أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدي حاتم - ما الحب؟ إنه الحب!














المزيد.....

ما الحب؟ إنه الحب!


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 08:41
المحور: الادب والفن
    


أيها السائل في هذا المساء الذي يشبه ضميرًا مستيقظًا، لا تطلب من الحب تعريفًا، لأنه إذا عُرِّف مات. الحب حادثٌ يقع في الروح كما يقع المطر على أرض عطشى: لا يسأل الأرض عن اسمها، ولا عن جنس تربتها، لكنه يترك فيها نباتًا لا يشبه غيره.
الحب ليس شيئًا واحدًا. هو أن ترى في الآخر وطنًا لا جدارًا. أن يكتشف قلبك أنه يتسع لمن لا يشبهك، وأنك تصير أغنى حين تعطي لا حين تأخذ. هو رحمة تشتعل، لا شفقة باردة. أن تنحني على جرح غيرك فلا تشمئز من الدم، بل تلمس النبض تحت الجرح. أن تعرف أن الإنسان الذي أمامك، مهما قسا فعله، يحمل طفلًا يبكي في قبوٍ لا يراه أحد. الحب أن تسمع ذلك البكاء وتقول: «أنا معك، لا لأنك تستحق، بل لأنك إنسان».
لكن الحب أيضًا جنونٌ له هندسة، وعبثٌ له قانون. أن تضحك وفي صدرك معركة، وتصمت وفي عينيك قصيدة. أن تكون ضعيفًا أمام دمعة، قويًّا أمام العالم. أن ترى عيوب الحبيب لا لأنك أعمى، بل لأنك ترى الكل ثم تختار الكل. الحب لا ينكر العيوب، بل يضمها إلى الجمال، كما تضم اليد المتعبة أصابعها فلا تسأل أيها أخطأ.
والحب ليس نزهة في حديقة. إنه نزول إلى جحيم الآخر. أن ترى فيه الوحش والقديس، الخائن والطفل، ثم لا تهرب. أن تكتشف أنك أنت أيضًا تحمل الوحش والقديس، وأنك لا تحب لتخلّص أحدًا، بل لتخلّصا معًا. الحب الحقيقي لا يملك. من يحب ليملك فقد باع نفسه في سوق رخيصة. ومن يحب ليحرّر فقد اشترى السماء بقطرة عرق.
أما الجنس، فلا تخلطه بالحب خلطًا أعمى. الجنس لغة الجسد، وهو لغة شريفة إذا رافقه وعي ورضا وحرية. قد يكون صلاة إذا كان الجسدان يصغيان لروحين، وقد يكون سرقة إذا خلا من الاحترام. الحب قد يسكن الجسد فيصير الجنس قصيدة، وقد يبقى الحب بعيدًا عن الجسد فيصير نجمة. لا تقل إن الحب عدو الجنس، ولا تقل إن الجنس هو الحب. الجسد بيتٌ، والروح ساكنه. وقد يصمت الوتر، ويبقى في الصدر نشيده.
الحب ليس طيفًا يزور القلب ثم يودّعه عند الفجر. هو عهدٌ صامت يتجدّد مع كل نبضة، وقرارٌ يولد كل صباح من رحم الحرية. هو أن تبقى حين يسهل الرحيل. أن تصغي حين يعلو الضجيج. أن تغفر لا لأن النسيان أسهل، بل لأنك ترفض أن يكون الجرح سيّدك. الحب أن ترى الآخر لا كما تشتهيه، بل كما هو: بجرحه وخوفه وطفولته، ثم لا تطلب منه أن يصير نسخة منك، بل تحرسه ليكون أكثر صدقًا مع نفسه. ليس الحب أن تذوب في أحد، بل أن تكتشف أنك أكبر حين تقف إلى جانبه، لا خلفه ولا أمامه. أن تقول له: أنت حرّ، وأنا هنا. فإن رحل، تبقى محبتك ذكرى لا قيدًا. وإن بقي، يصير البقاء صلاةً، لا عادةً.
الحب لا يخاف الحرية. من يحبك ويطلب منك أن تتقلص حتى تدخل في عينه، فهو لا يحبك، بل يحب مرآته. أمّا الحب، فهو أن تفتح للآخر أبواب السماء وتقول: اختر. فإن عاد، فهو لك. وإن رحل، فقد كان لك لحظة، وأنت له ذاكرة. الحب صبر طويل، لكنه ليس صبر الحجر. هو صبر النهر يغيّر الصخر ولا يفقد ماءه. الحب غيرة؟ نعم، لكنها غيرة خفيفة كظل، لا سكين. تغار لأنك تخاف أن تفقد، لا لأنك تملك. ثم تتعلم أن الثقة أجمل من القيد.
وهناك حبٌّ لا يقول شيئًا. يجلس على مقعد بعيد، يراك تنجح فيصمت، ويراك تتعثر فيقترب. لا يطلب اعترافًا، ولا ينتظر مكافأة. حبٌّ يصلي دون أن يعرف أنه يصلي.
وهناك حبٌّ يجرح. ليس لأن الحب قاسٍ، بل لأن بعض القلوب لا تعرف كيف تحب إلا بالخنجر. فتعلّم أن تفرّق بين من جرحك لأنه لا يحبك، ومن جرحك لأنه لا يعرف كيف يحبك. الأول يُترك، والثاني يُعلَّم. لكن لا تنتظر طويلًا؛ فالحب لا يُعلَّم بالكلام، بل بالجرح الذي يشفّي.
ما الحب إذن؟
هو الله يهمس في أذن اثنين: كونا قريبين، لا لتذوبا، بل لتتعلما كيف تصيران أكثر.
هو أن يصير الصمت كلامًا، والانتظار حضورًا، والجرح بابًا.
هو أن تعرف أنك لن تفهمه تمامًا، ومع ذلك تختاره.
هو أن تكتشف أنك لا تحب لأنك وجدت كمالًا، بل لأنك قررت أن ترى الكمال في النقص.
الحب ليس ما تقوله، بل ما تفعله عندما لا يراك أحد.
إنه نفحةُ الروح، وعهدُ الضمير، ويدُ الجسد إذا شاءت أن تصلي.
إنه الحب.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفج ...
- مُشرّح الخراب الإنساني: لِمَ فؤاد التكرلي هو المعيار الأقوى ...
- في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية
- غياب الأمان وظلال الفقد
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...


المزيد.....




- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...
- نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط ...
- روسيا.. مسابقة -صور العالم- تجمع الفنانين الشباب من مختلف ال ...
- حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدي حاتم - ما الحب؟ إنه الحب!