احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 00:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
نعتقد في كثير من الأحيان أن "الحقيقة" كيان مجرد ومستقل، نكتشفه بالبحث والعقل!، وأن "القانون" هو الميزان العادل الذي يحمي هذه الحقيقة!، بينما يقف "العقاب" كجزاء طبيعي لمن يتجاوزها. لكن القراءة العميقة لفلسفة السلطة تشير إلى عكس ذلك تماماً: الحقيقة ليست شيئاً نكتشفه، بل هي منتَج تصنعه السلطة وتفرض حدوده.
لم يكن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يرى السلطة مجرد أداة قمعية تشمل الشرطة والمؤسسات الحاكمة، بل رآها شبكة ممتدة تنتج "المعرفة" وتصيغ "الخطاب". في مفهومه الشهير عن "نظام الحقيقة" (Regime of Truth)، أوضح فوكو أن كل مجتمع يمتلك آلياته الخاصة التي يحدد بها ما هو "صحيح" وما هو "خاطئ"، ومن يملك حق التحدث باسم الحقيقة.
القوانين في هذا السياق ليست سوى صياغة تشريعية لشرعنة ما قررته السلطة مسبقاً أنه "حقيقة". أما العقاب -سواء كان سجناً أو نفياً أو إعداماً- فليس مجرد ردع، بل هو طقس علني أو مؤسسي للتأكيد على قداسة هذه الحقيقة وأبديتها، وإرسال رسالة مفادها أن الخروج عليها هو خروج على نظام العالم نفسه.
ماذا يحدث عندما تعجز السلطة عن إخضاع الفرد عبر العقاب التقليدي؟ أو عندما يغدو عقابه المباشر مجازفة قد تجعل منه بطلاً أو شهيداً في نظر الآخرين؟.
هنا تبرز الحيلة الأقدم والأكثر دهاءً في تاريخ السلطة: نزع الأهلية العقلية!.
في كتابه التأسيسي "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، كشف فوكو كيف أن "الجنون" لم يكن دوماً مفهوماً طبياً خالصاً، بل تم اختراعه وتشكيله اجتماعياً وسياسياً. في العصور الوسطى، كان يُنظر إلى "المجنون" أحياناً كصاحب بصيرة أو امتياز روحي، لكن مع قيام عصر النهضة وظهور دولة العقل والإنضباط، تحول كل من لا ينسجم مع المعايير الإنتاجية والأخلاقية للسلطة إلى "غير عاقل".
عندما تعجز المؤسسة عن تفكيك حجة الخصم بالقانون، فإنها تعيد تصنيفه طبياً أو نفسياً. إن تحويل المخالف من "معارض صاحب فكرة" إلى "مريض فاقد للأهلية" هو إخصاء سياسي كامل؛ فهو يجرد كلامه من أي قيمة منطقية، ويحول نعرة رفده للواقع إلى مجرد "أعراض مرضية" تستوجب العزل والتطبيب بدلاً من النقاش والمحاكمة.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟