أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - «نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية














المزيد.....

«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 12:32
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبوحبلة

لم يعد فيلم «نازا» مجرد عمل وثائقي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي؛ فقد خرج سريعاً من قاعة السينما إلى قلب المعركة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، ليفتح سؤالاً يتجاوز مضمون الفيلم ذاته: ماذا يحدث عندما تأتي الشهادة من داخل المؤسسة العسكرية، وتصبح الكاميرا طرفاً في معركة الرواية؟
الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، يستند إلى شهادات 24 من أفراد المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم وأصواتهم وملامحهم لدواعٍ أمنية، ويتناول، بحسب منتجيه، آليات استهداف في الحرب على غزة واستخدام تقنيات تعتمد على معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي. وقد حاز العمل جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية وسط اهتمام دولي واسع.
لكن أهمية «نازا» السياسية لا تكمن في التصفيق الذي استقبله في البندقية، ولا في الضجة التي أحدثها في إسرائيل، بل في أنه نقل النقاش إلى منطقة أكثر حساسية: من المسؤول عن القرار عندما يتحول المدنيون من ضحايا محتملين إلى أرقام في معادلة عسكرية؟
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين.
الأول هو ما يقوله الفيلم وشهادات المشاركين فيه، وهي مادة صحفية ووثائقية تستحق الفحص والتحقيق والمساءلة المهنية.
أما المستوى الثاني فهو الحقيقة القانونية والقضائية، التي لا يحسمها فيلم ولا تصريح سياسي، وإنما تحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات ذات اختصاص.
وهذا التمييز مهم حتى لا تتحول المعركة حول «نازا» إلى معركة شعارات.
فالجيش الإسرائيلي رفض بصورة واضحة عدداً من الادعاءات التي تضمنها الفيلم، وقال إن بعض المقاطع والاتهامات عُرضت بصورة مجتزأة أو مشوهة، مؤكداً أن قرارات الاستهداف يتخذها بشر وفق إجراءات عسكرية، وأنه يعمل، بحسب روايته، وفق القانون الدولي. كما نفى الجيش تحديداً الرواية المتعلقة بالموافقة على ضربة كان متوقعاً أن تقتل 500 مدني.

لكن المفارقة اللافتة أن الرد الرسمي لم يتوقف عند تفنيد المحتوى، بل اتسع ليشمل بحث الإجراءات القانونية ضد الفيلم ومَن يقف وراءه، والتحقيق في كيفية وصول مواد سرية إلى صانعيه. وأعلن رئيس الأركان إيال زامير تشكيل آلية لمواجهة ما وصفه بالادعاءات الكاذبة، فيما دعا وزير الثقافة ميكي زوهار إلى إجراءات بحق المخرجين وصلت إلى التلويح بسحب الجنسية.

وهنا تحديداً تبدأ القصة السياسية الأهم.

فالرد على الوثيقة يكون بالوثيقة، وعلى الشهادة بالشهادة، وعلى الادعاء بالدليل؛ أما تحويل أصحاب الرواية إلى القضية نفسها، فينقل النقاش من مضمون الاتهام إلى حرية التعبير.

ولافت أن الصحافة الإسرائيلية لم تتعامل مع «نازا» بصوت واحد. فقد أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى اجتماع عسكري عاجل لمواجهة ما اعتبرته المؤسسة العسكرية ادعاءات خطيرة، وإلى تحرك إعلامي رسمي لإنتاج رواية مضادة. وفي المقابل، أفادت التقارير بتوقيع أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي على عريضة تضامن مع المخرجين، اعتراضاً على مهاجمتهما قبل عرض الفيلم كاملاً.
أما الصحافة العالمية فقد ذهبت إلى قراءة مختلفة. صحيفة «الغارديان»، المنتجة للفيلم، دافعت عن العمل باعتباره نتاج تحقيق استمر أكثر من ثلاث سنوات، فيما ركزت «أسوشيتد برس» على المفارقة بين الرواية الرسمية الإسرائيلية ومضمون شهادات العسكريين السابقين، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إسرائيل تنفي الاتهامات.
حتى المراجعة النقدية في «الغارديان» نفسها لم تتعامل مع الفيلم باعتباره حكماً قضائياً نهائياً؛ فقد أشارت إلى أن مجهولية الشهود تضعف، من الناحية الصحفية، إمكانية التحقق المستقل من بعض شهاداتهم، وإن كانت ترى أن العمل يسلط ضوءاً مقلقاً على طريقة إدارة الحرب.

وهذه نقطة تستحق التوقف.
قوة «نازا» ليست في أن نصدقه لمجرد أنه يروي رواية فلسطينية أو ينتقد إسرائيل، كما أن قوة الرواية الإسرائيلية ليست في أن نرفض الفيلم لمجرد أن المؤسسة العسكرية ترفضه.
القوة الحقيقية في أن تخضع الروايتان للاختبار المهني والقانوني المستقل.
فإذا كانت الشهادات صحيحة، فإنها تطرح أسئلة ثقيلة حول قواعد الاشتباك، ومعايير اختيار الأهداف، والتناسب، وحماية المدنيين، والمسؤولية القيادية، واستخدام التكنولوجيا في اتخاذ القرارات العسكرية.

وإذا كانت بعض الشهادات غير دقيقة، فإن تفنيدها يتطلب تقديم الوقائع والوثائق والأدلة، لا الاكتفاء بالاتهام السياسي.
ومن هنا فإن «نازا» قد يكون أهم من مجرد فيلم عن حرب غزة؛ لأنه يكشف أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، وإنما أيضاً بالبيانات والخوارزميات والصور والروايات.
لقد أصبحت معركة غزة، بالتوازي مع المعركة الميدانية، معركة على الذاكرة الدولية: من يحدد معنى الضحية؟ ومن يعرّف الخطأ العسكري؟ ومن يقرر أين تنتهي الضرورة العسكرية وتبدأ المسؤولية؟

ولذلك فإن حالة الاستنفار التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل تستحق القراءة بذاتها، بصرف النظر عن الحكم النهائي على كل شهادة وردت فيه.

فالدول تستطيع أن تواجه الانتقادات بالبيانات، والجيوش تستطيع أن تقدم روايتها المهنية، والقضاء يستطيع أن يفحص الأدلة؛ لكن التاريخ لا يُكتب بالبيانات وحدها.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الأهم مفتوحاً:

هل المطلوب إسكات الشاهد، أم التحقيق في الشهادة؟

ذلك هو الفارق بين إدارة الصورة وإدارة الحقيقة.
والحقيقة، في زمن الحروب، لا تحتاج إلى صخب إضافي؛ تحتاج إلى أدلة، وشهود، وتحقيق مستقل، وقانون لا يميز بين الضحية والفاعل على أساس الهوية.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «العودة والدولة».. مبادرة وطنية لفتح الطريق أمام إنهاء الانق ...
- القاهرة.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ الانتخابات الفلسطينية من الا ...
- الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق الشعب وحسابات التأجيل
- فك الارتباط الأردني ووادي عربة.. بين الحقيقة القانونية ومحاو ...
- 7 أكتوبر بين الاعتذار والمراجعة الوطنية.. فلسطين أمام استحقا ...
- المجلس الوطني الفلسطيني.. لا شرعية بلا شراكة ولا تمثيل بلا ت ...
- غرب طولكرم أمام مخطط «عابر السامرة»
- هرمز بين قبضة إيران ومقامرة ترامب
- بين الانفجار وضبط النفس... وكل الخيارات ما زالت قائمة
- هاكابي في ترمسعيا.. بين المسؤولية الدبلوماسية وازدواجية المع ...
- عام دراسي فلسطيني جديد.. بين تحديات الأزمة وضرورة الإنقاذ ال ...
- أيزنكوت والضفة وغزة.. تغيير في إدارة الصراع أم بداية لتحول إ ...
- هُدم بيته.. فصارت عربته مأواه ومصدر رزقه بعد نزوحه من مخيم ط ...
- جرس إنذار في طولكرم.. الأمن والاستقرار شرطٌ لحماية الاستحقاق ...
- الضفة الغربية.. هل يُدفع الغضب الفلسطيني نحو انفجار أمني؟
- الضفة الغربية في مرمى الانتخابات الإسرائيلية.. هل يمهّد نتني ...
- بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات ا ...
- منصور عباس وسيغالوفيتش.. حين تصبح القائمة العربية «بيضة القب ...
- مستشفى النجاح الوطني الجامعي.. من حلم فلسطيني إلى صرح طبي بم ...
- ترامب ولاهاي.. عندما تتحول القوة الأميركية إلى مواجهة مع الق ...


المزيد.....




- بينيلوبي كروز من الكورسيه الأسود إلى الريش الأبيض في تورونتو ...
- الحوثيون يعلنون استهداف -أرامكو- في ينبع وقاعدة خميس مشيط بع ...
- شبكة روسية في مرمى واشنطن.. اتهامات بالتخطيط لاغتيالات وتنفي ...
- غوتيريش يرحب بتأييد مجلس النواب الليبي اتفاق -4+4- ويعتبره خ ...
- سيمونيان ساخرة من الإندبندنت و-مراسلون بلا حدود-: RT بالهندي ...
- قائد القوات البرية الإيرانية: انتشار 10 ألوية على سواحل مكرا ...
- -الحرب ستكون قصيرة جدا-..لافروف يوجه إنذارا صارما لأوروبا ون ...
- 16 سبتمبر 1997 .. تعيين ستيف جوبز رئيسا تنفيذيا مؤقتا لشركة ...
- الرى: اجتماع مصري سوداني لتعزيز التعاون في مشروعات التنمية ا ...
- سوريا: ما هي ظروف وتداعيات مقتل 10 سجناء في عين العرب - كوبا ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - «نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية