آلاء عبد الحي جبار
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:05
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا يمكن قراءة تاريخ الأزياء بمعزل عن موازين القوى السياسية والاجتماعية، فالثياب لم تكن يوماً مجرد قماش يقي برد الشتاء أو حر الصيف، بل كانت دوماً "بياناً" يُكتب على جسد الإنسان. وفي قلب هذا السجال التاريخي، يقف الحجاب ليس كقطعة قماش، بل كظاهرة تشكلت في مختبرات الاجتماع البشري قبل أن تصبغها "السلطة الدينية" بصبغة القداسة.
الجذور التاريخية وسياق "التسويف" البشري..
تخبرنا الأنثروبولوجيا أن الحجاب لم يكن ابتكاراً دينياً محضاً، بل كان تقليداً طبقياً في الحضارات القديمة (كالأشورية والبيزنطية) لتمييز "الحرائر" عن "الإماء". ومع مرور الزمن، تلقفت المؤسسات التقليدية هذا الموروث وعملت على تنميطه وجعله تكليفاً يتجاوز الوظيفة الاجتماعية ليصبح التزاماً غيبياً. هذا الانتقال من "العرف" إلى "الفرض" هو ما يُعرف بـ "أدلجة الجسد"، حيث تم تحويل الزي إلى أداة لضبط الحيز العام.
الأخلاق والجسد: مغالطة المعيار
إن حصر "الأخلاق" في مساحة القماش هو اختزال مخلٍّ للقيمة الإنسانية. فالأخلاق منظومة سلوكية تقوم على الصدق، العدل، والنزاهة، وهي قيم عابرة للجغرافيا والأزياء.
الوهم الأخلاقي..
عندما ربطت السلطة الذكورية العفة بالحجاب، خلقت علاقة شرطية وهمية تجعل من مظهر المرأة حارساً لفضيلة المجتمع، بينما غضت الطرف عن المسؤولية الأخلاقية الفردية للجنسين على حد سواء.
صناعة "العورة"
من أخطر أدوات السيطرة هو تحويل الفطرة الإنسانية (كالوجه والشعر والصوت) إلى "عورات" يجب مواراتها، مما يؤدي إلى اغتراب المرأة عن جسدها واعتباره مصدراً للقلق أو "فتنة" يجب تحجيمها، بدلاً من كونه كياناً مكافئاً ومستقلاً.
تكليف الصغيرات: اغتيال الطفولة
يأتي تكليف الصغيرات بالحجاب كأحد أبرز تجليات الرغبة في السيطرة المبكرة. إن إلزام الطفلة بزيٍّ يحمل حمولات "جنسية" أو "تعبدية" معقدة قبل اكتمال وعيها بالذات، هو نوع من التنميط القسري الذي يلغي حقها في عيش طفولة فطرية، ويغرس في وعيها الباطن أن جسدها "خطر" يجب إخفاؤه قبل أن تفهم حتى معنى الوجود.
من التبعية إلى الوعي..
إن الحجاب في هذا السياق لم يخرج من رحم الفريضة، بقدر ما خرج من رحم رغبة السلطة في السيطرة على النساء عبر بوابة "الهوية البصرية"، إن استعادة المرأة لهويتها تبدأ من رفض اعتبار جسدها ساحة للمعارك الأيديولوجية، والإيمان بأن القيمة الإنسانية تكمن في الجوهر والوعي والفعل، لا في مدى مطابقتها لمعايير وضعتها العقلية الجمعية للسيطرة على نصف المجتمع. "إن حرية الإنسان تبدأ حين يمتلك الحق في تعريف نفسه، بعيداً عن قوالب السلطة التي ترى في الجسد عورة وفي الصوت نقصاً".
#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟