أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - الحوثيون| من صعدة إلى العالم















المزيد.....


الحوثيون| من صعدة إلى العالم


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحوثيون: من جبال صعدة إلى العالم

مقدمة | حين يتحول الهامش إلى مركز

في أعماق شمال اليمن، حيث تتشابك سلاسل الجبال مع تاريخ طويل من التهميش والإهمال، انبثقت حركة لم تكن في الحسبان. لم يكن أحد يتوقع أن جماعة دينية صغيرة تدعو إلى إحياء المذهب الزيدي في مساجد صعدة، ستتحول خلال ثلاثة عقود إلى قوة عسكرية وسياسية تهزّ توازنات الشرق الأوسط، وتفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو دولية.
إن قصة الحوثيين ليست مجرد قصة صراع مسلح أو انقلاب سياسي، بل هي قصة تحوّل معقد؛ تحوّل من حركة دعوية ثقافية إلى تنظيم عسكري، ومن جماعة محلية إلى وكيل إقليمي، ومن قوة متمردة إلى سلطة أمر واقع تسيطر على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من اليمن. إنها قصة تتشابك فيها الجذور العقائدية بالظروف السياسية، والمظالم المحلية بالصراعات الجيوسياسية الكبرى.

الفصل الأول | الجذور العقائدية والتاريخية

- الزيدية : مذهب التمرد على الظلم

لفهم الحركة الحوثية، لا بد من العودة إلى جذورها العقائدية في المذهب الزيدي، أحد فروع الإسلام الشيعي الأقرب من الناحية الفقهية إلى الإسلام السني. يتسم هذا المذهب تاريخياً بطابع التمرد على الظلم، وهو ما يُعرف في أدبياته باسم "الخروج على الحاكم الظالم"، وتعود جذوره إلى ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في الكوفة ضد الحكم الأموي في القرن الثامن الميلادي، ومقتله على يد والي الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.

هذا الإرث التاريخي لم يكن مجرد خلفية نظرية، بل شكّل الإطار النظري للخطاب الشرعي الذي قامت عليه الحركة الحوثية. وقد لعبت عوامل كثيرة ومتداخلة في تبلور الظاهرة الحوثية، منها العقائدي والسياسي والتاريخي والجغرافي، ومنها ما هو مطلبي يتعلق بحقوق السكان في المناطق ذات الغالبية الزيدية.

- صعدة: الجغرافيا التي أنجبت الحركة

تقع محافظة صعدة في أقصى شمال غرب اليمن، على بعد حوالي 240 كيلومتراً من العاصمة صنعاء، وهي المنطقة التي شكلت المعقل التاريخي للزيدية. ورغم أن الزيديين حكموا اليمن عبر التاريخ حتى الإطاحة بحكم الإمام في شمال اليمن عام 1962، ظل معقل الحوثيين بعيداً عن سلطة الحكومة المركزية في صعدة مهملاً ومهمشاً، مما اضطر أبناء المنطقة إلى الاعتماد على الذات في إدارة المنطقة وبناء ما أمكن من بنية تحتية.

هذا التهميش لم يكن مجرد مسألة اقتصادية أو تنموية، بل كان أيضاً مسألة هوية وكرامة. فسكان صعدة، الذين ينتمون إلى المذهب الزيدي، وجدوا أنفسهم بعد قيام الجمهورية اليمنية عام 1962 في موقع المتهم دائماً؛ فالنظام الجمهوري، الذي قاده ضباط ينتمون إلى المذهب الزيدي، سرعان ما تحول إلى نظام مركزي يهمش المناطق الشمالية ويمنع أبناءها من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.

- "الشباب المؤمن": البذور الأولى

بدأت الظاهرة الحوثية في أطوارها الأولى في بداية التسعينيات مع تشكيل أول حركة باسم "الشباب المؤمن"، مدفوعة بواقع التهميش الذي تعاني منه مناطق الزيديين الذين تقدر نسبتهم بحوالي 35 إلى 40 في المئة من سكان اليمن. وقد اتخذت الحركة في بادئ الأمر طابعاً فكرياً عبر التركيز على البحث والتدريس ضمن إطار المذهب الزيدي.

في عام 1986، أنشأ حسين الحوثي "اتحاد الشباب" لتدريس المذهب الزيدي، وبعد وحدة اليمن عام 1990 وفتح المجال أمام التعددية الحزبية، تحول "الاتحاد" إلى حزب سياسي يمثل الطائفة الزيدية وعرف باسم "حزب الحق". وفي عام 1992، أسس محمد بدر الدين الحوثي "منتدى الشباب المؤمن" في محاولة لنشر "الفكر الزيدي" من خلال أنشطة ثقافية وفكرية.

لم تكن الحركة في بداياتها حركة سياسية منظمة لها أهداف ونظم ولوائح كغيرها من الحركات السياسية، بل بدأ إطارها الفكري يتشكل من خلال ملازم ومنشورات وتسجيلات لحسين الحوثي بمجموعة من الأفكار الإسلامية التي تستهدف التجديد الديني في إطار المذهب الزيدي.

وقد ارتبط الزعيم الأول للحركة، حسين بدر الدين الحوثي، ابن رجل دين زيدي بارز، في بداية مسيرته السياسية بحزب "الحق"، وفاز هذا الحزب بمقعدين في برلمان اليمن في انتخابات 1993، وشغل حسين أحدهما خلال الفترة ما بين 1993 إلى 1997.

- الشعار: من الدعوة إلى المواجهة

لفتت الحركة الأنظار إليها أكثر بعد تزايد نشاط الشبان المنخرطين في صفوفها، الذين كانوا يرددون هتافات مثل "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصرة للإسلام"، خلال صلاة الجمعة في المساجد. وقد تعاملت السلطات معهم ببعض اللينة؛ إذ كانت تعتقلهم وتطلق سراحهم بعد فترة قصيرة ويعودون إلى نشاطهم السابق.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من أحداث كغزو العراق، اتبع حسين الحوثي نهجاً فكرياً جديداً جمع بين "إحياء العقيدة" و"معاداة الإمبريالية"، متأثراً بالأفكار العامة للثورة الإسلامية في إيران. فاتسع نطاق نشاط "الشباب المؤمن" الذي كان في البداية يقتصر على الدفاع عن حقوق أبناء منطقة صعدة، ليشمل تقديم خدمات اجتماعية وتعليمية واكتسب طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً تمثل بمعارضة حكم الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.

الفصل الثاني | النشوء والتحول إلى حركة مسلحة

- حروب صعدة الست : ميلاد الحركة المسلحة

تحولت الحركة إلى تنظيم مسلح في عام 2004 في غمرة المواجهات مع القوات الحكومية، وهو العام الذي قتل فيه حسين الحوثي ليخلفه شقيقه الأصغر عبد الملك في القيادة. وقد اندلعت أولى حروب صعدة الست في 18 يونيو 2004 بين الجيش اليمني ومسلحي الحوثي في عزلة مران بصعدة بعد قتلهم ثلاثة جنود، وتوقفت إثر إعلان مقتل حسين الحوثي في 10 سبتمبر من العام نفسه.

استمرت هذه الحرب المعروفة بـ"الحروب الستة" والتي سميت بهذا الاسم نسبة لفترات الاقتتال التي كانت تتوقف فترة ثم تنهار الاتفاقات وتعود مرة أخرى، حتى توقفت نهائياً في فبراير 2010 بعد "الجولة السادسة" منها.

لم تكن هذه الحروب مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت أيضاً معركة شرعية؛ فقد تعرضت الحركة منذ بداية الحرب الأولى في صعدة منتصف 2004 لحملة إعلامية من السلطة تتهم حسين الحوثي بالانتماء للمذهب الشيعي الاثني عشري، وبادعاء النبوة، والعمالة لإيران، وكان الهدف منها تبرير الحروب التي شنت على الحوثيين.

- من "جماعة الشعار" إلى "أنصار الله"

لم تكتسب الحركة تسمية "الحركة الحوثية" إلا أثناء حرب صعدة، والسلطة هي التي أطلقت عليها هذه التسمية. فقد كان يطلق عليها قبل هذا "جماعة الشعار" لتبنيها شعار "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام" الذي كان أنصارها يرددونه بعد الصلاة بدءاً من 2001 في المساجد التي يؤمها الزيدية.

اتخذت الحركة أسماء مختلفة حتى استقرت في النهاية على اسم "أنصار الله". ويفضل قياديو الجماعة إطلاق اسم "أنصار الله" عليها حتى لا يرتبط اسمها بتنظيم عائلي، ويقدمون الجماعة على أنها حالة فكرية ودينية، وحالة إحياء واستنهاض تاريخية لا تمثل الزيدية إلا خلفيتها الثقافية والاجتماعية.

- التحول الأيديولوجي: من الزيدية إلى التشيع؟

تثير طبيعة التحول الأيديولوجي للحركة الحوثية جدلاً واسعاً. فبينما تصف بعض المصادر الجماعة بأنها شيعية اثنا عشرية، وتقول إن مرشدها الروحي بدر الدين الحوثي ومؤسسها حسين الحوثي تأثرا بهذا المذهب بعد استقرارهما في إيران في التسعينيات من القرن العشرين، ينفي الحوثيون ذلك ويؤكدون تمسكهم بالمذهب الزيدي.

وتشير دراسات إلى أن الحركة الحوثية تقوم على فكرة الإمامة مرجعية لها، حيث إن الإمامة أحد خمسة أصول يتأسس عليها المذهب الزيدي. إلا أن هذا لا يعني أن الحركة تختزل المذهب الزيدي بها، كما يؤكد بعض الباحثين أن "الحركة الحوثية حركة سياسية، وأما خلفيتها الدينية فهي المذهب الزيدي، إلا أن ذلك لا يعني أنها تختزل المذهب الزيدي بها".

الفصل الثالث | النمو والانقلاب على السلطة

- من صعدة إلى صنعاء: الطريق إلى العاصمة

بدأت الحرب الأهلية في اليمن في سبتمبر 2014، عندما سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء بما يشبه عملية انقلاب، ثم حاولت فرض سيطرتها على كامل التراب اليمني لتزحف إلى ميناء عدن. وقد أعلن زعيم المتمردين آنذاك تصريحاته بعد خطاب للرئيس هادي قال فيه إن الأغلبية السنية في البلاد تتعرض "لمؤامرة" وحذر من حرب أهلية.

كان هذا التحول نقطة مفصلية في تاريخ الحركة؛ فمن حركة دينية محلية في جبال صعدة، أصبح الحوثيون قوة تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة. وقد استغل الحوثيون الثورة والحالة الداخلية اليمنية في توسيع نفوذهم، مستفيدين من تشرذم معسكر الشرعية وانشغال القوى السياسية والعسكرية بالصراعات الداخلية.

- اتفاق ستوكهولم: نقطة تحول حاسمة

في ديسمبر 2018، وُقع اتفاق ستوكهولم بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وتضمن وقف إطلاق النار وحل الوضع في الحديدة، إضافة إلى تبادل المعتقلين والأسرى. وقد وُصف هذا الاتفاق بأنه كان بمثابة نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب اليمنية، ولكنه أثار جدلاً واسعاً حول دوره في إنقاذ الحوثيين من هزيمة وشيكة.

ويرى بعض المحللين أن الاتفاق منح ميليشيا الحوثي القدرة على المراوغة والالتفاف على القرارات الدولية، وتحول إلى أداة بيد الحوثيين لتعزيز قبضتهم وتهديد الملاحة الدولية. ورغم توقيع الاتفاق، بقيت معظم بنوده حبراً على ورق نتيجة الخروقات المتكررة وغياب آليات التنفيذ الصارمة.

- الاقتصاد: تحويل اليمن إلى رافد لتمويل الحرب

توضح الدراسات أن الاقتصاد اليمني دخل الحرب وهو يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية واعتماد كبير على عائدات النفط والغاز، التي كانت تمثل ما بين ربع وثلث الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من 90% من الصادرات السلعية، ونسبة كبيرة من الإيرادات العامة.

وقد حول الحوثيون هذا الاقتصاد الهش إلى رافد لتمويل الحرب. وتؤكد الدراسات أن الجبايات الجمركية الداخلية للحوثيين تدر إيرادات سنوية تقدر بين 90 و120 مليار ريال، توجه للأنشطة العسكرية وصناديق الجبهات، مع تخصيص محدود للخدمات العامة، وبذلك تحولت الجمارك الداخلية إلى رافعة أساسية لاقتصاد الحرب وإطالة الصراع.

كما قدر مركز المخا أن الإيرادات السنوية التي تحصل عليها الجماعة من القطاع الخاص تبلغ نحو 1.5 تريليون ريال يمني، أي ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، تشمل الضرائب والجمارك والرسوم والجبايات، إضافة إلى مبالغ تُفرض تحت مسمى "المجهود الحربي".

الفصل الرابع | الأزمات الداخلية والانشقاقات

- السخط الشعبي والانشقاقات الأمنية

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى مليشيا الحوثي حكراً على خصومها التقليديين؛ إذ بدأت أصوات من داخل بيئتها الموالية تكشف عن استياء متزايد من طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها. هذه الأصوات اتهمت قيادات الجماعة بالفساد، والجباية، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالحها الخاصة على مصالح المواطنين.

في أحدث هذه المواقف، شنّ محمد المقالح، القيادي السابق في ما كانت تُعرف بـ"اللجنة الثورية العليا"، هجوماً لاذعاً على الجماعة، واصفاً سلطتها بأنها "طاردة للحياة". وأكد أن سنوات سيطرة الحوثيين على صنعاء شهدت نزيفاً لرؤوس الأموال وهجرة جماعية للنخب الثقافية والفنية والسياسية والإعلامية، فيما يعيش من بقي حالة من الانكفاء ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

وربط المقالح الانقسامات داخل الجماعة بقضية "الولاية"، معتبراً أنها استنزفتها وأصبحت سبباً رئيسياً في انقسامها الداخلي. وأوضح أن سلطة الحوثيين باتت "منقسمة على نفسها"، وأن هذه القضية ستؤدي في النهاية إلى إضعافها وربما انهيارها.

- حقوق الإنسان: قمع منهجي

توثق المنظمات الحقوقية انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في مناطق سيطرة الحوثيين. فقد نفذ الحوثيون سلسلة مداهمات في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واحتجزوا تعسفاً 13 موظفاً بالأمم المتحدة وما لا يقل عن 50 موظفاً من منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية.

وبحلول نهاية 2025، كان الحوثيون يحتجزون تعسفاً 69 موظفاً في الأمم المتحدة وعشرات موظفي المجتمع المدني. كما وثقت تقارير حقوقية يمنية أكثر من 3900 انتهاك في صنعاء منسوب إلى جماعة "الحوثي" الموالية لطهران، خلال عامي 2024 و2025، شملت القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات، إلى جانب المحاكمات السياسية وقمع الحريات والانتهاكات المرتبطة بالنشاط المدني والحقوقي.

وقد فرض الحوثيون قيوداً متزايدة على حرية تنقل النساء وسياسة صارمة تقتضي من النساء السفر برفقة أحد الأقارب الذكور (محرم)، وهي سياسة لم تكن موجودة من قبل.

الفصل الخامس | القدرات العسكرية والتطور التكنولوجي

- ترسانة متطورة

كشفت تقارير دولية عن توسع كبير في القدرات العسكرية لميليشيا الحوثي عبر حصولها على صواريخ وطائرات مسيّرة متطورة مرتبطة بإيران، وسط تحذيرات من تصاعد المخاطر على أمن الملاحة الدولية والمنشآت الحيوية في المنطقة.

وقد وثق خبراء أكثر من 800 قطعة سلاح ومكوّن عسكري تمت مصادرتها خلال عمليات اعتراض بحرية في البحر الأحمر، في واحدة من أكبر التحقيقات المتعلقة بشبكات تسليح الحوثيين خلال السنوات الأخيرة. وكشفت دراسة ميدانية أجرتها منظمة Conflict Armament Research أن الحوثيين يمتلكون أنظمة تسليح متقدمة تشمل صواريخ مضادة للسفن وأخرى أرض-جو، إضافة إلى أسلحة بحرية تحت الماء وطائرات مسيّرة حديثة.

وأشار التقرير إلى أن الجماعة انتقلت من الاعتماد على صواريخ قديمة منذ عام 2014 إلى امتلاك ما لا يقل عن عشرة أنواع مختلفة من الصواريخ بحلول عام 2025، ما يعكس تطوراً كبيراً في قدراتها العسكرية والتقنية. ولفت التحقيق إلى أن الأسلحة كانت تصل إلى الحوثيين مفككة على شكل أجزاء منفصلة تحمل رموزاً وتعليمات خاصة، بهدف تسهيل تهريبها وتقليل احتمالات اكتشافها أثناء النقل البحري.

- الدعم الإيراني: من التمويل إلى المشورة العسكرية

تشير مصادر متعددة إلى أن الدعم الإيراني، بما يشمل الأسلحة والتوجيه التكتيكي، ساهم في تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن. وقال مصدران إيرانيان إن طهران طلبت من الحوثيين تصعيد هجماتهم ضد السعودية، وتعهدت بتقديم مزيد من التمويل والأسلحة وإيفاد ضباط كبار للمساعدة في إدارة العمليات.

ويؤكد مستشار وزير الدفاع اليمني أن تدفق الأسلحة الإيرانية إلى اليمن لم يتوقف تقريباً منذ عام 2011، مشيراً إلى ضبط سفينة في ذلك العام حملت اسم "جيهان 1"، واستمرار وصول الأسلحة الباليستية والطائرات المسيرة منذ ذلك التاريخ.

- استثمار الهدنة: إعادة بناء القوة

لقد استثمر الحوثيون سنوات الهدنة في إعادة بناء قوتهم، وتعزيز قدراتهم في سلاحي الصواريخ والمسيّرات، والأهم من ذلك، في تطوير قيادة مركزية فعالة. واستنزف خصومهم، في المقابل، جزءاً كبيراً من الوقت في صراعات داخلية، وتنافسات على الجنوب والساحل، وخلافات بين القوات التي يفترض أن تقاتل في خندق واحد.

الانتصار الحوثي لم يبدأ إذن في المخا بل بدأ عندما تحول التحالف المناهض لهم إلى مجموعة تحالفات صغيرة متنافسة. لعبت الجغرافيا دوراً مهماً في هذا الانهيار المحلي الذي أضحى حدثاً إقليمياً ودولياً كبيراً، فقد اكتسب باب المندب دوراً أكبر من كونه ممراً مهماً للتجارة العالمية، فمع تعطل حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر هو المربع التالي على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، بعد أن صار المسار البديل لمضيق هرمز.

الفصل السادس | الحوثيون والصراع الإقليمي

-العلاقة مع إيران: وكيل أم حليف مستقل؟

تثير طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران جدلاً واسعاً. فبينما تصف تقارير أممية التحالف القائم بين الحوثيين وإيران و"حزب الله" و"حماس" بأنه لا يزال فعالاً، تشير مجلة "إيكونوميست" إلى أن الحوثيين يتحركون باستقلالية أكبر، وتصفهم بأنهم "الحليف الأكثر استقلالية لطهران".

ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن طهران لعبت دوراً رئيسياً في دعم الجماعة وتطوير قدراتها، محذرين من أن الولايات المتحدة لن تقبل بتحول اليمن إلى ساحة لظهور قوة مسلحة مشابهة لـ"حزب الله" اللبناني. إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية رد على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي التي أكد فيها على أن جماعة الحوثي المدعومة من إيران تعمل كوكيل لطهران.

-الحرب مع السعودية: جبهة مفتوحة

شنت جماعة الحوثي هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية استهدفت المملكة العربية السعودية، مما أدى إلى اشتعال النيران في منشآت نفطية بالجنوب وإصابة أكثر من 70 شخصاً. وقد أدانت السعودية بأشد العبارات هذه الهجمات على أعيان مدنية واقتصادية في البلاد.

وأشار مندوب السعودية في مجلس الأمن إلى أن اعتداءات الحوثيين لا تقتصر على استهداف الأراضي السعودية، وإنما تشمل أيضاً السفن التجارية، بما يهدد حرية الملاحة البحرية وحركة التجارة الدولية.

-باب المندب: نقطة الاختناق الاستراتيجية

تمثل سيطرة مليشيات الحوثي على المخا وذو باب، وجزر ميون وحنيش وزقر، وباب المندب، دليلاً على انتقالها من تهديد الملاحة من مناطق بعيدة إلى تهديد مباشر للممرات المائية الدولية. وتتمثل السيناريوهات المحتملة في تثبيت الحوثيين لمكاسبهم في المخا وذو باب والجزر المحيطة بهما، عبر تعزيز مواقع الرصد والاستطلاع ونقل الصواريخ والمسيرات والزوارق، دون إغلاق باب المندب بصورة مباشرة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

وقد حذر عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني من خطورة سيطرة الحوثيين على باب المندب، مشدداً على أن الهدف الاستراتيجي هو استعادة الدولة والعاصمة صنعاء، مع إعادة ترتيب القوات المنسحبة من الساحل واستمرار دعم السعودية لشرعية اليمن.

الفصل السابع | المواقف الدولية والقرارات الأممية

- قرارات مجلس الأمن

اتخذ مجلس الأمن الدولي عدة قرارات بشأن الحوثيين. القرار 2624 (2022) جدد نظام العقوبات على اليمن لمدة عام، ووصف الحوثيين بأنهم جماعة إرهابية، وأدرجهم ككيان في قائمة عقوبات اليمن تحت حظر السلاح المستهدف. كما رحب القرار 2801 (2025) بتضمين نص القرار إدانة ما يقوم به الحوثيون من احتجاز تعسفي لموظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني.

ويدين القرار 2801 (2025) بأشد العبارات الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. كما مدد مجلس الأمن ولاية البعثة الأممية في الحديدة لمدة شهرين إضافيين وللمرة الأخيرة، وفق حساب الأمم المتحدة في اليمن.

-الموقف الأمريكي والبريطاني

بدأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تنفيذ غارات جوية على أهداف للحوثيين في اليمن في 11 يناير 2024، وشُنت عدة غارات أخرى منذ ذلك الحين. وقالت واشنطن مراراً إن هذه الضربات جاءت "رداً مباشراً" على الهجمات على السفن في البحر الأحمر، والتي "عرضت التجارة للخطر، وهددت حرية الملاحة".

ووفق تصريح للمتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية شون بارنيل، فإن الحوثيين "هاجموا سفناً حربية أمريكية 174 مرة وسفناً تجارية 145 مرة منذ عام 2023".

الفصل الثامن| مسارات السلام والتحديات المستقبلية

-تجارب السلام الفاشلة

أكدت وزيرة الخارجية اليمنية أن الحكومة اليمنية لا ترفض السلام، لكنها تريد "سلاماً حقيقياً ومستداماً"، وليس هدنة مؤقتة تسمح للحوثيين بإعادة بناء قدراتهم العسكرية والعودة إلى التصعيد. وتابعت أن الحكومة اليمنية "تفضل السلام، لكن ليس سلاماً خادعاً يُبقي للحوثيين سلاحهم الذي يهددون به اليمن والمنطقة والعالم".

وأشارت إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الجماعة استغلت محطات التفاوض والتهدئة لتعزيز قدراتها العسكرية. وأكد رئيس مجلس الحراك الوطني الجنوبي أن الدعوات الدولية المتكررة إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي لا ينبغي أن تعني إعادة إنتاج مسارات تفاوضية أثبتت التجارب السابقة عدم قدرتها على الوصول إلى سلام مستدام.

-سيناريوهات المستقبل

تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحوثيين في اليمن. أحد هذه السيناريوهات هو تثبيت الحوثيين لمكاسبهم في المخا وذو باب والجزر المحيطة بهما، عبر تعزيز مواقع الرصد والاستطلاع ونقل الصواريخ والمسيرات والزوارق، دون إغلاق باب المندب بصورة مباشرة.

ويرى بعض المحللين أن الحوثيين قد يسعون للتمدد داخل مناطق جديدة إذا لم تتداخل متغيرات إقليمية ودولية حازمة في البحر الأحمر، غير أن الاكتفاء بإحكام الحصار المفروض عليهم وإطباق الخناق السياسي والاقتصادي قد يكون هدفاً مرحلياً كافياً لجماعة الحوثي.

هناك أيضاً احتمال اندلاع حرب أوسع، حيث أن الهجمات المستمرة للحوثيين داخل السعودية قد تغير حسابات الرياض. وقد حذر باحث قطري من أن تقدم الحوثيين نحو المخا قد يكون استدراجاً إلى "صندوق قتل" ومقدمة لمواجهة أوسع، وأن ما اعتبروه تقدماً وانتصاراً ميدانياً قد يسرّع في المقابل تشكل موقف عسكري وسياسي أكثر تشدداً ضدهم.

-خطر تقسيم اليمن

حذر خبير عسكري من أن ما يحدث من تقدم وتطور ميداني للحوثيين على الأرض ينذر بنواة لتقسيم اليمن. وقد أصبح الحوثيون المدعومون من إيران يسيطرون على كامل محافظة الحديدة، كما تقدموا غربي محافظة تعز وسيطروا على مدينة المخا ومينائها المطل على البحر الأحمر، ووصل تقدمهم إلى مناطق قريبة من مضيق باب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية الدولية.

ختامًا

إن قصة الحوثيين هي قصة تحول معقدة ومتعددة الأوجه. من حركة دينية صغيرة في جبال صعدة، إلى قوة عسكرية تسيطر على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من اليمن، إلى لاعب إقليمي يهدد أمن الملاحة الدولية ويغير توازنات القوى في الشرق الأوسط.

تعلمنا هذه القصة أن التهميش والإقصاء يمكن أن يولدا حركات احتجاج عنيفة، وأن الصراعات المحلية يمكن أن تتحول إلى صراعات إقليمية ودولية عندما تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى. وتعلمنا أيضاً أن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تحقق سلاماً مستداماً، وأن معالجة جذور الأزمة - من تهميش وإقصاء وفساد - هي الطريق الوحيد نحو سلام حقيقي.

يبقى مستقبل اليمن والمنطقة مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز خلافاتها والجلوس إلى طاولة المفاوضات بروح جديدة. فالتاريخ يخبرنا أن الحروب لا تنتهي إلا بالتفاوض، وأن السلام العادل والمستدام هو الخيار الوحيد الذي يضمن مستقبلاً أفضل لليمنيين جميعاً، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العقدية.

إن اليمن، الذي كان يوماً ما موطن "اليمن السعيد"، يستحق مستقبلاً أفضل من الحروب والدمار. وإن الطريق إلى ذلك المستقبل يمر عبر الاعتراف بالمظالم التاريخية، ومعالجة جذور الأزمة، وبناء دولة مدنية حديثة تضمن حقوق جميع مواطنيها. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه اليمن والمنطقة اليوم، وهو التحدي الذي يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة من جميع الأطراف.

أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الظلام والفقر | العراق في مواجهة أزمة الكهرباء والتقشف ا ...
- الألمنيوم | الفلز الفضي الذي غزا السماء والأرض - من حلي المل ...
- السيليكون | شبه الفلز الذي بنى الحضارة الرقمية - من رمال الص ...
- الصوديوم | الفلز القلوي الذي أضاء الشوارع وأشعل الثورات - من ...
- المغنيسيوم | الفلز القلوي الترابي الذي يربط بين خضرة الحياة ...
- الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من ...
- النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على ...
- العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا ...
- النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب ...
- الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى ...
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم


المزيد.....




- شاهد.. ترامب يصف إعادة توحيد أيرلندا بأنه -سيكون أمراً رائعا ...
- الحكومة اليمنية: التصعيد الحوثي -واسع وخطير- ويهدد أمن المنط ...
- السعودية.. 4 صور لأضرار بمسجد ومبانٍ بعد سقوط مقذوف في منطقة ...
- حمد بن جاسم يعقب على مباحثات -بحيرة الخليج- المرتقبة مع إيرا ...
- مصرع شخص وإنقاذ 102 آخرين بعد فقدان عبارة إندونيسية في بحر ج ...
- انطلاق اجتماع قادة -بريكس- بمشاركة بوتين بصيغة -أوت ريتش-
- موسكو تعرب عن أملها في عقد قمة ثلاثية قريبة لبحث الأزمة الأو ...
- مقتل شخص وإصابة 3 آخرين باستهداف سفينة تجارية إيرانية قرب جز ...
- بيان إماراتي أمام مجلس الأمن يطالب بتعميم حظر السلاح على كام ...
- مباشر: مقتل شخص في هجوم قبالة جزيرة قشم الإيرانية والحوثيون ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - الحوثيون| من صعدة إلى العالم