أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-














المزيد.....

أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 04:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في كل يوم، نمرر هذه الكلمات البسيطة عبر شفاهنا عشرات المرات: "كيف حالك؟". نطرحها على عامل المقهى، وزميل المصعد، والغريب الذي اصطدمنا به صدفة في الشارع. لا نتوقع إجابة تفصيلية، وفي الغالب لا نملك الوقت لسماعها، وتكفينا كلمة "بخير" لنواصل طريقنا. لقد توقفت مؤخراً لأسأل نفسي: لماذا نلقي هذا السؤال على أشخاص لا نعرفهم؟ إن التأمل في هذا السلوك الروتيني المبتذل يكشف لنا أنه أبعد ما يكون عن البراءة أو السطحية؛ بل هو مسرحية إنسانية معقدة تلتقي فيها غريزة البقاء القديمة، بتعقيدات علم النفس، وعمق الفلسفة.

لو عدنا بالزمن إلى العصور الأولى، لكان لقاء الغريب في البرية يمثل لحظة مصيرية؛ فإما أن يكون حليفاً، أو منافساً، أو تهديداً مباشراً. من منظور علم النفس التطوري، هذه التحية العابرة هي في جوهرها أداة مسح رادارية سريعة. نحن نجبر الغريب على التحدث لنتمكن، في أجزاء من الثانية، من تحليل نبرة صوته ولغة جسده، ونقرر ما إذا كان مسالماً أم يضمر عدواناً.
إلى جانب ذلك، تعمل هذه الكلمات كشكل من أشكال التمسيد أو التهيئة الاجتماعية (Social Grooming). إنها إعلان شفهي خفي أقول فيه للآخر: "أنا أراك، أنا أعترف بوجودك، وأنا لست خطراً عليك؛ فهل أنت مستعد لتفاعل سلمي؟".

أما في عالمنا المعاصر والسريع، يخبرنا علم النفس الحديث أننا نستخدم هذه التحية كأداة لضبط إيقاع التفاعلات اليومية. إنها ما يُعرف لغوياً بـ التواصل الفاتي (Phatic Comm-union-)؛ أي الكلمات التي لا تهدف لنقل معلومات جديدة، بل لاختبار جودة الاتصال وتأكيد الوجود المشترك، تماماً كاختبار الميكروفون قبل بدء الحديث الفعلي!.
التعامل مع الغرباء يستهلك طاقة معرفية وعاطفية عالية. لذا، نلجأ إلى ما يُسمى بـ "السيناريوهات الاجتماعية" الجاهزة لتقليل القلق المصاحب لتلك اللقاءات. سؤال "كيف حالك؟" يوفر لنا ملاذاً آمناً ونتيجة متوقعة. والأهم من ذلك، أن هذه التفاعلات الصغيرة مع الغرباء تمنحنا جرعات يومية من "الروابط الضعيفة" (Weak Ties)، وهي خيوط اجتماعية دقيقة أثبتت الدراسات أنها أساسية للحفاظ على توازننا النفسي وشعورنا بالانتماء لنسيج المجتمع.
و في هذه اللحظة العابرة؟ ومن المنطق النيتشاوي وإرادة القوة: قد ينظر إلى هذا السؤال المكرر باشمئزاز، معتبراً إياه تجسيداً لـ "أخلاق القطيع". نحن نسأل لأننا نخشى التفرد، ونفضل الانصياع لقواعد اللياقة الزائفة التي توفر وهم الأمان!. لكن من زاوية أعمق، و من"إرادة قوة"!؛ فالمبادر بالسؤال هو من يفرض إيقاع اللحظة، ويجبر الغريب على التوقف والاستجابة وفقاً لقواعده، محولاً المجهول إلى كيان مروض ولو لثوانٍ معدودة.
اما من منطق يونجي و بفهمي لهذا التفاعل هو الوظيفة الأسمى لـ "البرسونا" (Persona)، ذلك القناع الاجتماعي الذي نرتديه لنعبر بأمان وسط الزحام. عندما أسأل الغريب "كيف حالك؟" ويجيبني "بخير"، فنحن هنا لا نتواصل كذوات إنسانية حقيقية وعميقة. إنها ببساطة مصافحة أنيقة بين "قناعين"، تحمي ذواتنا الهشة وتخفي فوضى "الظل" عن أعين المارة.
أما المنطق الفرويدي، فسيعيد الأمر برمته إلى الصراع الأبدي بين غرائزنا العميقة وقوانين المجتمع. الغريب بالنسبة للعقل الباطن (الهو - Id) يثير إما الريبة والعدوان أو الرغبات الفجة. لكي لا يتحول الشارع إلى فوضى، يتدخل "الأنا الأعلى" (Superego)، ممثل الحضارة والأخلاق، ليقوم بكبت هذه الدوافع الحيوانية، ويستبدلها بسؤال مهذب ومتحضر. إنها ضريبة ندفعها للتمدن؛ غلاف دبلوماسي نغلف به توجسنا لنضمن بقاء المجتمع متماسكاً.
في المرة القادمة التي تقف فيها في طابور أو تدخل مصعداً، وتسأل غريباً "كيف حالك؟"، تذكر أنك لا تسأل عن حاله حقاً. أنت تشارك في طقس بشري عريق ومعقد، تمزج فيه بين حذر إنسان الكهف، وذكاء الكائن الاجتماعي المعاصر!. إنها جملة صغيرة جداً، لكنها تحمل على عاتقها عبء الحفاظ على سلامة الحضارة البشرية بأكملها.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء
- وهم السيادة: كيف تختزل الطبيعة دور الذكر في رحلة البقاء؟
- حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟ ...
- درع الملامح الغاضبة: جينات البقاء في صباحاتنا:
- الإنسان الأعلى في عصر -العقد البيولوجية-: تجاوز الخوارزمية ن ...
- ​ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة الت ...
- ​ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاري ...
- إرادة القوة: ما وراء الصدفة في رحلة التاريخ الليبي
- الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.
- الصفعة الأولى: في جدلية الاغتراب
- تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟ ...
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:
- السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخ ...
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...
- حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:
- المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقا ...
- تأملات في أدوات الفهم المعقد: نحو نظرية قانونية للتاريخ والم ...


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-