أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخي-:














المزيد.....

السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخي-:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 17:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


​هناك نوعان من الزعماء: الأول، هو نتيجة إفراز قاعدة شعبية؛ صنعته الجماهير لغاية نفسية جمعية لمواجهة حالة من الـ "أنوميا" (فقدان المعايير واليقين)، وفي الغالب هو "طوطم" كُلّف بما ليس هو. والثاني، هو زعيم قدم فكرة وحلاً ألهم به قاعدة شعبية، هي في أمس الحاجة والعوز للتغيير.
​هذا المدخل ليس مجرد توصيف سياسي عابر، بل هو تفكيك لجدلية السلطة. إن صعود القيادات في التاريخ البشري ليس حدثاً خطياً بسيطاً، بل هو استجابة ديناميكية لـ "النظام الكامن" (Implicate Order) الذي يحكم حركة المجتمعات في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى.
​الزعيم الطوطم: صنيعة الأنوميا وإسقاطات العجز!:
​عندما تنهار الهياكل التقليدية وتدخل المجتمعات في حالة من السيولة وفقدان البوصلة، يرتد العقل الجمعي لا شعورياً إلى غرائزه البدائية باحثاً عن النجاة. في هذه اللحظات، لا يبحث الجمهور عن خطة استراتيجية أو هيكل مؤسسي للإنقاذ، بل يبحث عن "مُسكّن" نفسي يعيد له وهم السيطرة. هنا يتم إفراز الزعيم الأول: "الطوطم"؟!.
​هذا الزعيم لا يمتلك وكالة حقيقية، بل هو مجرد وعاء فارغ تُسقط عليه الجماهير مخاوفها، أحلامها، وعجزها. لقد كُلّف بدور يتجاوز قدراته الموضوعية؛ فهو لم يصعد بمشروع، بل صعد بـ "حالة". هو محكوم بديناميكية القطيع، يقوده العقل الجمعي المضطرب أكثر مما يقوده هو.
​من التاريخ: يمكن قراءة صعود ماكسيميليان روبسبير إبان الثورة الفرنسية كنموذج فاقع لـ "الزعيم الطوطم". لقد أفرزته حالة الرعب والفوضى التي اجتاحت فرنسا بعد الانهيار المفاجئ للنظام الملكي. لم يمتلك روبسبير حلاً هيكلياً مستداماً لبناء الدولة، بل تحول إلى طوطم لـ "الفضيلة الدموية" التي أسقطت عليها الجماهير غضبها وانتقامها. وبمجرد أن استنفد هذا الطوطم غايته النفسية وتبددت نشوة الجماهير، افترسته الحالة ذاتها على المقصلة!.
​الفاعل التاريخي: مهندس التوليفة الجدلية وصانع الحل:
​على النقيض تماماً، يبرز النوع الثاني من القيادة؛ الزعيم الذي يمتلك وكالة حقيقية (Evolutionary-Machiavellian Agency). هذا القائد لا يكتفي بالاستثمار في الفراغ النفسي، بل يقرأ التناقضات التاريخية ويدرك بعمق حالة "العوز للتغيير" التي تعتصر القاعدة الشعبية.
​إنه يتدخل في قلب الفوضى ليقدم فكرة أو مشروعاً يمثل "توليفة" (Synthesis) بالمعنى الجدلي. هو لا يساير الغرائز الجمعية العشوائية، بل يعيد هيكلتها وتوجيهها نحو نظام جديد؛ مقدماً حلاً ملموساً يضمن بقاء وتقدم المجتمع.
​من التاريخ: النموذج الأبرز هنا هو أوتو فون بسمارك في ألمانيا. واجه بسمارك قاعدة شعبية ألمانية مشتتة بين إمارات متناحرة، تعيش حالة من الضعف أمام القوى الأوروبية المحيطة، وفي أمس الحاجة لهوية وكيان يحميها. لم يتحول بسمارك إلى صنم شعبوي يستجدي عواطف الألمان، بل قدم "حلاً" وفكرة مركزية: توحيد ألمانيا بالدم والحديد. لقد استخدم فهمه العميق للجدلية التاريخية والمناورات الاستراتيجية ليلهم الجماهير ويقودهم نحو بنية دولة صلبة (الرايخ الثاني)، محولاً الحاجة العميقة للتغيير إلى واقع جيوسياسي غيّر وجه أوروبا.
​كذلك، يمكن النظر إلى لي كوان يو في سنغافورة كمهندس لتوليفة حديثة؛ فقد تسلم مجتمعاً ممزقاً عرقياً ومطروداً من الاتحاد الماليزي (في ذروة الأنوميا)، لكنه لم يلعب دور المعزي النفسي، بل فرض حلاً عملياً صارماً حوّل به مستنقعاً إلى واحدة من أقوى النمور الاقتصادية.
​خلاصة القول: إن الفارق بين الزعيمين هو الفارق بين العَرَض والعلاج. الأول تعبير عن مرض المرحلة ومحاولة المجتمع تخدير نفسه، وهو محكوم بالانهيار بمجرد اصطدامه بصلابة الواقع لأنه مجرد انعكاس لحالة انفعالية. أما الثاني، فهو محفز التطور؛ الفاعل الذي يستخدم قواعد اللعبة لكسر الجمود، خالقاً نظاماً جديداً من رحم الفوضى. التاريخ قد يرفع الطواطم مؤقتاً، ولكنه لا يُصنع إلا بأيدي مهندسي الحلول.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...
- حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:
- المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقا ...
- تأملات في أدوات الفهم المعقد: نحو نظرية قانونية للتاريخ والم ...
- التفسير الخطي والخوارزمي لمآلات العلمنة: نحو مأسسة -ما بعد ا ...
- ديالكتيك الآلهة: التفسير الخطي البيولوجي والسياسي للانتقال م ...
- التطور الجيني والسلوكي للتوجه الجنسي: قراءة تحليلية من الأسا ...
- الإطار الفسيولوجي للتغذية البشرية: تفكيك -عدم التطابق التطور ...
- هندسة البقاء: قراءة فلسفية في النقلة التطورية للثدييات
- فرضية الإدارة الاستراتيجية للطب التطوري: تكامليا مع الطب الس ...
- في عصر الخوارزميات المالية: مورفولوجيا الافتراس الرقمي ووهم ...
- الجسد الأنثوي في فخ الاستلاب: نحو مفاهيم إدراكية للجمال والش ...
- نحو وعي جديد ومعنى صلب: إعادة تعريف السلطة والإنسان في عصر ا ...
- في عصر الخوارزميات: -صناعة المعنى الصلب!- في عالم سائل؟
- أيهما جاء أولاً: الانفجار العظيم أم الأكوان المتوازية؟ جولة ...
- تراجيديا!! : ديالكتيك البيولوجيا العاجزة والكمال الرقمي : (ا ...
- الاصطناعي حي.. ووعينا حي.. ونحن الاثنان أموات!!
- جدلية السيرورة والصيرورة: هندسة التفاضل والتكامل في الوعي ال ...
- ثلاثية الحتمية والضجيج: مقاربة أكاديمية بين هيجل، بوم، ولورن ...
- ثلاثية التعقيد المعرفي: تفكيك المسار التاريخي الليبي من الغا ...


المزيد.....




- روسيا: بيانات اليونيسكو تتجاهل الصحفيين القتلى
- سارة نتنياهو تخسر دعوى قضائية أمام مربية سابقة في منزلها وفر ...
- محكمة ألمانية تؤجل النظر في -فضيحة الديزل- لفولكس فاغن
- التحالف يعلن اعتراض وتدمير طائرتين مسيرتين في منطقة الرياض
- إيسنا: بوتين ورضائي يبحثان التطورات في غرب آسيا ويؤكدان مواص ...
- الخليج.. منع التصعيد والضمانات المطلوبة
- ما حقيقة فيديو وصول الحوثيين إلى قاعدة العند الجوية الكبرى ب ...
- الخليل.. انسحاب القوات الإسرائيلية
- غزة.. حصار يهدد عمل المستشفيات
- الملك الأردني: الإرهاب لن ينال من وحدتنا


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخي-: