أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:














المزيد.....

حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


بابتسامة وادعة، ألقى صديقي جملته العابرة و هو يمدح احدهم: "أنه شخص خجول، طيبٌ و مهذب" . رددها متاتاليات!، كأنها يقين لا يتطرق إليها الشك، أو حكمة أصيلة صاغتها الأيام ولا تقبل الجدال او الفصل! . غير أن شيئاً ما في داخلي توقف طويلاً عند تلك الكلمات. العبارة ذاتها، والنبرة نفسها، لكنها تجلت لي فجأة كقذيفة موقوتة، تحمل في طياتها معنىً أكثر غوراً.. وأشد قسوة.
تساءلت في سري: من أين ينبع الخجل؟ ولماذا نربطه دوماً بالتهذيب؟ هل التهذيب حقاً فضيلة أخلاقية سامية، أم أنه مجرد قناع أنيق يخفي وراءه خوفاً سحيقاً؟
رقصة البقاء في الغابة الأولى! :
قادني التفكير إلى مشهد خيالي، لكنه يلامس جوهر الحقيقة:
في غابة أفريقية موغلة في القدم، كان قرد يافع يتنقل بين الأغصان. لمح أنثى فاقترب يغازلها بحركات فطرية بريئة. لكن لسوء طالعه، كان زعيم القطيع يقف بالجوار، يرمقه بنظرات صارمة لا تعرف الهوادة.
لم يجرؤ القرد الصغير حتى على رفع عينيه نحو الزعيم. لقد نطقت غريزة البقاء فيه قبل أن يستوعب عقله الموقف: سَمّر بَصَره في الأرض، طأطأ رأسه، وارتجف جسده متقوقعاً على ذاته. لم يكن هذا الانكسار "تهذيباً" بمقاييسنا المعاصرة، بل كان إعلاناً صامتاً بالهزيمة، وطاعةً عمياء، وتوسلاً غريزياً للنجاة.
تأمل الزعيم هذا المشهد، ولما رأى الخوف يتجسد أمامه، تراجع. فما الداعي لافتراس من رفع راية الاستسلام مسبقاً؟
على مر آلاف السنين، تكررت هذه الرقصة البقائية: ذكور تتجرأ على الاقتراب، زعماء تظهر فجأة، ورؤوس تنحني نحو التراب. ومع تعاقب الأجيال، تعقدت اللعبة وتطورت. لم يعد خفض البصر كافياً، بل صاحبته وجنات تحتقن بالدم، وأجساد تتصبب عرقاً، وأنفاس تضيق، وأصوات تختنق. كانت هذه التطورات الفسيولوجية لغةً أكثر بلاغة وإقناعاً في إثبات الخضوع.
وهذا المزيج المتوارث.. هو ما أطلقنا عليه لاحقاً اسم الخجل.
جينات الخوف وأقنعة الحضارة!.
وها نحن في عصرنا الحاضر. ذلك القرد المذعور لم يفنَ، بل سكن عميقاً في شفرتنا الجينية. كل إنسان يولد حاملاً أثراً من ذلك المشهد البدائي. فحين يخطئ الطفل، يحمر وجهه ويخفض بصره. وحين نقف أمام حشد من الناس، تقرع قلوبنا كالطبول. وحين نتلقى كلمة قاسية، نلوذ بالصمت والانسحاب بدلاً من المواجهة والصراحة.
نحن نغلف هذه التفاعلات بأسماء رقيقة كـ "الحياء"، أو "اللباقة"، أو "الحساسية". لكن الجذر القابع تحت كل هذه التسميات واحد: إنه الخوف. الخوف من العقاب، الخوف من الرفض، والخوف من الإقصاء والنبذ.
ومثله مثل الحرباء التي تتلون فزعاً من الخطر لا حياءً من الناظرين، وكالأرنب الذي يتسمر في مكانه رعباً من المفترس لا احتراماً لمروره؛ نحن البشر تفوقنا في فن التمويه. لقد أخذنا الخوف البدائي وصنعنا منه فناً، ثم أسبغنا عليه مسميات براقة: الاحترام، اللياقة، الذوق، والتواضع.
من الخضوع إلى الإنسانية! :
في هدوء المساء، جلست أسترجع صدى جملة صديقي: "الخجل من الثدييات إلى البشر... شخص خجول ومهذب!".
أدركت حينها حقيقة كانت غائبة عني: ربما لا يوجد تهذيب يخلو من خوف دفين، ولا خجل يخلو من خضوع عتيق يتوارثه الأبناء عن الآباء منذ فجر التاريخ.
غير أن الروعة الحقيقية في القصة تكمن في قدرة الإنسان المتفردة على تحويل هذا الخوف الغريزي إلى جسر للتواصل الوجداني. الخجل في نسخته الإنسانية الحديثة لم يعد مجرد استسلام أعمى، بل غدا أداة نبيلة تعكس:
حساسية مرهفة تجاه مشاعر الآخرين.
تواضعاً حقيقياً يكبح جماح الأنا.
نافذة شفافة تطل على روح رقيقة تخشى أن تخدش أرواح من حولها.
ولعل هذا ما قصده صديقي بنبرته الفخورة. لعله رأى في ذلك الخجل إنساناً أتقن ترويض الخوف القديم، وصاغ منه إنسانية راقية وواعية.

الخجل ليس وصمة ضعف، بل هو ذاكرة حية تذكرنا بأيام كنا فيها كائنات خائفة تصارع للبقاء. أما التهذيب، فهو ذلك الثوب الحريري الجميل الذي حاكته الأجيال لتستر به عورة الخوف، ليتحول من علامة على الذل إلى وسام للوعي والرقي.
في نهاية المطاف، ربما نحن جميعاً كائنات مهذبة، نطأطئ رؤوسنا أحياناً، وتتورد وجناتنا بخجل، لنثبت للعالم.. أننا ارتقينا لنصبح بشراً.
و أخيراً طرحت سؤال على نفسي:" هل عدم الرد على صديقي و اكتفائي بكتابة هذه الخاطرة؛ هو بسبب الخجل ذاته الذي اصابني!؟".



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقا ...
- تأملات في أدوات الفهم المعقد: نحو نظرية قانونية للتاريخ والم ...
- التفسير الخطي والخوارزمي لمآلات العلمنة: نحو مأسسة -ما بعد ا ...
- ديالكتيك الآلهة: التفسير الخطي البيولوجي والسياسي للانتقال م ...
- التطور الجيني والسلوكي للتوجه الجنسي: قراءة تحليلية من الأسا ...
- الإطار الفسيولوجي للتغذية البشرية: تفكيك -عدم التطابق التطور ...
- هندسة البقاء: قراءة فلسفية في النقلة التطورية للثدييات
- فرضية الإدارة الاستراتيجية للطب التطوري: تكامليا مع الطب الس ...
- في عصر الخوارزميات المالية: مورفولوجيا الافتراس الرقمي ووهم ...
- الجسد الأنثوي في فخ الاستلاب: نحو مفاهيم إدراكية للجمال والش ...
- نحو وعي جديد ومعنى صلب: إعادة تعريف السلطة والإنسان في عصر ا ...
- في عصر الخوارزميات: -صناعة المعنى الصلب!- في عالم سائل؟
- أيهما جاء أولاً: الانفجار العظيم أم الأكوان المتوازية؟ جولة ...
- تراجيديا!! : ديالكتيك البيولوجيا العاجزة والكمال الرقمي : (ا ...
- الاصطناعي حي.. ووعينا حي.. ونحن الاثنان أموات!!
- جدلية السيرورة والصيرورة: هندسة التفاضل والتكامل في الوعي ال ...
- ثلاثية الحتمية والضجيج: مقاربة أكاديمية بين هيجل، بوم، ولورن ...
- ثلاثية التعقيد المعرفي: تفكيك المسار التاريخي الليبي من الغا ...
- البيوقراطية: طاحونة السلطة و فوضى المكاتب( تأمل ثقافي)
- تشريح النوايا: بين حتمية اليقظة وإدارة -مخاطر الثقة-


المزيد.....




- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...
- رُكام الأسى في قصيدة -الحزن وباء عالمي- لإدريس سالم
- مدير عام الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية: حريص ...
- عن الخوف وشرطة الفكر
- -بابيون-عملاقة.. ديمي مور تظهر بـ -فستان ضخم- في مهرجان كان ...
- في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان: