أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق














المزيد.....

بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:10
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم المحامي علي أبوحبلة
لا خلاف على أن مدينة طولكرم تستحق كل جهد يحافظ على جمالها وتنظيم أسواقها ويحمي شوارعها وأرصفةها ومرافقها العامة، ولا خلاف كذلك على أهمية الترحيب بأبناء شعبنا وزوار المدينة، وإبراز صورتها الحضارية والإنسانية، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال.
لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تصدر منشورات أو مواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن أشخاص يُنسبون إلى المؤسسة الأمنية أو ينضوون تحت مظلتها، لأن الصفة الوظيفية تفرض قدراً أعلى من الانضباط والدقة والحياد، وتستوجب التمييز بوضوح بين الرأي الشخصي والتعبير الرسمي.
ومن هنا، فإن أي منشور منسوب إلى أحد العاملين في مؤسسة أمنية، ولا سيما عندما يتناول أداء مؤسسة عامة أو إجراءات إنفاذ القانون أو يتضمن توجيهاً للرأي العام، يستحق التحقق من طبيعته ومصدره وصفة صاحبه، وما إذا كان يمثل رأياً شخصياً أم موقفاً رسمياً، وما إذا كان يتوافق مع الأنظمة والتعليمات ومدونات السلوك الوظيفي النافذة.
والحديث هنا ليس عن منع التعبير أو تقييد النقاش العام، وإنما عن تنظيم المسؤولية المرتبطة بالوظيفة العامة. فالموظف الأمني، بحكم موقعه، يحمل مسؤولية مضاعفة في اختيار عباراته ومواقفه، لأن ما ينشره قد يُفهم باعتباره موقفاً صادراً عن المؤسسة التي ينتمي إليها، حتى لو لم يقصد ذلك.
أما المنشور محل النقاش، والذي يدعو الإعلام إلى الارتقاء بصورة طولكرم، ويطالب باستبدال عبارة «إزالة التعديات» بعبارة «تنظيم وتجميل الأسواق»، ويؤكد ضرورة مراعاة الظروف الإنسانية للمواطنين، ويشيد بدور المجلس البلدي ويدعو إلى دعم عملية تنظيم المدينة، فإن بعض مضامينه قد تكون في جوهرها محل اتفاق مجتمعي، خصوصاً ما يتعلق بتنظيم الأسواق ومراعاة البعد الإنساني.
غير أن سلامة الهدف لا تعني بالضرورة سلامة الوسيلة أو الصياغة أو الصفة التي صدر بها المنشور.
فإنفاذ القانون اختصاص مؤسسي، وليس مجالاً للمواقف الشخصية المتباينة التي قد توحي بتأييد إجراء أو رفضه أو التأثير في الرأي العام حوله. كما أن إعادة توصيف المصطلحات القانونية والإدارية، مثل «إزالة التعديات» أو «تنظيم الأسواق»، ينبغي أن تتم وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة، وليس تبعاً للرغبة في تحسين الصورة الإعلامية لأي إجراء.
إن تنظيم الأسواق يمكن أن يكون فعلاً حضارياً وإنسانياً في آن واحد، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة، ومعايير معلنة، وتطبيق عادل، وحوار مع أصحاب البسطات والتجار، وتوفير البدائل الممكنة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المشاة والملك العام وانسيابية المرور. لا يجوز أن يكون القانون ذريعة للإضرار بالناس، كما لا يجوز أن تكون الظروف الاقتصادية ذريعة لتعطيل القانون.
وهنا تبرز أهمية مدونة السلوك الوظيفي باعتبارها إطاراً لضبط الأداء العام، وحماية هيبة المؤسسة، وترسيخ الحياد والنزاهة والموضوعية. فالمنتسب للمؤسسة الأمنية أو المدنية ليس محروماً من حقه في التعبير، لكن عليه، بحكم موقعه، أن يدرك أن التعبير عبر المنصات العامة قد تكون له آثار تتجاوز شخصه، وأن عليه الالتزام بما تفرضه الوظيفة من ضوابط ومسؤوليات.
والأمر ذاته ينطبق على نشر الاتهامات أو المعلومات غير الموثقة. فلا يجوز أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم مفتوحة، ولا أن تصدر أحكام مسبقة بحق أفراد أو جهات دون بينة أو تحقق. الأصل هو الدقة، والتثبت، واحترام قرينة البراءة، وإحالة أي معلومات جدية إلى الجهات المختصة للتحقق منها واتخاذ ما يلزم وفق القانون.
ومن الخطأ أيضاً أن تتحول الإشادة بالأشخاص إلى معيار لتقييم العمل العام، أو أن يصبح النقد المهني دليلاً على عدم الوطنية أو عدم الحرص على المدينة. فالمؤسسات العامة لا تحتاج إلى التطبيل، وإنما تحتاج إلى النقد البناء، والمراقبة المجتمعية، والإعلام المهني، والمساءلة القانونية.
إن الدعم الحقيقي لبلدية طولكرم والمجلس البلدي والجهات الأمنية ليس في المجاملة، وإنما في تمكينها من تطبيق القانون بصورة عادلة ومتوازنة، وفي الوقت نفسه مساعدتها على تطوير حلول تحفظ كرامة المواطن ورزقه.
وطولكرم ليست بحاجة إلى صراع بين الإعلام والمؤسسات، ولا إلى اصطفاف بين مؤيد ومعارض؛ بل تحتاج إلى شراكة وطنية ومهنية تجعل تنظيم المدينة مسؤولية جماعية، وتضع القانون فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق العلاقات، والشفافية فوق المجاملة.
وفي هذا السياق، فإن الجهات المختصة مدعوة إلى التعامل مع أي منشورات صادرة عن أشخاص ذوي صفة أمنية أو وظيفية رسمية وفق معيار واحد: التحقق أولاً من الصفة والمصدر والمضمون، ثم تقييم مدى توافق المنشور مع القوانين والأنظمة والتعليمات ومدونة السلوك الوظيفي، بعيداً عن النيات المسبقة أو الاستهداف الشخصي.
فالغاية ليست ملاحقة منشور أو محاسبة شخص لمجرد إبداء رأي، وإنما حماية مبدأ أهم: أن تبقى المؤسسة الأمنية مؤسسة لجميع المواطنين، وأن يبقى القانون فوق الجميع، وأن يكون الخطاب المرتبط بالوظيفة العامة منضبطاً ومسؤولاً ومتسقاً مع مقتضيات الحياد والموضوعية.
نريد طولكرم منظمة وجميلة ونظيفة وآمنة، ونريد أسواقها نابضة بالحياة، وأرصفةها وطرقاتها مفتوحة للجميع، ونريد حماية رزق المواطن وكرامته، كما نريد مؤسسات قوية تحظى بثقة الناس.
وهذه الثقة لا تُبنى بالمجاملة، ولا بالمنشورات العاطفية، وإنما بالقانون، والشفافية، والانضباط، والعدالة، وحسن الأداء.
وفي النهاية، فإن احترام المؤسسة الأمنية يبدأ باحترام القانون، واحترام القانون يبدأ بالدقة في الكلمة، والتثبت في المعلومة، والانضباط في الموقف. أما طولكرم، فتستحق أن نتعامل مع قضاياها بعقل الدولة، لا بمنطق الأشخاص؛ وبميزان المصلحة العامة، لا بمنطق المجاملة أو الاصطفاف.
المحامي علي أبوحبلة



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منصور عباس وسيغالوفيتش.. حين تصبح القائمة العربية «بيضة القب ...
- مستشفى النجاح الوطني الجامعي.. من حلم فلسطيني إلى صرح طبي بم ...
- ترامب ولاهاي.. عندما تتحول القوة الأميركية إلى مواجهة مع الق ...
- مشروع الأمل الفلسطيني لعلاج السرطان.. من حلم خالد الحسن إلى ...
- الحروب والعقوبات تخيّم على قمة شنغهاي.. اختبار جديد للتعددية ...
- الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال.. القدس وغزة والضفة أمام ...
- مسؤوليات القوة المحتلة في الأرض الفلسطينية.. أين المجتمع الد ...
- انتخابات إسرائيل 2026.. صراع اليمين على اليمين وصداع نتنياهو ...
- عشنا وياما حنشوف.. عوجا والطابق مكشوف
- المشهد الفلسطيني أمام اختبار المتغيرات: بين انتظار التحولات ...
- الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الاستحقاق الوطني والعوائ ...
- عندما يغيب القانون وتسود ثقافة الثأر: حماية السلم الأهلي مسؤ ...
- حريق الأقصى بعد 57 عاماً.. من جريمة الإحراق إلى مخاطر التقسي ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء
- عميرة هاس تضع القيادة الفلسطينية أمام اختبار «المناطق ج»
- «السالب» الأمريكي يهز إسرائيل.. سقوط الإجماع الذي حمى تل أبي ...
- الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً
- هدم المنازل والممتلكات الفلسطينية بين الأوامر العسكرية وقواع ...
- استطلاع أغسطس وامتحان نوفمبر: ماذا تقول الأرقام لفتح؟
- من المسؤول عن حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرا ...


المزيد.....




- قصف أمريكي ورد إيراني.. ماذا حدث خلال الساعات الماضية؟
- مصر والصين توقعان 20 اتفاقية بحضور السيسي وشي
- موسكو: إغلاق القنصلية في بون والبيت الروسي ببرلين -يدمر- الع ...
- نتنياهو من داخل غزة: لن ننسحب ونسيطر على 60% من القطاع
- الصين توجه رسالة دعم لمصر بشأن نهر النيل
- سوريا.. قرود شاردة وهروب جماعي ومطاردة في الشوارع (فيديو)
- وزير الحرب الأمريكي يشطب 6 ضباط من قائمة الترقيات
- «المصريين الأحرار»: زيارة الرئيس الصيني لمصر تؤسس لمرحلة جدي ...
- باستثمارات تتجاوز 1.69 مليار جنيه:وزيرة الإسكان تتابع موقف ت ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع نتائج حملات الحوكمة والم ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق