آلاء عبد الحي جبار
الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 00:00
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم تكن الأزمات المتعاقبة التي ضربت العراق طوال تاريخه المعاصر مجرد مصادفات سياسية، بل جاءت كسلسلة من الهجمات المنظمة التي استهدفت أثمن ما يملكه هذا البلد، "الهوية الجامعة والوعي المجتمعي". ومنذ أن وضعت القوى الاستعمارية خطوطها الأولى في المنطقة، كان الرهان دائماً على كسر وحدة الصف الوطني لتسهيل السيطرة على المقدرات والشعوب. ومع دخول القوات الأمريكية عام 2003، انتقلت هذه الاستراتيجية من التنظير إلى التطبيق الممنهج عبر زرع بذرة المحاصصة والطائفية، وهي الخطوة التي فتحت أبواب الجحيم على حرب أهلية مريرة دفعت البلاد ثمنها من دماء أبنائها.
هندسة الفوضى والاستثمار الإقليمي..
الحدث الأبرز في المشهد العراقي لم يكن فقط سقوط النظام السابق، بل كان الفراغ السيادي الذي تلا ذلك الاستحقاق. هذا الفراغ حوّل بغداد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتحديداً من الجانب الإيراني الذي استغل المشترك العقدي والروحي ليتسلل إلى العقول والأفكار.
لم يعد النفوذ الإقليمي مجرد تحالف سياسي، بل تحول إلى محاولة لضرب الجذور التاريخية للمجتمع، واستبدال الولاء للوطن بالولاء للمذهب. هذا التغلغل أفرز في نهاية المطاف فرزاً مجتمعياً وسياسياً حاداً في الشارع العراقي:
التيار السيادي (الوطني): وهو الحراك الجماهيري والسياسي الذي يطالب بالحقوق والسيادة الكاملة ويرفض الهيمنة الخارجية.
تيار التبعية (الأجنحة الإقليمية): القوى السياسية والفصائلية التي رهنت مواقفها وأيديولوجيتها لمصالح العواصم الخارجية على حساب المصلحة الوطنية العليا.
توظيف الإرهاب لتعميق الشرخ..
في سياق هذا التخندق الطائفي، ظهر تنظيم "داعش" الإرهابي كأداة تدميرية قصوى استهدفت تمزيق النسيج الاجتماعي. فقد سعى التنظيم، عبر تبنيه للعنف المتطرف، إلى ترسيخ الانقسام النفسي والمجتمعي بين المكونات العراقية. ورغم الكلفة الباهظة والتضحيات الجسيمة التي قدمها العراقيون لدحر التنظيم عسكرياً، إلا أن تداعيات تلك الحقبة ما زالت تلقي بظلالها على السلم الأهلي.
الإنكار وسذاجة القراءة السياسية..
في المحصلة، تتبدد اليوم كل محاولات الترويج الإعلامي التي تزعم تعافي البلاد الكامل من الطائفية، فالواقع المعاش يثبت أن هذه الآفة لم تعد مجرد شعارات عابرة، بل تحولت إلى "مؤسسات عميقة" تحمي مصالح طبقة سياسية مستفيدة من بقاء الانقسام. وإن محاولة تكذيب هذه الحقائق الشاخصة في تفاصيل الحياة اليومية والسياسية في العراق لا تعدو كونها قراءة ساذجة، تنأى بنفسها عن ملامسة عمق الأزمة التي ما زالت تحتاج إلى جراحة وطنية حقيقية لاستئصال جذور التبعية وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة الحرة.
#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟