أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد كانون - الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:














المزيد.....

الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 04:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما ننظر إلى المشهد السياسي الإيراني المعاصر، بعيداً عن الحجج التوسعية المؤدلجة، نجد أنفسنا أمام ظاهرة تتجاوز إطار (الدولة الوطنية) الحديثة. طهران لا تتصرف كعاصمة دولة ذات حدود سياسية فحسب، بل كمركز لدولة تتنفس بعمق إرث إمبراطوري. هذا العقل الاستراتيجي لا يُفهم إلا بالغوص في أعماق السيكولوجية الفارسية، حيث تندمج البراغماتية الصلبة مع المخيال التاريخي في تشكيل الحاضر.
لا تستمد إيران قوتها التفاوضية من تفوق عسكري أو اقتصادي تقليدي، بل من تراث تكتيكي نفسي متجذر في ثقافتها. على طاولة المفاوضات، يعامل الإيراني الزمن كحليف استراتيجي، مستلهماً صبر (حياكة السجاد العجمي) ان صح الوصف!. إنه عمل بطيء ودقيق، يعتمد على استنزاف الخصم بإغراقه في التفاصيل المعقدة، حتى تكتمل الصورة النهائية غرزةً بغرزة.
يترافق هذا الصبر مع إتقان فن (الغموض). كما لاحظنا يدفع الإيراني الأزمة إلى حافتها ليحصد أكبر قدر من التنازلات في اللحظة الحرجة، ثم يحتفظ بخطوط رجعة تحفظ ماء الوجه. هذا ما تجلى بوضوح في إدارة الملف النووي على مر السنين، وفي الطريقة التي استخدم فيها وكلاءه، حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، لتحويل أي حوار ثنائي إلى معركة شطرنج إقليمية واسعة، يستثمر فيها التناقضات كأوراق رابحة.
يبدو الخطاب السياسي الحالي في طهران، رغم صبغته الأيديولوجية والمذهبية، إعادة إنتاج حديثة للروح الإمبراطورية الفارسية. تتجلى هذه الازدواجية في عقيدة (أم القرى) التي تضع طهران في قلب العالم الإسلامي. هذه الرؤية ليست وليدة الثورة، بل امتداد طبيعي لنظرة الفرس القدماء إلى إمبراطوريتهم كمركز الحضارة والنور (إيران شهر).
هذا الاستعلاء الثقافي يتحول سياسياً إلى سعي مستمر لتأمين المجال الحيوي التاريخي. وحتى النظام السياسي الحالي يحمل بصمات تاريخية واضحة؛ ففكرة (الحق الإلهي) لدى الساسانيين لم تختفِ، بل تكيفت لتظهر اليوم في شكل مؤسسات تجمع بين السلطة السياسية الدنياوية والمرجعية الروحية الاخروية!.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف نجت هذه الثقافة من تتالي الغزوات والإمبراطوريات على مر التاريخ؟ السر يكمن في المزاوجة النادرة بين صلابة الهوية ومرونة السياسة. اللغة الفارسية كانت خط الدفاع الأول، والشاهنامة للفردوسي لم تكن مجرد ملحمة شعرية، بل مشروعاً قومياً لحفظ الذاكرة الجماعية أمام خطر الذوبان. أما النظام البيروقراطي (الديوان) فقد كان سلاحاً صامتاً ولكنه قاتل؛ إذ سرعان ما وجد كل غازٍ نفسه مضطراً للاعتماد على الكُتّاب والوزراء الفرس، فانقلب الغالب مغلوباً ثقافياً. ولم تكتفِ الثقافة الفارسية بحفظ لغتها، بل حافظت على طقوسها، كعيد النيروز، ودمجتها ببراعة مع الهويات اللاحقة، لتصبح جسراً حياً ينقل الانتماء عبر الأجيال.
ولا يمكن فهم هذه السيكولوجية دون ملاحظة التقاطع اللافت مع الحضارة الصينية. كلتاهما ترفض قوالب الدولة الغربية الحديثة. يشتركان في النظرة الاستعلائية التي ترى في حضارتهما محور العالم، وفي قدرتهما على (ابتلاع) الغزاة ثقافياً، كما فعل الفرس مع غزاتهم، وكما فعلت الصين مع المغول والمانشو.
استراتيجياً، تلتقي السياسة الإيرانية بالصينية في تفضيل التطويق البطيء، وتجنب الصدام المباشر، واستثمار (النفَس الطويل) لتغيير الواقع على الأرض بهدوء وصبر.

لا يمكن قراءة تحركات طهران اليوم بمعزل عن هذا الإرث العميق. إنها ليست دولة تبحث عن مصالح عابرة، بل إمبراطورية تُكمل صفحة تاريخية قديمة، مستخدمة أدوات العصر لاستعادة أمجاد يحفظها الوعي التراثي الجمعي!.
.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:
- الروابط البشرية القبلية؟ ام -الروابط الضعيفة- في عالم معقد:
- أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-
- المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء
- وهم السيادة: كيف تختزل الطبيعة دور الذكر في رحلة البقاء؟
- حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟ ...
- درع الملامح الغاضبة: جينات البقاء في صباحاتنا:
- الإنسان الأعلى في عصر -العقد البيولوجية-: تجاوز الخوارزمية ن ...
- ​ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة الت ...
- ​ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاري ...
- إرادة القوة: ما وراء الصدفة في رحلة التاريخ الليبي
- الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.
- الصفعة الأولى: في جدلية الاغتراب
- تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟ ...
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:
- السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخ ...
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...


المزيد.....




- جمهور الفراعنة ينتظر المباراة مع إيران
- -معركة البقاء-.. الحرب في السودان أزمة يومية لملايين المدنيي ...
- إسرائيل تغرق مخيم المغازوي بالإسمنت
- دفع ثمن ثقته المفرطة.. مؤثر أردني يتصدر الترند بعبارة -سمّون ...
- لحظة صعود البحرية الفرنسية على ناقلة مشتبه بأنها ضمن الأسطول ...
- سجناء معارضون في تونس يدعون إلى توحيد الصفوف للدفاع عن الديم ...
- لوكاشينكو: أخبرت ممثلي زيلينسكي بأن طبيعة الحرب ستتغير على ا ...
- موسكو: نبحث إرسال مساعدات إنسانية لفينزويلا
- ألمانيا توقف مشروعا عسكريا فاشلا بعد بروز مشاكل خطيرة رغم تك ...
- بعد 20 عاما.. الكشف عن الساعات الأولى بعد أسر الجندي الإسرائ ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد كانون - الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض: