حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 07:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد | أمة غارقة في الظلام
في صباح يوم صيفي من أيام تموز 2026، يستيقظ المواطن العراقي على صوت المولد الأهلي الذي يملأ أرجاء الحي بضوضاء لا تنقطع، وعلى حرارة تلامس الخمسين درجة مئوية في الظل. يفتح الثلاجة فيجد الطعام قد بدأ يفسد، يشغل المكيف فيعمل لبضع ساعات ثم ينطفئ، يحاول ابنه إنهاء واجباته المدرسية أمام شاشة الكمبيوتر فتنطفئ الأنوار فجأة، ويعلن انقطاع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله. هذا ليس مشهدًا استثنائيًا، بل هو الروتين اليومي لملايين العراقيين في عام 2026.
يعيش العراق، هذا البلد الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم، تناقضًا مذهلًا فهو بلد يغرق في الثروات الطبيعية، لكن أبناءه يعيشون في ظلام دامس لساعات طويلة كل يوم. وفي الوقت نفسه، يعاني هذا البلد من أزمة مالية خانقة تهدد قدرته على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وتوقف مشاريعه التنموية، وتجمد آمال الملايين في مستقبل أفضل.
هذه المقالة هي رحلة في أعماق الأزمة العراقية المزدوجة: أزمة الكهرباء التي تعود جذورها إلى عقود من الفساد وسوء الإدارة والإهمال، وأزمة التقشف المالي التي كشفت هشاشة اقتصاد يعتمد على مورد واحد. لكنها أيضًا رحلة أمل، بحثًا عن حلول، وعن إرادة سياسية قادرة على كسر هذا الجمود، وعن شعب صامد يرفض الاستسلام لليأس.
الفصل الأول | جذور أزمة الكهرباء - حين تحولت الثروة إلى نقمة
بدأت أزمة الكهرباء في العراق مع عقود الحروب والحصار التي ضربت البنية التحتية للبلاد. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت شبكات الكهرباء العراقية للتدمير المتكرر خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ثم حرب الخليج الثانية، ثم الحصار الدولي الذي منع استيراد قطع الغيار والمعدات اللازمة لصيانة المحطات. ومع غزو 2003، تعرضت البنية التحتية للكهرباء لدمار شامل، وسرقة ممنهجة، وإهمال متعمد. لكن الأدهى والأمر أن الحكومات المتعاقبة، رغم إنفاقها مليارات الدولارات على قطاع الكهرباء، لم تتمكن من إحداث تحول جذري في واقع المواطن. ففي كل صيف، يتجدد الغضب الشعبي مع تفاقم أزمة انقطاع الكهرباء بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة إلى ما يتجاوز 50 درجة مئوية و الفجوة بين العرض والطلب ، حيث أرقام تعكس الكارثة و الإحصائيات وحدها كافية لفهم حجم المأساة. يبلغ إنتاج العراق من الكهرباء حوالي 24,000 ميغاواط، بينما يتجاوز الطلب المحلي 34,000 ميغاواط، مما يخلق عجزًا مزمنًا في التزويد بالطاقة. وفي ظل نقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات، ارتفع العجز إلى نحو 39 ألف ميغاواط يوميًا في صيف 2026، إذ يبلغ الإنتاج الفعلي نحو 16 إلى 17 ألف ميغاواط يوميًا، مقارنة بالحاجة إلى 55 ألف ميغاواط خلال الصيف. وحتى في أفضل أيامها، لا توفّر الشبكة الوطنية للعراقيين سوى ما بين 8 إلى 12 ساعة من الكهرباء يوميًا. وهذا يعني أن المواطن العراقي يعيش نصف حياته في الظلام، في بلد يمتلك ثروات طاقة هائلة.
الاعتماد على الغاز الإيراني - رهان خاسر- يعتمد العراق بشكل كبير على استيراد الغاز من إيران لتشغيل محطات توليد الكهرباء. تزوّد إيران العراق بنحو 50 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، بما يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد، وهو ما يكفي لإنتاج نحو 6-7 آلاف ميغاواط من الكهرباء. لكن هذه الإمدادات غير مستقرة، وتتوقف فجأة لأسباب سياسية أو فنية. في مارس 2025، قطعت إيران الغاز بالكامل عن العراق بعد هجوم إسرائيلي على حقول الغاز الإيرانية. وفي ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل مرة أخرى. وفي مارس 2026، تسبب انخفاض مفاجئ في إمدادات الغاز لمحطة توليد كهرباء الرميلة بانقطاع التيار الكهربائي بالكامل في جميع المحافظات. هذا الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة جعل العراق رهينة للتقلبات السياسية الإقليمية، وأظهر بوضوح الحاجة الملحة إلى تنويع مصادر الطاقة.
الفساد - الثقب الأسود-لكن العامل الأكثر تدميرًا في أزمة الكهرباء العراقية هو الفساد. فالفساد المالي والإداري في قطاع الكهرباء أدى إلى إهدار مليارات الدولارات دون تحقيق تحسينات ملموسة. وقد أعلنت هيئة النزاهة أن قطاع الكهرباء يتصدر قائمة الفساد في العراق. يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني إن "الفساد هو السبب الرئيسي في أزمة الكهرباء في العراق". وما يزيد الطين بلة أن الضغوط السياسية والحزبية جعلت من وزارة الكهرباء ساحة للصراعات والتسقيطات السياسية، مما أعاق أي إصلاح جذري.
الخسائر الفنية والتجارية ، تعاني الشبكة الكهربائية العراقية من خسائر كبيرة أثناء النقل والتوزيع، مما يقلل من كفاءة النظام ويزيد من الهدر. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المباشرة الناتجة عن نقص الكهرباء تبلغ حوالي 40 مليار دولار سنويًا. وهذا يعني أن العراق يخسر سنويًا ما يعادل ميزانية دولة بأكملها، بسبب عجز لا يمكن تفسيره إلا بالإهمال وسوء الإدارة.
الفصل الثاني | معاناة يومية - حين يتحول الظلام إلى حياة
- حياة تحت وطأة المولدات
في غياب الكهرباء الوطنية، يضطر العراقيون إلى الاعتماد على مولدات الديزل أو تحمل درجات حرارة خانقة. وتتفاوت أسعار الاشتراك في المولدات الأهلية بين المناطق، إذ يصل سعر الأمبير في بعض المناطق إلى 20 ألف دينار (نحو 15 دولارًا).تخيل أسرة عراقية مكونة من خمسة أفراد، تعيش في شقة صغيرة في بغداد. تحتاج هذه الأسرة إلى ما لا يقل عن 15 أمبير لتشغيل مكيف واحد وثلاجة وإنارة المنزل. هذا يعني أن فاتورة المولد الشهرية تصل إلى 300 ألف دينار (نحو 230 دولارًا)، في بلد يبلغ متوسط الدخل الشهري فيه أقل من 500 دولار. وهذا يفسر لماذا يقول المواطنون إن أزمة الكهرباء ليست مجرد انقطاع للتيار، بل هي فقر مضاعف، ونزيف مالي يومي.
- الطاقة الشمسية / بارقة أمل
في ظل هذا اليأس، بدأ عدد متزايد من العراقيين بالتوجه نحو الطاقة الشمسية. يتحدث إبراهيم نهاد عن تجربته قائلًا إن غياب الاعتماد على الطاقة الوطنية يضع المواطن في حيرة مستمرة، وإن المنظومات الشمسية توفر الكهرباء في ساعات النهار بصورة مباشرة، وتستخدم نظام البطاريات لتوفير الطاقة ليلًا، مما يجنب المواطن أعطال المولدات وتذبذب الشبكة ويريح باله من الانقطاعات المفاجئة.
ويؤكد كامل الكعبي أنه أقدم على نصب المنظومة في منزله بعد معاناة طويلة ومشاكل يومية طالت عائلته بسبب أزمة الكهرباء، وأن النتيجة كانت إيجابية ومريحة جدًا وغيرت من واقع حياتهم اليومية. ويطالب الكعبي بضرورة تقديم الشركات عروضًا وتسهيلات مالية للبيع بالتقسيط لتشمل كافة شرائح المجتمع، ليصبح التوجه نحو الطاقة المتجددة مشروعًا متاحًا للجميع وليس حكرًا على المقتدرين.
لكن الطاقة الشمسية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة للتركيب التي تتراوح بين 5 و10 ملايين دينار عراقي (نحو 3800-7600 دولار)، بالإضافة إلى مشكلة السكن المشترك وتقسيم المنازل إلى مساحات صغيرة في المدن الكبرى مما يعيق نصب الألواح الشمسية.
- انقطاعات كارثية
في الرابع من مارس 2026، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية توقف التيار الكهربائي بالكامل في جميع المحافظات بسبب عطل فني في محطات التوليد الجنوبية. وهذا ليس حدثًا استثنائيًا، بل هو جزء من نمط متكرر من الانهيارات التي تجعل حياة العراقيين أشبه بمعركة يومية مع الظلام والحرارة.
وفي يوليو 2026، تفاقمت أزمة الكهرباء مع ارتفاع الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية، مما دفع آلاف المحتجين إلى التظاهر في المحافظات الجنوبية. وقد لقي 61 شخصًا على الأقل حتفهم في حريق اندلع داخل مركز تسوق بمدينة الكوت، حيث كان العديد من المواطنين قد قصدوا المركز هربًا من انقطاع الكهرباء في منازلهم.
- تأثير على الاقتصاد والتعليم والصحة
أزمة الكهرباء ليست مجرد إزعاج يومي، بل هي كارثة اقتصادية واجتماعية متكاملة. تؤثر الانقطاعات المستمرة على القطاعات الإنتاجية كافة، من المصانع إلى المزارع إلى المكاتب. كما تؤثر على جودة التعليم، حيث يعاني الطلاب والأساتذة من انقطاع التيار أثناء الدراسة والعمل. وفي القطاع الصحي، تتوقف الأجهزة الحيوية، وتتعطل التطعيمات، ويفقد الأطباء القدرة على إنقاذ المرضى.
الفصل الثالث | التقشف المالي - حين يجف النفط وتتوقف الأحلام
- اقتصاد على صفيح ساخن
يعتمد العراق على النفط في تمويل ما بين 90 و95 في المئة من إيرادات الدولة. وهذا الاعتماد المفرط جعل الاقتصاد العراقي رهينة لتقلبات أسعار النفط والأزمات الجيوسياسية. في فبراير 2026، أدت العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز، مما قطع صادرات العراق النفطية إلى ما دون 800 ألف برميل يوميًا، وكلف البلاد خسائر تقدر بـ128 مليون دولار يوميًا.
وقد انخفضت الإيرادات النفطية بالفعل بنسبة 16 في المئة في عام 2025. وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومة العراقية إلى نحو 10 تريليونات و800 مليار دينار شهريًا (نحو 8.24 مليارات دولار) لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية.
- أزمة الموازنة | 16 شهرًا من الجمود
العراق يمضي الآن في عام 2026 بدون موازنة معتمدة. فقد انتهت الموازنة الثلاثية التي غطت أعوام 2023 و2024 و2025 في نهاية العام الماضي، ولم يوافق البرلمان على خطة إنفاق لعام 2026. هذا يعني أن العراق أمضى نحو 16 شهرًا بدون جداول موازنة معتمدة.
وتدير الحكومة اقتصادًا بقيمة 280 مليار دولار من خلال أحكام الصرف الطارئ المصممة للعجز المؤقت وليس للاضطراب المستدام. وبموجب المادة 13 من قانون الإدارة المالية الاتحادي، تجيز الحكومة إنفاقًا شهريًا يعادل واحدًا من اثني عشر من ميزانية العام السابق.
لكن هذه الآلية لا تسمح بإطلاق مشاريع جديدة، أو الاستجابة للأولويات المتغيرة، أو توفير المرونة المالية التي تتطلبها إدارة الأزمة.
- توقف المشاريع وتجمد الأحلام
نتيجة لغياب الموازنة، توقف أكثر من 4500 مشروع في جميع أنحاء العراق، بعضها متوقف منذ سنوات. ويحذر الخبراء من أن استمرار شلل الموازنة سيضيف المزيد من المشاريع إلى قائمة المتوقفة.
يقول الخبير الاقتصادي ضياء المحسن إن الموازنة ليست مجرد أداة مالية، بل هي الآلية المركزية التي تدير من خلالها الدولة نشاطها الاقتصادي والاستثماري. ويحذر من أن "الوزارات والإدارات المحلية ستفقد تدريجيًا قدرتها على التخطيط المتوسط والطويل المدى". ويضيف أن "الدولة يمكن إدارتها، لكن التنمية لا يمكن".
- "ماكو فلوس": اعتراف بالعجز
في مشهد غير مسبوق، قال وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي جملة "ماكو فلوس" (لا يوجد مال) في مكاشفة أمام موظفي وزارته، كاشفًا أن الحكومة باتت تضع تأمين الرواتب في مقدمة أولوياتها في ظل أزمة سيولة خانقة.
ويكشف مصدر حكومي أن إجمالي رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية يبلغ 7.8 تريليونات دينار شهريًا (نحو 6 مليارات دولار)، في حين تمكنت الحكومة من صرف 3.5 تريليونات دينار فقط حتى الآن، مما يترك عجزًا يبلغ 3.2 تريليونات دينار (نحو 2.4 مليار دولار).
- رواتب متأخرة وحياة متعثرة
غياب الموازنة ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين. يقول علي المسعودي من مدينة الصدر إن استمرار عدم إقرار الموازنة أربك حياة المواطنين، ولا سيما مع تأخر صرف الرواتب والمستحقات، مشيرًا إلى أن مدة التأخير وصلت في بعض الدوائر والمؤسسات إلى ما بين 37 و40 يومًا.
ويضيف المسعودي أن غياب الموازنة انعكس أيضًا على التعيينات، ولا سيما في القطاع الصحي، فضلًا عن تأثيره في الحركة التجارية والاقتصادية، حيث توقفت العديد من المشاريع. ويؤكد الموظف الحكومي مصطفى لطيف أن الأسواق العراقية تشهد حالة ركود وتباطؤ في الحركة الاقتصادية نتيجة توقف الإنفاق الحكومي وتأخر إطلاق المشاريع.
- صندوق النقد الدولي يحذر
حذّر صندوق النقد الدولي في تحذير أصدره في يونيو 2026 من أن العراق من بين الاقتصادات الأكثر عرضة للاضطرابات الإقليمية في عام 2026، محذرًا من تداعيات خطيرة على التضخم والحسابات الخارجية والمالية العامة. ويتوقع الصندوق أن يتضاعف عجز ميزانية العراق من 4.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 9.2 في المئة بحلول عام 2026. وقد أعلن صندوق النقد الدولي عن استمرار مشاوراته المكثفة لبحث إمكانية تقديم دعم مالي عاجل للعراق.
الفصل الرابع | الحلول الممكنة - من الظلام إلى النور
أولاً: تنويع مصادر الطاقة والاستغناء عن الغاز الإيراني
ربما يكون التحدي الأكبر أمام العراق هو التحرر من الاعتماد على الغاز الإيراني. وقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية أن خطتها لمعالجة أزمة الطاقة ترتكز على خمسة محاور رئيسية: تأمين الوقود، وإعادة الوحدات التوليدية المتوقفة، واستثمار الغاز المحلي، والتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية، وتنفيذ مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار.
- استثمار الغاز المحلي: يحرق العراق كميات هائلة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، مما يمثل هدرًا اقتصاديًا وبيئيًا فادحًا. إن استثمار هذا الغاز لتوليد الكهرباء يمكن أن يضيف آلاف الميغاواط إلى الشبكة الوطنية. وقد أعلنت وزارة الكهرباء عن الشروع في تنفيذ مشاريع تعتمد بشكل أساسي على الوقود المحلي بديلًا عن المستورد.
- الربط الكهربائي مع دول الجوار: تعمل الحكومة العراقية على تنفيذ مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، بما في ذلك الربط مع دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، وتركيا. وقد أعلنت وزارة الكهرباء أن مشاريع الربط دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
ثانياً: الطاقة المتجددة - ثروة العراق المهدورة
يمتلك العراق واحدًا من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم، مما يجعله مرشحًا مثاليًا للطاقة الشمسية. وقد افتتح العراق أول مركز لأبحاث الطاقة الشمسية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن الحروب والعقوبات أوقفت العمل به.
اليوم، بدأت الحكومة تأخذ الطاقة الشمسية على محمل الجد. وقد أعلن الفريق الوطني لمشاريع الطاقة المتجددة عن تأهيل 54 شركة محلية لتركيب منظومات الطاقة الشمسية في القطاع السكني. ويؤكد الخبراء أن استثمار الطاقة الشمسية يمثل فرصة استراتيجية للعراق لمعالجة جزء من أزمة الكهرباء المتراكمة، وتحويل موارده الطبيعية من فرصة ضائعة إلى مصدر للطاقة النظيفة والمستدامة.
لكن كما يحذر الخبير شكري، فإن "أزمة الكهرباء في العراق هي أزمة هيكلية... يجب التعامل مع الطاقة الشمسية كجزء من الحل، وليس كحل سحري. لا يزال العراق بحاجة إلى إصلاح الشبكة، وتحسين استخدام الغاز، وتطوير خطوط النقل، وتعزيز المؤسسات، واستثمار جاد في توليد الطاقة".
ثالثاً: إصلاح الدعم وأتمتة الجباية
تنفق الحكومة العراقية نحو 600 مليار دينار شهريًا على قطاع الكهرباء، بينما تسترجع مليارًا واحدًا فقط. ويؤكد محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق أن الحكومة تصرف على قطاع الكهرباء بنحو 23 إلى 25 تريليون دينار سنويًا، بينما الإيرادات من المواطنين لا تتجاوز بضعة تريليونات.
هذا يعني أن قطاع الكهرباء يعمل بخسائر فادحة، تتحملها الدولة والمواطن على حد سواء. الحل يكمن في إعادة هيكلة الدعم الحكومي بحيث يقتصر على الفئات المستحقة فقط، وتطبيق نظام جباية إلكتروني شامل لضمان تحصيل مستحقات الكهرباء.
كما يقترح الخبراء إلغاء الخطوط الخاصة والطوارئ التي تستنزف الطاقة، ومكافحة التجاوزات على الشبكة.
رابعاً: مكافحة الفساد - الشرط الأساسي لأي حل
لن تنجح أي حلول تقنية أو مالية دون معالجة جذرية لآفة الفساد. فالفساد في قطاع الكهرباء ليس مجرد ظاهرة جانبية، بل هو العائق الرئيس أمام أي إصلاح. كما يشير تقرير صادر عن مركز البيان، يشكل الفساد المالي في هذا القطاع جزءًا من عوامل تدهور الكهرباء في البلاد.
يتطلب مكافحة الفساد إرادة سياسية حقيقية، ومحاكمة الفاسدين، واسترداد الأموال المنهوبة، وبناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة. بدون ذلك، ستبقى مليارات الدولارات تُهدر، وسيبقى المواطن في الظلام.
خامساً: إصلاح المالية العامة - من الريعية إلى التنويع
لا يمكن فصل أزمة الكهرباء عن أزمة المالية العامة. فالاعتماد المفرط على النفط جعل العراق عرضة للصدمات، وحال دون بناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود. يتطلب الإصلاح المالي:
· توسيع القاعدة الضريبية: بدلاً من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات.
· ضبط الإنفاق: تقليص النفقات غير الضرورية التي أدمنت عليها الدولة.
· وضع خطط مالية متوسطة المدى: بدلاً من التسيير اليومي للأمور.
· تعزيز الشفافية والرقابة على المال العام.
يقول الخبراء إن الصدمة المالية الحالية قد تكون فرصة لإعادة التنظيم المالي وتشديد الرقابة على المال العام ومكافحة الفساد.
الفصل الخامس | نحو مستقبل مشرق - رؤية للأمل
- إرادة التغيير
في 14 مايو 2026، أدى رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي اليمين الدستورية، في اختراق سياسي بعد نحو ستة أشهر من الجمود. الحكومة الجديدة تواجه إرثًا ثقيلًا من الاعتماد على الغاز الإيراني، وضغوطًا أمريكية متزايدة.
لكن التغيير لا يأتي من القادة فقط. إنه يأتي من الشعب الذي يرفض الاستسلام، من المعلم الذي يدرس في الظلام، من الطبيب الذي يعالج病人的 انقطاع الكهرباء، من رجل الأعمال الذي يواصل العمل رغم الصعاب. التغيير يأتي من كل عراقي يرفض أن يكون مستقبل بلاده رهينة للفساد والفشل.
- تجارب ناجحة في المنطقة
ليس العراق وحده من عانى من أزمات الكهرباء والمالية. فهناك دول في المنطقة تمكنت من تجاوز أزمات مشابهة من خلال الإرادة السياسية والإصلاحات الجريئة. يمكن للعراق أن يتعلم من تجارب هذه الدول، وأن يطبق ما يناسب ظروفه.
- دور المجتمع المدني والإعلام
يلعب المجتمع المدني والإعلام المستقل دورًا محوريًا في كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين. في السنوات الأخيرة، تصدرت وسوم مثل "ماكو كهرباء" منصات التواصل الاجتماعي، معبرة عن معاناة الشعب. هذا الضغط الشعبي يمكن أن يكون قوة دافعة للتغيير، إذا ما تم توجيهه بشكل بناء ومسؤول.
- الاستثمار في الإنسان
في النهاية، الحل الحقيقي لأزمات العراق يكمن في الاستثمار في الإنسان العراقي. فالتعليم والصحة والتدريب المهني هي الأساس لبناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود. والكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان، وشرط أساسي لأي تنمية.
ختامًا ، في قلب بغداد، حيث تتلاقى حضارات العالم القديم، حيث شُيدت قصور الخلفاء وحيث دوّنت أمهات الكتب، لا يزال العراقيون يحلمون. يحلمون بليلة تنطفئ فيها المولدات ويهدأ الضجيج، ويحل مكانه نور الكهرباء الوطني الهادئ. يحلمون بصباح لا يبدأ بالاستماع إلى صوت المولد لمعرفة ما إذا كان سيعمل اليوم أم لا. يحلمون بأطفال لا يكبرون وهم يعرفون أن الظلام رفيقهم الدائم.
هذه الأحلام ليست مستحيلة. فالعراق يمتلك كل المقومات ليكون دولة مزدهرة: الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، والتاريخ العريق، والأهم من ذلك، الشعب الذي صمد أمام أعتى التحديات. ما ينقص العراق هو الإرادة السياسية، والشفافية، ومكافحة الفساد، والتخطيط الاستراتيجي.
إن أزمة الكهرباء وأزمة التقشف المالي وجهان لعملة واحدة: عملة الفساد وسوء الإدارة والاعتماد على الريع النفطي. وحل إحداهما دون الأخرى مستحيل. فالإصلاح المالي يحتاج إلى كهرباء لدفع عجلة الإنتاج، والكهرباء تحتاج إلى تمويل وإدارة رشيدة.
لكن الطريق إلى النور يبدأ بخطوة. وهذه الخطوة يمكن أن تكون اليوم. يمكن أن تكون بإصلاح مؤسسي جريء، أو بقانون لمكافحة الفساد، أو باستثمار في الغاز المحلي، أو بمشروع للطاقة الشمسية. المهم أن نبدأ، وألا ننتظر حتى يصبح الوضع أسوأ مما هو عليه.
العراق، هذا البلد العريق الذي أعطى العالم الحروف الأولى للكتابة، والقوانين الأولى للعدالة، والأشعار الأولى للحب، يستحق أكثر من هذا. يستحق أن يضيء سماؤه بالأنوار لا بالقنابل. يستحق أن يعيش أبناؤه في رخاء وكرامة.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟