علا مجد الدين عبد النور
كاتبة
(Ola Magdeldeen)
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 11:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل كان المصري يمارس السياسة، أم يتفاعل معها؟
في الجزء الأول من هذا المقال، بحثنا في تاريخ المصريين عن لحظات خرجوا فيها إلى الشارع، منذ مصر القديمة وحتى ثورة ١٩١٩، لنكتشف أن الصورة الشائعة عن المصري باعتباره شعبًا هادئًا لا يثور ليست دقيقة.
فالمصريون أضربوا، واحتجوا، ورفضوا الضرائب، وواجهوا الحكام والولاة، وخرجوا إلى الشوارع في لحظات مختلفة من تاريخهم.
لكن التاريخ الحديث يضعنا أمام سؤال أكثر تعقيدًا: هل كان المصري، حين خرج إلى الشارع، يمارس السياسة فعلًا؟ أم كان يتفاعل معها فقط حين تصل الأمور إلى لحظة لا يستطيع معها الصمت؟
ولعل العقود الممتدة من ثورة ١٩٥٢ حتى ٢٠١١ تقدّم أوضح إجابة على هذا السؤال.
عبد الناصر.. حين يصبح الزعيم هو السياسة
منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، أصبح جمال عبد الناصر الشخصية المركزية في النظام السياسي المصري، وتراجعت مساحة العمل الحزبي المستقل، بينما أصبحت الدولة صاحبة الدور الأساسي في تنظيم المجال السياسي والمجتمعي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: فالمصري لم يكن بعيدًا عن السياسة، بل كانت حاضرة في حياته بقوة؛ في التعليم، والإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، والسياسة الخارجية، والحرب، والخطاب القومي. لكن حضور السياسة في حياة المواطن لا يعني بالضرورة أنه كان يمارسها.
فالممارسة السياسية تعني أكثر من تأييد زعيم أو رفضه؛ تعني القدرة على الاختلاف، والتنظيم، وتكوين الأحزاب والحركات، والتعبير عن الرأي، ومحاسبة السلطة، والمشاركة في صناعة القرار. وهذه المساحة كانت محدودة في عهد عبد الناصر، خصوصًا بعد الصراع السياسي الذي حسم مركز السلطة لصالحه في منتصف الخمسينيات. وتشير دراسات عن الحياة السياسية في تلك الفترة إلى أن النشاط المعارض المنظم اختفى إلى حد كبير بين عامي ١٩٥٤ و١٩٦٧.
لكن غياب الممارسة السياسية لم يكن يعني غياب المشاعر السياسية. وهنا نصل إلى واحدة من أشهر اللحظات في التاريخ المصري الحديث.
١٩٦٧.. المصريون يخرجون ليطلبوا من عبد الناصر ألا يرحل
في التاسع من يونيو ١٩٦٧، وبعد الهزيمة أمام إسرائيل، أعلن عبد الناصر تحمله المسؤولية وقدّم استقالته. لكن المفاجأة لم تكن في الاستقالة وحدها، بل في رد فعل الشارع: خرجت أعداد ضخمة من المصريين إلى الشوارع، في القاهرة ومدن أخرى، مطالبة عبد الناصر بالبقاء وعدم التنحي.
كان المشهد شديد التناقض ظاهريًا: الجيش هُزم، والقيادة أعلنت مسؤوليتها، والرئيس نفسه يقول إنه سيرحل، بينما يخرج الناس مطالبين ببقائه.
هل كان هؤلاء الناس يتحركون بوعي سياسي؟ أم كانت مشاعر الهزيمة والخوف على مستقبل البلاد، والارتباط بصورة عبد الناصر، هي التي دفعتهم إلى الشارع؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فقد اختلطت في تلك اللحظة عوامل عديدة: الصدمة من الهزيمة، والخوف من الفراغ السياسي، والإيمان بأن عبد الناصر يمثل الاستقلال الوطني، والخوف من ضياع مكتسبات اجتماعية ارتبطت به، إضافة إلى الرغبة في رفض الهزيمة.
لكن بعض الدراسات ترى في هذه المظاهرات نفسها نتيجة لتاريخ طويل من التعبئة السياسية حول عبد الناصر، وليس نقيضًا لها؛ أي أن عفوية الخروج لم تكن منفصلة عن البيئة السياسية التي تشكلت خلال سنوات حكمه. ويرى شريف يونس، في دراسته عن مظاهرات التنحي وتشكّل «عبادة ناصر»، أن هذه اللحظة تكشف أيضًا عن مركزية عبد الناصر في النظام السياسي والوعي العام.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: إذا كان المصريون قد خرجوا بأعداد هائلة دفاعًا عن زعيم، فهل كان ذلك ممارسة سياسية؟ أم تعبيرًا سياسيًا من خارج مؤسسات السياسة؟
والسؤال لا ينتقص من مشاعر هؤلاء الناس ولا من دوافعهم، لكنه يحاول فقط التمييز بين التفاعل مع السياسة وممارستها.
لكن المصريين لم يكونوا دائمًا مؤيدين
بعد أقل من عام على الهزيمة، ظهرت صورة أخرى للمصريين.
ففي عام ١٩٦٨ خرج طلاب وعمال في احتجاجات طالبت بمحاسبة المسؤولين عن الهزيمة، واحتجوا على الأحكام التي صدرت بحق عدد من كبار القادة العسكريين.
وهنا لم يعد الشارع يطالب الزعيم بالبقاء، بل بدأ يطالب السلطة بالحساب والإصلاح.
كانت هذه الاحتجاجات من أبرز مظاهر عودة الاحتجاج السياسي والاجتماعي بعد سنوات من الهدوء النسبي، وارتبطت بوعود إصلاح، أبرزها إعلان عبد الناصر في مارس ١٩٦٨ عن إجراءات تتعلق بالحريات وسيادة القانون والانتخابات. لكن الحياة السياسية لم تتحول إلى نظام ديمقراطي مفتوح، وظلت الدولة الأمنية والرقابة على المجال العام حاضرتين.
وهنا تظهر صورة أكثر تعقيدًا للمصري في عهد عبد الناصر: فهو ليس مجرد مواطن يهتف للزعيم، وهو أيضًا ليس مواطنًا يمارس سياسة مؤسسية مستقرة. إنه مواطن يتحرك عندما تتراكم الأزمات، ويخرج عندما يشعر أن هناك خطرًا يهدد البلد أو حقوقه، لكنه لا يمتلك دائمًا المساحة أو الأدوات التي تسمح له بتحويل هذا التفاعل إلى ممارسة سياسية مستمرة.
السادات.. حين تتغير أسباب الخروج
مع وصول أنور السادات إلى الحكم عام ١٩٧٠، تغيرت طبيعة الحياة السياسية والاقتصادية، وتغيرت معها دوافع الاحتجاج.
في بداية السبعينيات ظهر الطلاب في الشارع مطالبين بالحسم في قضية الحرب وتحرير الأراضي المحتلة، في ظل ما عُرف وقتها بـ«لا حرب ولا سلم». وأصبحت الجامعات من أهم مساحات التعبير السياسي، قبل أن تتصاعد المواجهة بين الدولة والحركة الطلابية. وتُظهر الدراسات الخاصة بالحركة الطلابية المصرية أن هذه المرحلة كانت جزءًا من عودة أوسع للاحتجاج السياسي قبيل حرب أكتوبر.
ثم جاءت حرب أكتوبر ١٩٧٣، وبعدها دخلت مصر مرحلة مختلفة اقتصاديًا وسياسيًا مع سياسات «الانفتاح» الاقتصادي.
لكن أكبر اختبار لعلاقة المصريين بالسياسة والشارع في عهد السادات جاء في يناير ١٩٧٧. فحين أعلنت الحكومة إجراءات أدت إلى رفع أسعار عدد من السلع الأساسية، اندلعت احتجاجات واسعة في القاهرة وعدد من المدن.
لم تكن هذه المرة مظاهرات تطالب بحرب أو تتعلق بشخص الرئيس، بل كان المحرك اقتصاديًا واجتماعيًا بصورة أساسية: كان المواطن يحتج على ما يمس حياته اليومية مباشرة. وتراجعت الحكومة عن الإجراءات بعد اندلاع الاحتجاجات.
وهنا نرى نمطًا سيتكرر في محطات عديدة من التاريخ المصري الحديث: حين تصل الأزمة إلى الخبز والأسعار والدخل، يصبح المواطن أكثر استعدادًا للنزول إلى الشارع.
لكن هل يعني ذلك أنه أصبح يمارس السياسة؟
ليس بالضرورة؛ فالاحتجاج على الأسعار فعل سياسي، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى مشروع سياسي أو مشاركة مستمرة.
وفي السنوات الأخيرة من حكم السادات، أخذ الصراع منحى أكثر سياسية، مع صعود المعارضة الإسلامية في الجامعات، موازاة مع تصاعد المعارضة لسياساته الداخلية والخارجية، خصوصًا بعد اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل، بينما ضاق هامش المعارضة بصورة متزايدة من اتجاهات مختلفة.
وفي سبتمبر ١٩٨١ شن السادات حملة اعتقالات واسعة شملت أكثر من ألف وخمسمائة من المعارضين، وفق أرقام رسمية وردت في دراسة لكونغرس الولايات المتحدة، وشملت شخصيات سياسية وصحفيين ورجال دين وقيادات من اتجاهات مختلفة.
وبذلك انتهى عهد السادات بمشهد مختلف تمامًا عن بدايته: الدولة تضيق بالمعارضة، والمعارضة تضيق بمساحة الحركة، والشارع لم يعد مجرد مساحة للاحتجاج الاجتماعي، بل أصبح جزءًا من صراع سياسي متصاعد.
مبارك.. الاحتجاج يعود بالتدريج
عندما وصل حسني مبارك إلى الحكم بعد اغتيال السادات عام ١٩٨١، لم يشهد الشارع المصري ثورة شعبية شاملة ضده في السنوات الأولى. وقد ارتبط ذلك جزئيًا باستمرار العمل بقانون الطوارئ الذي فرضته الدولة منذ اغتيال السادات، وهو ما وسّع صلاحيات الأمن وضيّق هامش التنظيم السياسي المستقل لعقود.
لكن هذا لا يعني أن المصريين توقفوا عن الاحتجاج.
فقد شهدت هذه الفترة احتجاجات قطاعية واجتماعية وسياسية متفرقة، من بينها تمرد جنود الأمن المركزي عام ١٩٨٦، وهو تمرد داخل جهاز أمني بسبب أوضاع الخدمة، وليس احتجاجًا شعبيًا بالمعنى الذي نتحدث عنه هنا، لكنه يكشف أن الهدوء الظاهر في الشارع لم يكن يعني غياب التوتر داخل المجتمع والدولة.
وخلال التسعينيات، ترافقت سياسات التكيف الهيكلي الاقتصادي مع مواجهة أمنية واسعة مع الجماعات الإسلامية المسلحة، وهو ما زاد من تبرير الدولة لاستمرار قانون الطوارئ وتضييق المجال العام أكثر.
وفي بداية الألفية الجديدة بدأت الصورة تتغير: خرج المصريون في مظاهرات تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية عام ٢٠٠٠، ثم احتجاجًا على غزو العراق عام ٢٠٠٣، وبدأت أجيال جديدة تختبر حدود الممكن في الشارع.
ثم جاءت حركة كفاية عام ٢٠٠٤.
لم تكن حركة جماهيرية ضخمة، لكنها نقلت الاحتجاج من المطالب الاجتماعية المحدودة إلى مواجهة سياسية مباشرة مع استمرار حكم مبارك واحتمال توريث السلطة لنجله. خرجت كفاية بشعار واضح: «لا للتمديد.. لا للتوريث»، ونظمت احتجاجات في القاهرة ومدن أخرى، وكسرت أحد المحظورات السياسية: انتقاد رئيس الجمهورية مباشرة في الشارع.
لكن تجربة كفاية كشفت أيضًا حدود الاحتجاج السياسي عندما يظل محصورًا في دوائر محدودة. فقد استطاعت الحركة أن تفتح مساحة جديدة للاعتراض، لكنها واجهت صعوبة في الحفاظ على تحالف واسع، وظلت إلى حد كبير محصورة في دوائر من النشطاء والمثقفين، قبل أن يتراجع تأثيرها.
ثم جاء إضراب عمال المحلة عام ٢٠٠٨، ومعه موجة واسعة من الاحتجاجات العمالية.
وهنا بدأت المطالب الاقتصادية والسياسية تقترب من بعضها. لم يعد العامل يطالب فقط بالأجر، بل بدأت في بعض الاحتجاجات مطالب اقتصادية تتقاطع مع مطالب تتعلق بالفساد والعدالة وأداء الدولة، وإن ظلت المطالب السياسية الصريحة محدودة مقارنة بالمطالب العمالية والاجتماعية.
وتشير دراسات عن الحركة العمالية إلى أن موجة الإضرابات بين ٢٠٠٤ و٢٠١٠ كانت غير مسبوقة منذ عقود، وأن الاحتجاجات بدأت تربط أحيانًا بين الحقوق الاقتصادية والمطالب السياسية.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح جيلًا جديدًا وسيلة مختلفة للتعبير والتنظيم.
ظهرت صفحة «كلنا خالد سعيد» بعد مقتل خالد سعيد، وبرزت حركة شباب ٦ أبريل، التي كانت قد نشأت أصلًا في سياق دعم إضراب عمال المحلة عام ٢٠٠٨. وأصبحت هذه الشبكات جزءًا من البيئة التي ساعدت على تنظيم احتجاجات ٢٥ يناير ٢٠١١.
وبذلك، عندما وصلنا إلى يناير ٢٠١١، لم يكن المصريون ينزلون إلى الشارع من فراغ.
كانت هناك سنوات طويلة من الاحتجاجات الصغيرة والكبيرة، والإضرابات، والحركات السياسية، وكسر تدريجي لحاجز الخوف، وتجارب في التنظيم عبر الإنترنت، ومطالب اقتصادية وسياسية تراكمت فوق بعضها.
هل كان المصريون لا يمارسون السياسة؟
ربما تكون الإجابة أكثر تعقيدًا من نعم أو لا.
فالمصري مارس السياسة أحيانًا، واحتج أحيانًا، وانتخب أحيانًا، وانضم إلى حركات وأحزاب ونقابات، وخرج إلى الشارع دفاعًا عن مطلب أو قضية.
لكن المشكلة أن هذه الممارسة لم تكن دائمًا مستقرة أو متصلة.
ففي فترات طويلة كانت مساحة السياسة المستقلة ضيقة، وكانت الدولة هي اللاعب الأقوى في المجال العام، بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة عبر العهود الثلاثة، بينما كان المواطن ينتقل بين الصمت والاحتجاج، بدل أن يجد مساحة دائمة يمارس فيها الاختلاف والتنظيم والمشاركة.
وهكذا قد لا يكون السؤال الصحيح: لماذا لا يثور المصريون؟
فالتاريخ أثبت أنهم يثورون.
وربما يكون السؤال الأصعب:
لماذا لا تتحول خبرات الاحتجاج المتكررة إلى ممارسة سياسية مستمرة؟
ربما تكون الإجابة في الجزء القادم، عندما ننظر إلى ما حدث بعد أن خرج المصريون بالفعل في ٢٠١١، وما الذي أنتجته تلك اللحظة من تغيير، وما الذي جعلها تنتهي إلى نتائج مختلفة تمامًا عما أراده الذين خرجوا إلى الشوارع.
#علا_مجد_الدين_عبد_النور (هاشتاغ)
Ola_Magdeldeen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟