعضهم بالسخرية والاستهجان. وهكذا تتآكل اللغة، وبتآكلها يتآكل التفكير، ويضيق أُفق التعبير.

الغزو الثقافي بلا حصانة...
لا يمكن إغفال السياق الأشمل، فالشاب العراقي يعيش اليوم انفتاحاً رقمياً مفاجئاً وهائلاً على ثقافات العالم، دون أن يمتلك الحصانة الثقافية الكافية لتمييز ما يصلح من ما لا يصلح. ففرق جوهري بين الانفتاح الواعي الذي يُثري الهوية وبين الذوبان الأعمى الذي يمحوها. كثيرٌ مما يُستورد ثقافياً عبر هذه المنصات لا يُمثّل حتى أرقى ما أنتجته تلك الحضارات الأخرى، بل هو في الغالب قشورها وترهاتها.

المسؤولية... ولا مفرّ منها
ليس الشباب وحده في قفص الاتهام، فالمسؤولية موزّعة وثقيلة: الأسرة التي أسلمت أبناءها للشاشة بديلاً عن الحوار، والمدرسة التي فقدت جاذبيتها وتأثيرها، والدولة التي لم تضع سياسات ثقافية ورقمية حقيقية تصون الهوية وترسّخ القيم، والنخب الثقافية التي آثرت عزلتها في أبراجها العاجية. ثم إن المنصات الرقمية ذاتها، التي لا ترى في المستخدم العراقي سوى رقم يُضاف إلى إحصاءاتها الإعلانية، لا تتحمّل أيّ قدر من المسؤولية الأخلاقية تجاه ما تبثّه.

الرهان على الوعي..
رغم قتامة المشهد، يظلّ الأمل ممكناً ومشروعاً. فثمة شباب عراقي واعٍ ينتج محتوى هادفاً، ويُعلي من قيمة العلم والثقافة، ويرفض الانجراف في تيار التفاهة. هؤلاء هم بذور النهضة الحقيقية، ولكنهم يحتاجون إلى دعم المجتمع، وبيئة ثقافية حاضنة، وإرادة جماعية لاستعادة الهوية.

في الختام..
إن العراق أمةٌ عريقة في حضارتها، وما أحوجها اليوم إلى أن تُعلّم أجيالها الفخرَ بهذا الإرث لا التنكّر له، والانتقاءَ الواعي لا الاستهلاك الأعمى، والبناءَ على أكتاف القيم لا الانبطاح أمام موجات العدمية الرقمية."وما هلك امرؤٌ عرف قدره"، ولعلّ الأزمة الحقيقية هي أن جيلاً بأكمله يكاد يفقد معرفة قدره.



#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انقلاب المعايير: المرأة المدخنة والموشومة في المجتمع العراقي ...
- وأد الاسماء في لافتات الموت: جناية العرف على المرأة
- وأد الاسماء في لافتات الموت: جناية العرف على المرأة
- التعليم في العراق: بورصة الاحزاب بين المناهج العقيمة والمحاص ...
- الأرستقراطية الهجينة: عباءة السياسة وعمامة التوريث
- معمار الشهوة والقداسة: هل بنينا المدن على صورة اجسادنا؟!
- بورصة النخاسة: سوق الزواج حين تباع العفة لدلالة العرائس!
- بورصة النخاسة: سوق الزواج حين تباع العفة لدلالة العرائس!
- بورصة النخاسة في سوق الزواج: حين تباع العفة ب٥٠& ...
- -بورصة النخاسة- في سوق الزواج: حين تباع العفة ب٥٠ ...
- الانسان قبل القبلة: حين يكون الدين سراجآ لا سياجآ.
- الانسان قبل القبلة: حين يكون الدين سراجآ لا سياجآ
- نبوءة الطين: مرثية گطان
- دجلة السجين، ضفاف تكبلها الاسلاك ومياه يقتلها الجفاف
- تيه الحقيقة.. إعلام اللايكات في ميزان الاخلاق
- تيه الحقيقة.. اعلام -اللايكات- في ميزان الاخلاق
- الأسواق التجارية وفوضى المدن


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - آلاء عبد الحي جبار - انهيار القيم في زمن الشاشات: المجتمع العراقي وازمة الهوية