|
|
الكبريت | عنصر النار والبركان والحضارة - من كبريتات الكتاب المقدس إلى حمض الكبريتيك ملك الكيماويات
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:14
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
عنصر الكبريت | عنصر النار والبركان والحضارة - من كبريتات الكتاب المقدس إلى حمض الكبريتيك ملك الكيماويات
يأتي الكبريت، الذي يحمل الرمز S والعدد الذري 16، سادس عشر العناصر في الجدول الدوري، وهو عنصر لا فلزي يقع في المجموعة السادسة عشرة (مجموعة الأكسجين) من الدورة الثالثة، أسفل الأكسجين مباشرة. يتميز الكبريت بكونه واحداً من أقدم العناصر التي عرفها الإنسان، وهو العنصر الوحيد من بين اللافلزات الذي يمكن العثور عليه في الطبيعة بشكله الحر أحياناً، بسبب خموله النسبي في الظروف العادية وعدم تفاعله السريع مع الأكسجين الجوي كما تفعل الفلزات القلوية والقلوية الترابية. الكتلة الذرية للكبريت هي 32.065 غراماً لكل مول، وهو في الظروف القياسية مادة صلبة بلورية صفراء زاهية اللون، عديمة الطعم والرائحة (رغم أن الشوائب ومركباته الكبريتية هي المسؤولة عن الرائحة الكريهة المرتبطة عادة باسمه). كثافة الكبريت المعيني تبلغ 2.07 غرام لكل سنتيمتر مكعب، بينما يبلغ كثافة الكبريت المائل 1.96 غرام لكل سنتيمتر مكعب. نقطة انصهار الكبريت المعيني هي 115.21 درجة مئوية، ونقطة غليانه 444.6 درجة مئوية، وهو بذلك ينصهر عند درجة حرارة يمكن تحقيقها بسهولة في المختبر باستخدام حمام زيتي بسيط، مما يجعله عنصراً مفضلاً في التجارب التعليمية. الكبريت هو العنصر العاشر من حيث الوفرة في الكون، والخامس عشر في القشرة الأرضية حيث يشكل حوالي 0.035% من كتلتها. لكن أهميته لا تكمن في وفرته النسبية، بل في دوره الاستثنائي في الكيمياء والصناعة والحياة، فهو العنصر الذي يقوم عليه حمض الكبريتيك، أكثر المواد الكيميائية إنتاجاً في العالم، وهو العنصر الذي يدخل في تركيب الأحماض الأمينية الأساسية للحياة، وهو العنصر الذي مكن البشرية من صنع البارود والمطاط المقوى والمبيدات والأسمدة، وهو أيضاً العنصر الذي يسبب الأمطار الحمضية وتآكل المباني وتلوث الهواء. الكبريت هو عنصر التناقضات: رائحته الكريهة في مركباته، ولونه الجميل في بلوراته، ودوره الحيوي في أجسامنا، ودوره التدميري في البيئة، وقيمته الهائلة في الصناعة.
قصة اكتشاف الكبريت ووجوده في التاريخ البشري هي من أطول القصص وأكثرها إثارة، لأنه لم يكن عنصراً اكتشفه الكيميائيون في المختبرات، بل عرفه الإنسان منذ فجر الحضارة، واستخدمه في أبسط صوره. ورد ذكر الكبريت في الكتاب المقدس مرات عديدة، حيث يشير إلى "الكبريت والنار" في قصة سدوم وعمورة، وهو رمز للعقاب الإلهي والدمار. عرف المصريون القدماء الكبريت واستخدموه في تطهير المعابد وتبييض الأقمشة، وذكر اليونانيون القدماء الكبريت في كتابات هوميروس وهيرودوت، حيث استخدم في تطهير المنازل بعد الأمراض، وفي تعقيم النبيذ، وفي صناعة الأدوية. كما استخدم الكبريت في الصين القديمة منذ القرن السادس قبل الميلاد في صناعة البارود الأسود، وهو خليط من نترات البوتاسيوم والكبريت والفحم، الذي أحدث ثورة في فنون الحرب. استخدم الرومان الكبريت في صناعة الأدوية وفي تبييض الصوف، وذكره الكاتب الروماني بليني الأكبر في موسوعته "التاريخ الطبيعي" وصفاً تفصيلياً لاستخداماته. في العصور الوسطى، استخدم الخيميائيون الكبريت في تجاربهم، حيث اعتبروه أحد المبادئ الأساسية الثلاثة (الكبريت والزئبق والملح) التي تتكون منها جميع المعادن، وفقاً لنظرية الزئبق-الكبريت التي وضعها جابر بن حيان وطورها الخيميائيون اللاحقون. في هذا الإطار النظري، كان الكبريت يمثل مبدأ القابلية للاحتراق والتصلب، بينما كان الزئبق يمثل مبدأ السيولة والتطاير. في عام 1777، أدرج أنطوان لافوازييه الكبريت في قائمته للعناصر الكيميائية، وأثبت أنه ليس مركباً بل عنصراً بسيطاً، وذلك بعد أن أظهر أن احتراق الكبريت ينتج حمضاً (حمض الكبريتيك) دون أن يفقد وزناً، مما دحض نظرية الفلوجستون. في عام 1809، أثبت الكيميائي الفرنسي جوزيف غي-لوساك أن الكبريت عنصر وليس مركباً، وأجرى تجارب دقيقة على تفاعلاته. في عام 1823، اكتشف مايكل فاراداي المتآصلات المختلفة للكبريت ودرس خواصها. وهكذا، تحول الكبريت من مادة غامضة في أيدي الخيميائيين إلى عنصر محدد في أيدي الكيميائيين الحديثين، لكن استخداماته الصناعية الكبرى لم تبدأ إلا في القرن التاسع عشر، مع اكتشاف رواسب الكبريت الضخمة في صقلية ولويزيانا وتكساس، وتطوير عملية فراش لاستخراج الكبريت من تحت الأرض، ثم مع تطور صناعة حمض الكبريتيك التي أصبحت العمود الفقري للثورة الصناعية.
أما من ناحية الوفرة الطبيعية والتوزيع، فالكبريت هو العنصر العاشر من حيث الوفرة في الكون، والخامس عشر في القشرة الأرضية. يوجد الكبريت في الطبيعة في عدة أشكال: أولاً، الكبريت الحر (العنصري)، الذي يوجد في رواسب بركانية وفي قباب ملحية في تكساس ولويزيانا وفي صقلية وبولندا وروسيا واليابان والمكسيك. ثانياً، الكبريتيدات، وهي مركبات الكبريت مع الفلزات، وأهمها البيريت (FeS₂، كبريتيد الحديد، المعروف باسم "ذهب المغفلين" لأن لونه الذهبي يخدع المنقبين)، والغالينا (PbS، كبريتيد الرصاص)، والسفاليريت (ZnS، كبريتيد الزنك)، والكالوبيريت (CuFeS₂، كبريتيد النحاس والحديد)، والسينابار (HgS، كبريتيد الزئبق، وهو الخام الرئيسي للزئبق)، والريالغار (As₄S₄، كبريتيد الزرنيخ الأحمر)، والأوربيمنت (As₂S₃، كبريتيد الزرنيخ الأصفر)، والموليبدينيت (MoS₂، كبريتيد الموليبدينوم). ثالثاً، الكبريتات، وهي مركبات الكبريت مع الأكسجين والفلزات، وأهمها الجبس (CaSO₄·2H₂O، كبريتات الكالسيوم المائية)، والأنهيدريت (CaSO₄، كبريتات الكالسيوم اللامائية)، والباريت (BaSO₄، كبريتات الباريوم)، والملح الإنجليزي (MgSO₄·7H₂O، كبريتات المغنيسيوم المائية). رابعاً، الكبريت العضوي، الموجود في الفحم والنفط والغاز الطبيعي، وفي الكائنات الحية (البروتينات، الأحماض الأمينية). خامساً، كبريتيد الهيدروجين (H₂S)، وهو غاز سام ذو رائحة البيض الفاسد، يوجد في الغاز الطبيعي وفي البراكين وفي الينابيع الحارة. سادساً، ثاني أكسيد الكبريت (SO₂)، الذي ينبعث من البراكين ومن احتراق الوقود الأحفوري. تدخل ذرات الكبريت في تركيب أكثر من 150 معدناً مختلفاً، لكن أهمها اقتصادياً هو البيريت والجبس والباريت والغالينا والسفاليريت. الكبريت موجود أيضاً في مياه البحر على شكل كبريتات (SO₄²⁻) بتركيز يبلغ حوالي 2.7 غرام لكل لتر، وهو ثالث أكثر الأيونات وفرة في مياه البحر بعد الصوديوم والكلوريد. في الكون، يتكون الكبريت في قلوب النجوم الضخمة من خلال عملية احتراق الأكسجين، حيث تندمج نوى الأكسجين والسيليكون لتشكل الكبريت والأرجون والكالسيوم في المراحل المتأخرة من عمر النجم. المستعرات الأعظمية تقذف الكبريت إلى الفضاء بين النجمي، حيث يندمج في السحب التي تشكل أنظمة شمسية جديدة. الكبريت هو العنصر العاشر الأكثر وفرة في جسم الإنسان (حوالي 0.25% من الوزن)، حيث يوجد في الأحماض الأمينية (السيستين والميثيونين)، وفي فيتامينات B1 (الثيامين) و B7 (البيوتين)، وفي الكيراتين (الشعر والأظافر)، وفي الإنسولين، وفي مضادات الأكسدة (الجلوتاثيون).
بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للكبريت، نجد عنصراً لا فلزياً يتمتع بتعدد متآصلات مذهل. ترتيبه الإلكتروني هو [Ne] 3s² 3p⁴، أي أن لديه ستة إلكترونات تكافؤ في الغلاف الثالث بعد غلاف النيون المغلق. طاقة التأين الأولى للكبريت هي 999.6 كيلوجول لكل مول، والثانية 2251 كيلوجول لكل مول، والثالثة 3357 كيلوجول لكل مول، والرابعة 4556 كيلوجول لكل مول. السالبية الكهربية للكبريت على مقياس بولنغ هي 2.58، وهي أعلى من الفسفور (2.19) وأقل من الكلور (3.16). نصف القطر الذري للكبريت هو 104 بيكومتر، ونصف القطر التساهمي 105 بيكومتر، ونصف قطر فان دير فالس 180 بيكومتر. الكبريت في جميع متآصلاته الصلبة هو عازل كهربائي، لكنه يصبح موصلاً عند تعرضه للضوء (تأثير ضوئي). الموصلية الحرارية للكبريت منخفضة (0.205 واط لكل متر لكل كلفن)، مما يجعله عازلاً حرارياً جيداً. الكبريت قابل للسحق بسهولة، وهو هش، ولا يمكن سحبه إلى أسلاك كما يمكن للفلزات. الكبريت له لون أصفر زاهي في شكله المعيني (الأكثر استقراراً في درجة حرارة الغرفة)، ويتحول إلى اللون الأصفر الباهت في شكله المائل (المستقر فوق 95.6 درجة مئوية). الكبريت غير قابل للذوبان في الماء (0.2 ملليغرام لكل لتر فقط)، ولكنه قابل للذوبان في ثاني كبريتيد الكربون (CS₂) وفي البنزين والتولوين وفي بعض المذيبات العضوية الأخرى، وهو ما يستخدم في تنقيته.
التآصل (Allotropy) هو السمة الأكثر إثارة في الكبريت، فهو يمتلك عدداً من المتآصلات أكثر من أي عنصر آخر تقريباً. المتآصلات الرئيسية هي الكبريت المعيني (Rhombic أو αsulfur)، وهو الأكثر استقراراً في درجة حرارة الغرفة، ويتبلور في نظام معيني قائم (orthorhombic) بلون أصفر ليموني، ويتكون من جزيئات S₈ الحلقية. الكبريت المائل (Monoclinic أو βsulfur)، وهو المستقر فوق 95.6 درجة مئوية وتحت 115.21 درجة مئوية، ويتبلور في نظام أحادي الميل (monoclinic) بلون أصفر شاحب، ويتكون أيضاً من جزيئات S₈ لكن بترتيب بلوري مختلف. الكبريت اللدائن (Plastic sulfur)، وهو شكل غير متبلور ينتج عن صب الكبريت المنصهر في الماء البارد، وهو مطاطي القوام، ويتكون من سلاسل طويلة من ذرات الكبريت (Sₙ حيث n يصل إلى ملايين). الكبريت الرومبي (γsulfur) و δsulfur وهما شكلان نادران يظهران تحت ظروف خاصة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للكبريت أن يشكل جزيئات حلقية مختلفة الحجم: S₆ (حلقة سداسية)، S₇ (حلقة سباعية)، S₈ (حلقة ثمانية، وهو الأكثر شيوعاً واستقراراً)، S₉، S₁₀، S₁₂، S₁₈، S₂₀. الجزيء S₈ له بنية "التاج" (crown) حيث ترتبط ثماني ذرات كبريت في حلقة متموجة، وكل ذرة كبريت ترتبط بذرتين متجاورتين بروابط أحادية، والزوايا بين الروابط حوالي 108 درجات، وطول الرابطة S–S حوالي 205 بيكومتر. هذه البنية التاجية هي المسؤولة عن الخواص الفيزيائية للكبريت المعيني والمائل.
من الخواص الفيزيائية الفريدة للكبريت أن لزوجته تتغير بشكل غير عادي عند تسخينه. عند درجة حرارة 159 درجة مئوية، وهي ما تسمى "درجة حرارة لامدا" للكبريت، تزداد لزوجته بشكل مفاجئ وحاد، حيث يتحول السائل الأصفر الرقيق إلى سائل بني داكن لزج للغاية، لدرجة أنه لا يمكن صبه. السبب في ذلك هو أن جزيئات S₈ الحلقية تبدأ في الانفتاح وتشكيل سلاسل طويلة (بوليمرات) من ذرات الكبريت، وهذه السلاسل تتشابك مع بعضها البعض فترفع اللزوجة بشكل كبير. عند درجة حرارة أعلى من 200 درجة مئوية، تبدأ السلاسل في التفكك إلى شظايا أصغر، فتنخفض اللزوجة مرة أخرى. هذه الظاهرة الفريدة تجعل الكبريت المنصهر مادة غريبة السلوك، وتستخدم في بعض التطبيقات العملية مثل صب الكبريت في القوالب. الكبريت لا يذوب في الماء ولكنه يذوب في ثاني كبريتيد الكربون CS₂، وهو سائل سام قابل للاشتعال. الكبريت له نقطة انصهار منخفضة (115.21 درجة مئوية) ونقطة غليان معتدلة (444.6 درجة مئوية)، مما يسهل تنقيته بالتقطير.
الخواص الكيميائية للكبريت تجعله عنصراً نشطاً في درجات الحرارة المرتفعة، ولكنه خامل نسبياً في درجة حرارة الغرفة. يتفاعل الكبريت مع الأكسجين عند اشتعاله بلهب أزرق باهت، ليشكل ثاني أكسيد الكبريت SO₂: S + O₂ → SO₂. هذا التفاعل طارد للحرارة (ΔH = -296.8 كيلوجول لكل مول)، وينتج غازاً ساماً ذا رائحة نفاذة خانقة، وهو المسؤول عن رائحة أعواد الثقاب المحترقة وعن تلوث الهواء في المناطق البركانية والصناعية. في وجود محفز (مثل أكسيد الفاناديوم V₂O₅) ودرجات حرارة معتدلة (400-450 درجة مئوية)، يتأكسد SO₂ إلى ثالث أكسيد الكبريت SO₃، الذي يتفاعل مع الماء ليشكل حمض الكبريتيك H₂SO₄، وهو التفاعل الأساسي في عملية التلامس لإنتاج حمض الكبريتيك. يتفاعل الكبريت مع الهيدروجين عند التسخين (200-300 درجة مئوية) ليشكل كبريتيد الهيدروجين H₂S: S + H₂ → H₂S، وهو غاز سام ذو رائحة البيض الفاسد، يوجد في الغاز الطبيعي وفي البراكين وفي الجهاز الهضمي للإنسان. يتفاعل الكبريت مع معظم الفلزات عند التسخين ليشكل كبريتيدات: Fe + S → FeS (كبريتيد الحديد الأسود)، 2Cu + S → Cu₂S (كبريتيد النحاس)، Zn + S → ZnS (كبريتيد الزنك، الذي يتوهج في الظلام بعد تعرضه للضوء، وهو أساس الدهانات الفسفورية). مع الفلزات القلوية، يتفاعل الكبريت بعنف، وأحياناً مع انفجار، ليشكل كبريتيدات أيونية: 2Na + S → Na₂S. يتفاعل الكبريت مع الهالوجينات (الفلور، الكلور، البروم، اليود) لتشكيل هاليدات الكبريت: S + 3F₂ → SF₆ (سداسي فلوريد الكبريت)، S + 2Cl₂ → SCl₄ (رباعي كلوريد الكبريت)، S + Br₂ → SBr₂ (ثنائي بروميد الكبريت). سداسي فلوريد الكبريت SF₆ هو غاز خامل تماماً، كثيف، عازل كهربائي ممتاز، يستخدم في المحولات الكهربائية عالية الجهد، لكنه غاز دفيء قوي جداً. يتفاعل الكبريت مع الكربون عند درجات حرارة عالية (أكثر من 800 درجة مئوية) ليشكل ثنائي كبريتيد الكربون CS₂، وهو سائل سام قابل للاشتعال يستخدم كمذيب للكبريت والفوسفور والدهون والمطاط. يتفاعل الكبريت مع الفوسفور عند التسخين ليشكل كبريتيدات الفوسفور (P₄S₃، P₄S₁₀)، التي تستخدم في صناعة أعواد الثقاب والمبيدات. الكبريت لا يتفاعل مع الماء ولا مع الأحماض غير المؤكسدة، لكنه يتفاعل مع حمض النتريك المركز وحمض الكبريتيك الساخن (المؤكسدين) ليشكل حمض الكبريتيك وثاني أكسيد الكبريت. الكبريت يذوب في محلول كبريتيد الصوديوم أو كبريتيد الأمونيوم ليشكل متعدد الكبريتيدات (Na₂Sₙ)، وهي محاليل ملونة (أصفر، برتقالي، أحمر) تستخدم في الكيمياء التحليلية وفي دباغة الجلود.
من ناحية النظائر، الكبريت الطبيعي يتكون من أربعة نظائر مستقرة: كبريت-32 (³²S) بنسبة 94.99%، كبريت-33 (³³S) بنسبة 0.75%، كبريت-34 (³⁴S) بنسبة 4.25%، وكبريت-36 (³⁶S) بنسبة 0.01%. هذه النسب ليست ثابتة تماماً في الطبيعة، حيث توجد اختلافات طبيعية في نسبة النظائر الثقيلة إلى الخفيفة بسبب العمليات البيولوجية والجيولوجية، وتستخدم هذه الاختلافات في علم النظائر المستقرة لتتبع مصادر الكبريت في البيئة والجيولوجيا والآثار. مثلاً، يمكن التمييز بين الكبريت من المصادر البركانية (قيمة δ³⁴S قريبة من الصفر) والكبريت من البكتيريا المختزلة للكبريتات (قيمة δ³⁴S سلبية كبيرة) والكبريت من الوقود الأحفوري (قيمة δ³⁴S متغيرة). النظير ³⁴S له استخدامات في أبحاث التمثيل الغذائي وفي تحديد أصل العينات الأثرية. النظائر المشعة للكبريت تشمل كبريت-35 (³⁵S) الذي عمر نصف 87.37 يوماً، ويتحلل بإصدار إلكترون بيتا (β⁻)، ويستخدم كمتتبع إشعاعي في الكيمياء الحيوية والطب (لدراسة استقلاب الأحماض الأمينية المحتوية على الكبريت، ودراسة البروتينات، وقياس حجم البلازما في الجسم). كبريت-38 (³⁸S) له عمر نصف 170.3 دقيقة، ويستخدم في الأبحاث النووية. كبريت-37 (³⁷S) عمر نصف 5.05 دقائق. جميع هذه النظائر قصيرة العمر نسبياً وتنتج في المفاعلات النووية أو المسرعات.
طرق تحضير الكبريت واستخلاصه تطورت بشكل كبير عبر التاريخ. في العصور القديمة، كان الكبريت يستخرج من الرواسب البركانية بالطرق اليدوية. في القرن التاسع عشر، كانت صقلية المصدر الرئيسي لكبريت العالم، حيث كان يستخرج من المناجم الجوفية بطريقة "كالكوني" (Calcaroni)، وهي طريقة بدائية تعتمد على حرق طبقات من خام الكبريت، حيث ينصهر الكبريت ويتجمع في قاع الفرن. في أوائل القرن العشرين، وتحديداً في عام 1894، اخترع الكيميائي الألماني-الأمريكي هيرمان فراش طريقة ثورية لاستخراج الكبريت من الرواسب تحت الأرض في لويزيانا وتكساس، وهي طريقة فراش (Frasch process). تعتمد هذه الطريقة على حفر بئر إلى طبقة الكبريت، ثم ضخ ثلاثة أنابيب متداخلة: الأنبوب الخارجي لضخ الماء الساخن (165 درجة مئوية) لإذابة الكبريت، والأنبوب الأوسط لضخ الهواء المضغوط لرفع الكبريت المنصهر إلى السطح، والأنبوب الداخلي لتصريف الكبريت المنصهر. الكبريت المنصهر يخرج إلى السطح بنقاوة تصل إلى 99.5%، ويصب في قوالب كبيرة ليتصلب على شكل كتل صفراء. سيطرت طريقة فراش على إنتاج الكبريت العالمي حتى سبعينيات القرن العشرين، عندما بدأ استخلاص الكبريت من الغاز الطبيعي والنفط كمادة ثانوية (عملية كلوس)، والتي أصبحت اليوم المصدر الرئيسي للكبريت (أكثر من 90% من الإنتاج العالمي). في عملية كلوس، يُستخلص كبريتيد الهيدروجين H₂S من الغاز الطبيعي والنفط (عملية إزالة الكبريت)، ثم يُحرق جزء منه في فرن إلى SO₂، ثم يمرر الخليط (H₂S + SO₂) على محفز من أكسيد الألومنيوم عند 200-300 درجة مئوية ليتفاعل وفق معادلة كلوس: 2H₂S + SO₂ → 3S + 2H₂O. الكبريت الناتج يكون في حالة سائلة ويُجمع ويُخزن على شكل كتل صفراء. بهذه الطريقة، تنتج مصافي النفط ومصانع الغاز الطبيعي كميات هائلة من الكبريت، لدرجة أن بعض الدول أصبحت تعاني من فائض في الكبريت، وتستخدمه في بناء "كتل الكبريت" العملاقة المخزنة في الهواء الطلق (مثل الجبال الصفراء في ألبرتا بكندا). الإنتاج العالمي من الكبريت يبلغ حوالي 80 مليون طن سنوياً، وتستحوذ الصين على حوالي 17% من الإنتاج، تليها الولايات المتحدة وروسيا وكندا والسعودية والإمارات واليابان.
الدور البيولوجي للكبريت هو من أهم الأدوار الحيوية في جسم الإنسان والكائنات الحية. الكبريت هو عنصر أساسي لجميع أشكال الحياة، وهو يدخل في تركيب الأحماض الأمينية المحتوية على الكبريت: السيستين (Cysteine) والميثيونين (Methionine). هذان الحمضان الأمينيان يدخلان في تركيب البروتينات، ويلعبان أدواراً محورية في بنية البروتينات ووظائفها. السيستين يحتوي على مجموعة ثيول (-SH) التي يمكن أن تتأكسد لتشكل جسر ثنائي الكبريت (-S-S-) بين سلسلتين بروتينيتين، وهذا الجسر هو المسؤول عن تثبيت البنية الثلاثية للعديد من البروتينات، بما فيها الإنسولين والكيراتين (في الشعر والأظافر) والكولاجين. الميثيونين هو حمض أميني أساسي (لا يصنعه الجسم) ويجب الحصول عليه من الغذاء، وهو مهم لنمو الخلايا وتركيب البروتينات، وهو مقدمة لتخليق السيستين والكارنيتين والتورين والجلوتاثيون. الكبريت يدخل أيضاً في تركيب فيتامين B1 (الثيامين) وفيتامين B7 (البيوتين)، وهما ضروريان لاستقلاب الكربوهيدرات والدهون. الكبريت يدخل في تركيب مضاد الأكسدة القوي الجلوتاثيون، الذي يحمي الخلايا من الإجهاد التأكسدي. الكبريت يدخل في تركيب الهيبارين (مضاد التخثر) والبيوتين والكوليسترول والهرمونات الستيرويدية. يحتوي جسم الإنسان البالغ على حوالي 140 غراماً من الكبريت، معظمها في البروتينات (خاصة الكيراتين في الجلد والشعر والأظافر، والكولاجين في العظام والغضاريف). تتراوح الحاجة اليومية للكبريت بين 500-900 ملغ للبالغين، وتشمل المصادر الغذائية الغنية بالكبريت اللحوم والبيض والبقوليات والمكسرات والثوم والبصل والبروكلي والملفوف. نقص الكبريت نادر ولا توجد متلازمة نقص معترف بها رسمياً، لأن الجسم يحصل على حاجته من البروتينات الغذائية. لكن نقص السيستين والميثيونين يمكن أن يسبب ضعف النمو، تساقط الشعر، تشقق الأظافر، وضعف المناعة. في عالم النبات، الكبريت هو مغذٍ أساسي، حيث يدخل في تركيب الأحماض الأمينية والبروتينات والزيوت والخضاب، ويساهم في تكوين الجذور وفي مقاومة الأمراض. تمتص النباتات الكبريت من التربة على شكل كبريتات (SO₄²⁻)، وتستخدمه لتخليق السيستين والميثيونين. نقص الكبريت في النباتات يسبب اصفرار الأوراق (خاصة الأوراق الصغيرة)، وتقزم النبات، وانخفاض المحصول. بعض البكتيريا تستخدم الكبريت في عملية التنفس اللاهوائي، حيث تستخدم الكبريتات أو الكبريت العنصري كعامل مؤكسد نهائي بدلاً من الأكسجين، في عملية تسمى "التنفس اللاهوائي للكبريتات"، وهي عملية مهمة في دورة الكبريت في الطبيعة وفي معالجة مياه الصرف الصحي.
التطبيقات الصناعية للكبريت ومركباته هائلة ومتنوعة، وتشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي. التطبيق الأكبر والأهم للكبريت هو في إنتاج حمض الكبريتيك (H₂SO₄)، الذي يوصف بأنه "ملك المواد الكيميائية" لأن إنتاجه يستخدم كمؤشر على القوة الصناعية للدولة. يبلغ الإنتاج العالمي من حمض الكبريتيك حوالي 250 مليون طن سنوياً، مما يجعله أكثر المواد الكيميائية إنتاجاً في العالم. يستخدم حمض الكبريتيك في صناعة الأسمدة الفوسفاتية (حوالي 60% من الإنتاج)، حيث يعالج صخر الفوسفات بحمض الكبريتيك لإنتاج حمض الفوسفوريك (المعالجة الرطبة) والسوبر فوسفات. يستخدم حمض الكبريتيك في تكرير النفط (لتنقية المنتجات البترولية وإزالة الشوائب)، وفي استخلاص المعادن (مثل النحاس والزنك والنيكل من خاماتها)، وفي صناعة البطاريات (بطاريات الرصاص الحمضية)، وفي معالجة المياه، وفي الصناعات الكيميائية (إنتاج الأصباغ والأدوية والمتفجرات والمنظفات)، وفي صناعة الحديد والصلب (لإزالة الصدأ قبل الطلاء). التطبيق الثاني هو في إنتاج الأسمدة الكبريتية، مثل كبريتات الأمونيوم ((NH₄)₂SO₄) وكبريتات البوتاسيوم (K₂SO₄) وكبريتات المغنيسيوم (MgSO₄)، التي تمد النباتات بالكبريت والمغذيات الأخرى. التطبيق الثالث هو في صناعة المطاط، حيث يستخدم الكبريت في عملية الفلكنة (Vulcanization) التي اكتشفها تشارلز غوديير في عام 1839. في هذه العملية، يُضاف الكبريت إلى المطاط الخام (من شجرة المطاط) ويُسخن إلى حوالي 140-160 درجة مئوية، فتتشكل روابط عرضية (جسور ثنائي الكبريت) بين سلاسل البوليمر المطاطية، مما يحول المطاط من مادة لزجة ضعيفة تتأثر بالحرارة إلى مادة مرنة قوية مقاومة للحرارة والتآكل. الفلكنة هي أساس صناعة الإطارات (التي تستهلك حوالي 70% من إنتاج المطاط العالمي)، والخراطيم، والأحزمة، والأحذية المطاطية، والواقيات المطاطية. التطبيق الرابع هو في صناعة البارود والمتفجرات، حيث يستخدم الكبريت منذ قرون في البارود الأسود (خليط من نترات البوتاسيوم والكبريت والفحم بنسب 75:15:10). الكبريت هو المادة القابلة للاحتراق التي تسهل اشتعال البارود وتزيد من سرعة الاحتراق. يستخدم الكبريت أيضاً في صناعة بعض المتفجرات مثل البارود اللادخاني والمتفجرات النترية. التطبيق الخامس هو في المبيدات الحشرية والفطريات، حيث يستخدم الكبريت في صورة مسحوق أو محلول (مثل الجير الكبريتي، خليط من الكبريت والجير) لمكافحة الأمراض الفطرية في المحاصيل (مثل البياض الدقيقي في العنب والتفاح)، وفي مكافحة الحشرات والقراد في الحيوانات الأليفة. التطبيق السادس هو في صناعة الأدوية، حيث يستخدم الكبريت في تحضير المراهم الجلدية لعلاج حب الشباب والجرب والقوباء الحلقية (مرهم الكبريت)، وفي تحضير المضادات الحيوية (البنسلين والسيفالوسبورين تحتوي على الكبريت)، وفي تحضير الأدوية المضادة للالتهاب (مثل السلفوناميدات)، وفي تحضير الأدوية المضادة للسرطان. التطبيق السابع هو في الصناعات الغذائية، حيث يستخدم ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) وكبريتيت الصوديوم (Na₂SO₃) وكبريتيت البوتاسيوم (K₂S₂O₅) كمضادات للأكسدة ومواد حافظة في الأغذية والمشروبات (خاصة في تجفيف الفواكه مثل المشمش والزبيب، وفي حفظ النبيذ لمنع الأكسدة والبكتيريا)، رغم أن بعض الناس يعانون من حساسية تجاه الكبريتيت. التطبيق الثامن هو في صناعة الورق، حيث يستخدم الكبريت في عملية "اللب الكبريتي" (sulfite pulping) لإزالة اللجنين من الخشب وتحويله إلى لب الورق. التطبيق التاسع هو في صناعة الزجاج والسيراميك، حيث يستخدم الكبريت في تلوين الزجاج (الكبريت يعطي لوناً أصفر أو بنياً)، وفي صناعة الخزف. التطبيق العاشر هو في الصناعات العسكرية، حيث يستخدم الكبريت في صناعة القنابل الدخانية والشراك الخداعية والحشوات الدافعة للصواريخ.
من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، يظهر الكبريت حالات أكسدة متعددة ومتنوعة تتراوح من -2 إلى +6. في الكبريتيدات (مثل H₂S، FeS، Na₂S)، يكون الكبريت في حالة الأكسدة -2. في البيريت (FeS₂)، يكون الكبريت في حالة الأكسدة -1 (لأن الحديد +2 والكبريت -1). في ثنائي كبريتيد الكربون (CS₂)، الكبريت -2. في الكبريت العنصري (S₈)، حالة الأكسدة صفر. في ثاني أكسيد الكبريت (SO₂)، الكبريت +4. في ثالث أكسيد الكبريت (SO₃) وحمض الكبريتيك (H₂SO₄) والكبريتات (SO₄²⁻)، الكبريت +6. في الثيوكبريتات (S₂O₃²⁻)، الكبريت له حالتا أكسدة مختلفتان (+5 و -1). في رباعي ثيونات (S₄O₆²⁻)، الكبريت له حالات أكسدة +5 و 0. هذا التنوع في حالات الأكسدة يجعل الكبريت قادراً على تكوين مركبات لا حصر لها، ويمنحه مرونة كيميائية هائلة. في كيمياء التنسيق، يمكن للكبريت أن يعمل كربيطة (ligand) في معقدات المعادن الانتقالية، حيث يرتبط عبر ذرة الكبريت (مثل معقدات الثيولات R-S⁻، والثيوإيثرات R-S-R، والثيوكربامات)، أو عبر ذرتي كبريت (مثل ثنائي الكبريتيدات R-S-S-R، والثيوكربونات). الكبريت هو أيضاً جزء من العديد من الأنزيمات المعدنية، مثل إنزيم النيتروجيناز (الذي يحتوي على عناقيد حديد-كبريت وموليبدينوم-حديد-كبريت)، والسيتوكروم P450 (الذي يحتوي على الحديد المرتبط بالكبريت من السيستين)، والفيريدوكسين (بروتين حديد-كبريت يشارك في نقل الإلكترونات في البناء الضوئي والتنفس). هذه المعقدات المعدنية-الكبريتية هي أساس العديد من العمليات الحيوية، وتلعب دوراً محورياً في التحفيز الإنزيمي وفي نقل الإلكترونات.
من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الكبريت عدة تحديات بيئية وصحية، لكنه أيضاً يحمل فرصاً واعدة في مجالات جديدة. التحدي الأول والأكبر هو التلوث البيئي الناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) من احتراق الوقود الأحفوري (الفحم والنفط) التي تحتوي على الكبريت. ثاني أكسيد الكبريت هو غاز سام يسبب أمراض الجهاز التنفسي (الربو، التهاب الشعب الهوائية)، وهو المسؤول الرئيسي عن الأمطار الحمضية التي تسبب تآكل المباني والآثار، وتحمض البحيرات والأنهار (مما يقتل الأسماك والكائنات المائية)، وتلف الغابات والمحاصيل. لحل هذه المشكلة، تم تطوير تقنيات إزالة الكبريت من غازات المداخن (Flue Gas Desulfurization)، حيث يمرر غاز المداخن على محلول من الحجر الجيري (CaCO₃) أو الجير (CaO) ليتفاعل SO₂ معهما مكوناً كبريتيت الكالسيوم (CaSO₃) الذي يتأكسد لاحقاً إلى الجبس (CaSO₄·2H₂O)، الذي يمكن استخدامه في صناعة الأسمنت أو كسماد. هذه التقنية تزيل أكثر من 90% من SO₂ من غازات المداخن، وطبقتها العديد من الدول (خاصة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان والصين) بشكل إلزامي. التحدي الثاني هو انبعاثات كبريتيد الهيدروجين (H₂S) من الصناعات النفطية والغازية ومن مياه الصرف الصحي، وهو غاز سام وذو رائحة كريهة. تتم معالجة H₂S بعملية كلوس لتحويله إلى كبريت عنصري، أو بامتصاصه في محاليل الأمينات وإعادة استخدامه. التحدي الثالث هو إنتاج الكميات الهائلة من الكبريت الفائض من مصافي النفط، حيث يبلغ الإنتاج العالمي أكثر من 80 مليون طن سنوياً، بينما الاستهلاك العالمي أقل من 70 مليون طن، مما يخلق فائضاً يخزن في كتل ضخمة في الهواء الطلق، مما يسبب مشاكل بيئية (تسرب الكبريت إلى المياه الجوفية، وانبعاث الغبار الكبريتي، وتشويه المناظر الطبيعية). الحلول المقترحة تشمل استخدام الكبريت في الخرسانة الكبريتية (بدلاً من الأسمنت)، وفي رصف الطرق (الأسفلت الكبريتي)، وفي صناعة الأسمدة، وفي إنتاج حمض الكبريتيك، وفي بطاريات الكبريت-ليثيوم. التحدي الرابع هو سمية الكبريت ومركباته، وخاصة H₂S الذي يقتل العديد من العمال سنوياً في صناعة النفط والغاز، وSO₂ الذي يسبب أمراض الجهاز التنفسي للملايين. لذلك، تفرض التشريعات البيئية حدوداً صارمة لانبعاثات هذه الغازات، وتلزم المصانع باستخدام أنظمة مراقبة وتحكم متطورة. في الجانب الإيجابي، هناك فرص واعدة للكبريت في مجالات جديدة. في مجال تخزين الطاقة، تطوير بطاريات الليثيوم-كبريت (Li-S batteries) التي تعد ببطاريات خفيفة الوزن، عالية السعة (5-10 أضعاف بطاريات الليثيوم-أيون التقليدية)، ورخيصة الثمن، لأن الكبريت متوفر بكثرة ورخيص. لكن بطاريات Li-S تواجه تحديات تقنية: ضعف التوصيلية الكهربائية للكبريت، وذوبان متعدد الكبريتيدات في الإلكتروليت (مما يسبب فقدان السعة)، وتغير الحجم الكبير أثناء الشحن والتفريغ. الأبحاث الحالية تركز على تطوير كاثودات كبريتية نانوية، وإلكتروليتات صلبة، وفواصل معدلة لتحسين أداء هذه البطاريات. في مجال الزراعة، يستخدم الكبريت كسماد (لتعويض نقص الكبريت في التربة) وك مبيد فطري طبيعي (في الزراعة العضوية). في مجال الطب، تستخدم مركبات الكبريت في تطوير أدوية جديدة (مضادات حيوية، مضادات فيروسية، مضادات للسرطان)، وفي التصوير الطبي (جسيمات الكبريت النانوية كعوامل تباين في التصوير بالرنين المغناطيسي)، وفي العلاج بالحرارة (الجسيمات النانوية الكبريتية التي تمتص الأشعة تحت الحمراء لقتل الخلايا السرطانية). في مجال المواد المتقدمة، تستخدم بوليمرات الكبريت (sulfur polymers) في صناعة مواد عالية معامل الانكسار للعدسات البصرية، وفي صناعة مواد مقاومة للحرارة، وفي تنقية المياه (إزالة المعادن الثقيلة). في مجال الطاقة المتجددة، يستخدم الكبريت في تطوير خلايا شمسية رقيقة (خلايا كبريتيد النحاس والزنك والقصدير CZTS) كبديل منخفض التكلفة لخلايا السيليكون.
ختاماً، الكبريت هو عنصر النار والبركان والحضارة، وهو العنصر الذي رافق الإنسان منذ فجر التاريخ، من كبريتات الكتاب المقدس إلى حمض الكبريتيك ملك الكيماويات، ومن البارود الأسود إلى المطاط المقوى، ومن الأمطار الحمضية إلى بطاريات المستقبل. هو العنصر الذي جمع بين الجمال والقبح، بين الرائحة الكريهة واللون الأصفر الجميل، بين الحياة (في الأحماض الأمينية والبروتينات) والموت (في الأسلحة والسموم)، بين البناء (في الأسمدة والمطاط) والدمار (في التلوث البيئي). من استخدامات المصريين القدماء له في تطهير المعابد، إلى استخدامه اليوم في إنتاج 250 مليون طن من حمض الكبريتيك سنوياً، قطع الكبريت شوطاً طويلاً في خدمة البشرية. لكن هذا الاستخدام الهائل له ثمن بيئي واجتماعي، يتمثل في تلوث الهواء والماء والتربة، وفي الأمراض التنفسية، وفي الأمطار الحمضية التي تدمر الغابات والبحيرات والمباني. في عصر يتسارع فيه الطلب على الطاقة النظيفة والمواد المستدامة، يبرز الكبريت كعنصر يمكن أن يساهم في حل أزمات الطاقة (بطاريات Li-S) والزراعة (أسمدة كبريتية صديقة للبيئة) والطب (أدوية جديدة)، لكنه أيضاً يمكن أن يظل مصدراً للتلوث إذا لم نتحكم في انبعاثاته. كما قال الكيميائي الألماني يوستوس فون ليبيغ: "الحضارة تقاس بمقدار استهلاكها لحمض الكبريتيك". الكبريت، بأبسط تركيب إلكتروني (مجرد ستة إلكترونات في الغلاف الخارجي)، يذكرنا بأن العناصر الأكثر شيوعاً في الطبيعة يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً في الحضارة الإنسانية، وأن الكيمياء هي علم الحياة والموت، والبناء والدمار، والخير والشر. الخيار لنا في كيفية استخدام هذا العنصر العجيب، وفي كيفية إدارة دورته في الطبيعة، وفي كيفية حماية البيئة من تلوثه، وفي كيفية تسخير إمكاناته لخدمة البشرية. الكبريت ليس مجرد عنصر كيميائي، بل هو شاهد على عبقرية الكيمياء وقدرتها على تحويل أبسط المواد إلى أدوات للحياة والرفاهية، أو إلى أسباب للدمار والتلوث. الخيار لنا، والعلم في خدمتنا، والطبيعة في انتظار حكمتنا.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحوثيون| من صعدة إلى العالم
-
بين الظلام والفقر | العراق في مواجهة أزمة الكهرباء والتقشف ا
...
-
الألمنيوم | الفلز الفضي الذي غزا السماء والأرض - من حلي المل
...
-
السيليكون | شبه الفلز الذي بنى الحضارة الرقمية - من رمال الص
...
-
الصوديوم | الفلز القلوي الذي أضاء الشوارع وأشعل الثورات - من
...
-
المغنيسيوم | الفلز القلوي الترابي الذي يربط بين خضرة الحياة
...
-
الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من
...
-
النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على
...
-
العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا
...
-
النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب
...
-
الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى
...
-
البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال
...
-
الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو
...
-
البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا
...
-
الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت
...
-
الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض
...
-
الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى
...
-
السيد السيستاني آخر العظماء
-
بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو
...
-
الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا
...
المزيد.....
-
عبر مكبر صوت هاتف رئيس -إنفيديا-.. ترامب عن مخاوف الذكاء الا
...
-
مَن كانت الأكثر أناقة؟ نجمات هوليوود يتنافسن بإطلالاتهنّ على
...
-
برئاسة ولي العهد.. هذا ما قاله مجلس الوزراء السعودي بشأن هجم
...
-
اعتراف أميركي رسمي بنقص الذخائر.. حرب إيران تستنزف 33.4 مليا
...
-
التصعيد يتزايد في المنطقة.. توتر في هرمز وقصف إسرائيلي على ل
...
-
انتكاسة مزدوجة لترامب.. القضاء يحسم معركتي التصويت والهجرة
-
الحوثيون يعلنون استهدافهم بـ54 غارة سعودية
-
الجيش الإيراني: العدو بلغ حد العجز واليأس بفعل وحدة الداخل
-
وسائل إعلام ترصد حقيقة فيديو دهس صور الشرع
-
الاستخبارات الخارجية الروسية: الناتو أوصى بعدم اتهام روسيا ف
...
المزيد.....
-
التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي
...
/ سيف سعد سلمان
-
التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الكنز المخفي
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
المزيد.....
|