أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً














المزيد.....

الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 20:52
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبوحبلة
الوطن لا يُبنى بالخطابات التحفيزية، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بتجميل الواقع أو القفز فوق الحقائق. كما أن الوطنية ليست مطالبة المواطن بالصبر والتضحية، ثم اعتبار سؤاله عن أسباب الأزمات ومَن يتحمل مسؤولية نتائجها نوعاً من السلبية أو التشاؤم.
لا أحد ينكر حجم التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الاحتلال وسياساته وإجراءاته التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والحياة اليومية. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إسقاط المسؤولية عن الإدارة والمؤسسات، ولا يعني أن تتحول الظروف الصعبة إلى ذريعة دائمة لتعطيل النقد والمساءلة والمراجعة.
فالخطاب الشعبوي قد يثير العاطفة، لكنه لا يبني دولة.
الشعبوية تختزل الأزمات المعقدة في شعارات بسيطة، وتقدم أحياناً وعوداً سهلة لمشكلات تحتاج إلى سياسات وبرامج ودراسات وموارد وآليات تنفيذ. وقد تنجح في حشد الجمهور مؤقتاً، لكنها سرعان ما تصطدم بالواقع عندما يكتشف المواطن أن الشعارات لا توفر فرصة عمل، ولا تسدد فاتورة، ولا تعالج الفقر، ولا تضمن راتباً مستقراً.
المواطن الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له أهمية الصمود؛ فهو يعيش الصمود يومياً. ولا يحتاج إلى محاضرات في الوطنية؛ فقد دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضهم وحقوقهم وكرامتهم. ما يحتاجه المواطن هو خطاب سياسي صادق يحترم عقله ويعترف بمعاناته ويقدم له إجابات واقعية.
هناك بطالة، وهناك فقر، وهناك أسر تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، وهناك شباب يحملون الشهادات ويبحثون عن فرصة عمل، وهناك موظفون يواجهون أعباء الحياة في ظل عدم انتظام الدخول أو نقصها. هذه ليست أرقاماً مجردة في تقارير اقتصادية؛ إنها حياة الناس اليومية.
ومن هنا فإن التدليس على الواقع أخطر من الاعتراف بالأزمة.
ليس عيباً أن تقول المؤسسات للمواطن إن الإمكانات محدودة، وإن الأزمة المالية عميقة، وإن الاحتلال يفرض قيوداً كبيرة على الاقتصاد الفلسطيني. العيب أن تُحجب الحقائق، أو تُقدم الصورة بصورة وردية لا تتطابق مع الواقع، أو يُطلب من المواطن أن يتعامل مع معاناته باعتبارها مجرد مسألة نفسية تحتاج إلى «تفكير إيجابي».
التفكير الإيجابي قيمة مطلوبة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التخطيط. والأمل ضرورة، لكنه لا يعوض غياب السياسات. والوطنية مطلوبة، لكنها لا تلغي حق المواطن في السؤال.
الجوع لا يعالج بالشعارات، والبطالة لا تُخفض بالخطب، والأزمة المالية لا تُحل بالأمنيات.
ومن هنا تبرز مسؤولية أصحاب القرار. فالمسؤولية ليست امتيازاً، والمنصب ليس حصانة من النقد، والخطاب السياسي ليس بديلاً عن الإنجاز.
المواطن من حقه أن يسأل: ماذا أنجزنا؟ لماذا أخفقت بعض السياسات؟ أين تذهب الموارد؟ ما الأولويات؟ ما الخطة الاقتصادية؟ كيف ستُخلق فرص العمل؟ وكيف ستُحمى الطبقات الفقيرة والمتوسطة؟ وما هي آليات الرقابة والمساءلة؟
هذه الأسئلة ليست هدامة، بل هي جوهر المشاركة الوطنية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تنشأ فجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس؛ حين يتحدث المسؤول عن الصمود والتضحية، بينما يشعر المواطن أن أصحاب القرار وبعض المقربين منهم يعيشون في ظروف مختلفة تماماً عن ظروفه، وأن حسابات المصالح والمنافع والامتيازات لا تخضع دائماً للمعايير نفسها التي يُطلب من المواطن الالتزام بها.
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الحديث عنها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطن.
ومن يريد بناء الوطن فعلاً، عليه أن يبدأ من الإنسان: من حقه في العمل، والتعليم، والصحة، والكرامة، والأمن الاجتماعي، ومن حقه في معرفة كيفية إدارة المال العام، ومن حقه في مساءلة المسؤول.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «اصبر وتحمل» إلى ثقافة «تحمل الجميع المسؤولية»؛ فالتضحية لا تكون من طرف واحد، والصبر لا يمكن أن يتحول إلى سياسة اقتصادية، والوطن لا يمكن أن يُدار بمنطق مطالبة المواطن دائماً بالمزيد من التحمل.
كما أن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات قوية، وشفافية، وكفاءة، وعدالة، وتكافؤ فرص، ومكافحة حقيقية للمحسوبية والفساد، وربط المسؤولية بالنتائج، وإخضاع السياسات العامة للتقييم والمراجعة.
أما الأحلام التي يسوقها بعض المسؤولين بعيداً عن الواقع، أو الأفكار التي تُطرح دون معرفة دقيقة بحجم المعاناة الاجتماعية والاقتصادية، فإنها لا تصنع سياسة عامة. فالرؤية الوطنية ليست حلماً، وإنما خطة قابلة للقياس والتنفيذ، تقوم على أرقام وبيانات وأولويات واضحة.
وليس المطلوب جلد الذات أو التقليل من الإنجازات، كما أنه ليس المطلوب نشر اليأس. المطلوب هو الموضوعية: أن نعترف بما تحقق، وأن نعترف في الوقت ذاته بما أخفقنا فيه، وأن نضع الإصلاح فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.
فالمواطن لا يريد خطاباً يصفق له، وإنما خطاباً يحترم عقله.
يريد أن يعرف الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، لأنه يستطيع أن يتحمل الحقيقة أكثر مما يستطيع أن يتحمل الوهم.
فالخطاب الشعبوي قد يكسب التصفيق، لكنه لا يبني مؤسسات. والتدليس قد يؤجل الاعتراف بالأزمة، لكنه لا يحلها. والشعارات قد تمنح لحظة من الرضا، لكنها لا تصنع تنمية مستدامة.
إن بناء الوطن الفلسطيني مسؤولية جماعية، لكنه لا يعني إعفاء أحد من مسؤوليته. المواطن شريك وليس مجرد متلقٍ للتوجيهات، والمسؤول خادم للمصلحة العامة وليس فوق المساءلة.
وفي النهاية، فإن الوطن الذي نريده ليس وطناً في الخطب، بل وطناً في حياة الناس؛ وطناً يجد فيه الشاب فرصة، والموظف راتباً مستقراً، والأسرة أمناً اجتماعياً، والمواطن كرامته، والمؤسسة احترامها للقانون.
الوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالحقيقة والعدالة والكفاءة والمساءلة والإنجاز. ومن يريد فعلاً بناء الوطن، فليبدأ من واقع المواطن لا من منصة الخطابة.
المحامي علي أبوحبلة



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هدم المنازل والممتلكات الفلسطينية بين الأوامر العسكرية وقواع ...
- استطلاع أغسطس وامتحان نوفمبر: ماذا تقول الأرقام لفتح؟
- من المسؤول عن حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرا ...
- الخارطة السياسية الحزبية في إسرائيل أمام انتخابات 2026: آيزن ...
- طولكرم أمام استحقاق تعليمي عاجل.. من صيانة المدارس إلى بناء ...
- الوحدة الوطنية الفلسطينية.. ضرورة استراتيجية لحماية المشروع ...
- «حلف مكة» بين الفزع الإسرائيلي والفرصة الإقليمية
- العراق بين «حتمية الرد» وحسابات الدولة
- توحيد الصوت العربي في الداخل الفلسطيني.. ضرورة سياسية في موا ...
- إعادة إنعاش السلطة الفلسطينية بين الإصلاح الوطني وإعادة الهن ...
- اتفاقية مكة وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي
- الوحدة الوطنية ضرورة استراتيجية... قراءة في مستقبل النظام ال ...
- لا تعيدوا إنتاج انقسام -المجلسيين والمعارضين-
- تأجيل اجتماع الكابينت... بين حسابات الحرب وإعادة رسم خرائط غ ...
- الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: استحقاق وطني لتجسيد ...
- من حكم غزة إلى التفاوض على البقاء: مخاطر المرحلة المقبلة
- إشراك القيادات التاريخية في الأطر التنظيمية لحركة فتح... قرا ...
- خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران
- غزة بين وقف النار واستحقاقات السياسة
- كتاب مفتوح إلى عطوفة النائب العام الفلسطيني المحترم


المزيد.....




- اليمن.. العليمي يتوعد بضرب مراكز القيادة الحوثية في مختلف ال ...
- -فعلتموها مجددا-.. الشرع يهنئ الشعب السوري بقرار إزالة اسم س ...
- وزير أوكراني: الشتاء المقبل سيكون صعبا لأن روسيا تشن حرب است ...
- الصين: النزاع في أوكرانيا أظهر أن الأمن في أوروبا غير قابل ل ...
- غزة.. اللجان الشعبية تمنع -الطائرات الورقية- في مخيمات النزو ...
- محكمة أمريكية تؤجل محاكمة ليبي متهم في تفجير طائرة بان آم 10 ...
- ترامب يمدد الحظر التجاري على كوبا عاما آخر
- المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق ل ...
- النظام الجمهوري: المفهوم، والمآلات من الحكم البورقيبي إلى ال ...
- قتل طفلا في الخامسة وأحرق جثته.. الدرك الجزائري ينشر صورة ال ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً