أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …














المزيد.....

السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 20:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ السأم سببٌ لكثير من علل الإنسان ، أو ربما هو أحد أعراض فقدان المعنى في حياته ، فهو لا يرتبط فقط بغياب ما يشغل الوقت ، بل بعدم قدرة الإنسان على توظيف حياته في عمل نافع له وللآخرين ، لذلك ، فإن الرضا ليس أمرًا يسيرًا أو حالة تلقائية ؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أن يشعر بأن لوجوده أثرًا ، وأن لوقته قيمة تتجاوز مجرد استهلاكه ، ولعل السؤال المجازي : كم ميلًا تقطع النحلة من أجل إنتاج ملعقة من العسل؟ ، يختصر شيئًا من هذه الفكرة ؛ فالحياة المنتجة تقوم على المسافة التىّ يقطعها الإنسان نحو غاية يشعر بقيمتها ، ومن يعرف طريق الإنتاج ، سواء في الفكر أو العمل أو الإبداع ، يدرك ضرورة المحافظة على المساحة التىّ تتيح له ذلك ، لأن خسارتها قد تدفعه إلى فراغ لا يعرف كيف يملؤه ، ومن هنا يبدأ السأم : حين يفقد الإنسان علاقته بالفعل الذي يمنحه معنى وقيمة ، يتحول الوقت من فرصة إلى عبء ، ويصبح البحث عن وسيلة لقتله أكثر إلحاحًا من البحث عن طريقة لاستثماره ، وفي هذه الحالة ، لا يعود الترفيه وسيلة للراحة ، بل يتحول تدريجيًا إلى محاولة للهروب من الفراغ ، وقد يجد الإنسان نفسه متمسكًا بالحياة لا لأنه وجد فيها ما يستحق العيش ، بل لأنه يخشى مواجهة ذلك الفراغ .

في المقابل ، فإن معرفة الإنسان بذاته وبما يريد أن يكونه تمنحه قدرة أكبر على تحمل مشقة الحياة وتقلباتها ، ولعل صورة سقراط تظل حاضرة هنا بوصفها مثالًا فلسفيًا على إنسان جعل علاقته بمبادئه أعمق من مجرد الخوف على بقائه ، فالرضا لا يعني غياب الألم ، وإنما القدرة على أن يجد الإنسان في حياته ما يجعل هذا الألم محتملًا وذا جوهر ، وهذا ما يجعل رواية «السأم» للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا توطئةً واستئناسًا بمدخلٍ أدبيٍّ يعين على فهم المسألة ؛ فالسأم عند مورافيا ليس مجرد ملل من تكرار الأيام ، وإنما حالة من الانفصال عن الأشياء وفقدان القدرة على إقامة علاقة حقيقية معها ، ومن هذه الزاوية ، يصبح السأم أزمة في علاقة الإنسان بالعالم ، لا مجرد نقص في وسائل التسلية ، ولعل المفارقة أن الحياة المعاصرة ، رغم كل ما أنتجته الرأسمالية من وسائل للترفيه والاستهلاك بهدف كسر الملل ، لم تستطع إنهاء السأم ، فقد تضاعفت المنتجات والخدمات المصممة لجذب الانتباه ، لكن الإنسان لم يصبح بالضرورة أكثر رضا ؛ إذ يمكنه اليوم أن يملأ ساعات طويلة بالمحتوى والصور والألعاب والمنصات ، ثم يعود في نهاية اليوم إلى الفراغ نفسه .

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش وفرة في وسائل التسلية ، وفقرًا محتملًا في بالجوهر ، فالمشكلة لم تعد في قلة ما نستهلكه ، وإنما في أن الاستهلاك نفسه قد يتحول إلى طريقة لإخفاء الفراغ ، وكلما انتهت متعة ، احتاج الفرد إلى أخرى ، حتى يصبح الترفيه دائرة مغلقة تعيد إنتاج السأم بدل أن تنهيه ، وهنا تدخل التكنولوجيا في صميم المشكلة ، فهي لم تعد مجرد أدوات نستخدمها ، بل أصبحت جزءًا من البيئة التىّ تتشكل داخلها عاداتنا واهتماماتنا وصورتنا عن أنفسنا ، ومع ذلك ، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها ؛ فهي قادرة على توسيع المعرفة والتواصل والإبداع ، وإنما في تحولها من وسيلة تساعد الإنسان على بناء حياته إلى بديل عن الحياة الاجتماعية نفسها .

فالهوية لا تُبنى من خلال الأجهزة وحدها ، وإنما تتشكل في الاحتكاك بالمحيط الاجتماعي : الأسرة ، والمدرسة ، والعمل ، والثقافة باشكالها ، والمؤسسات العامة ، وهذه المساحات هي التىّ تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والمسؤولية والمشاركة ، وعندما تتراجع هذه الروابط لصالح علاقة كثيفة بالشاشات ، قد يصبح الإنسان أكثر اتصالًا بالمعلومات وأقل اتصالًا بالعالم الذي يعيش فيه ، وهنا يتحول السأم من حالة فردية إلى مسألة اجتماعية وسياسية ، فالمواطن الذي لا يشعر بأن له دورًا في محيطه ، ولا يرى أثرًا لمشاركته ، قد يتحول تدريجيًا من فاعل إلى متفرج ؛ يستهلك السياسة والثقافة والأخبار كما يستهلك الترفيه ، من دون أن يشعر بأنه جزء من عملية إنتاجها .

لذلك ، فإن مواجهة السأم لا تكون بإنتاج مزيد من وسائل التسلية ، وإنما بإعادة بناء المعنى داخل الحياة اليومية : في العمل ، والتعليم ، والأسرة ، والثقافة، والمشاركة العامة ، فالتكنولوجيا والألعاب الإلكترونية ينبغي أن تساعد الإنسان على توسيع هذه المساحات ، لا أن تلغيها ، والترفيه ينبغي أن يمنحه استراحة من الحياة ، لا أن يصبح بديلًا عنها .

في النهاية ، ربما لا يكون السؤال : كيف نقتل السأم؟، وإنما : كيف نبني حياة لا يصبح السأم فيها أسلوبًا للوجود؟ ، فحين يفقد الإنسان صلته بالإنتاج والمشاركة والأهمية ، يصبح الفراغ مأواه ؛ وحين يستعيد هذه الصلة ، تتحول الحياة من وقت ينبغي قتله إلى وقت يستحق أن يُعاش ، وإلا ، فسنضطر إلى الاستئذان من الأرض لتوقّف دورانها للحظات ، حتى نتمكن من الترجّل منها… والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...


المزيد.....




- بمشاركة بزشكيان.. انطلاق حملة -فدائيون من أجل إيران- وسط تهد ...
- سوريا.. توقيف 5 من كبار ضباط وقيادات سلاح الجو في نظام بشار ...
- الصيام المتقطع يظهر قدرة على تغيير مسار مرض هنتنغتون
- باسم خندقجي.. أسير حطم القيد برواياته
- الاتحاد الأوروبي يعلن رفع مستوى تأهب مهمة -أسبيدس- في البحر ...
- تحرير بلدة -زولوتوي كولوديز- في جمهورية دونيتسك الشعبية
- جمهورية دونيتسك.. مشاهد من العمليات القتالية أثناء تحرير بلد ...
- مقاتلات -سو-34- الروسية تستهدف مواقع للقوات الأوكرانية في مق ...
- قراءة عبرية لـ-الخريطة الجديدة- التي تطوق تركيا بها إسرائيل ...
- السعودية تحذر مواطنيها من غرامة مالية باهظة والسجن في البرتغ ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …