أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟:















المزيد.....

تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 17:27
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



​رغم التطور العلمي والمنطقي الهائل، وما استتبعه من تطور في إدراكنا للحقائق، تظل بعض الأوهام، والأساطير، والتصورات غير العقلانية هي القوة الأكثر فاعلية وتأثيراً. إنها المحرك الأساسي في توجيه السلوك الفردي والجماعي، طالما أن ديناميكيتها تصب في صالح غريزة البقاء واستمرار النوع البشري. نحن أمام مفارقة كبرى: حتى وإن سقطت أوهام وأساطير قديمة، فإنها لا تسقط إلا لتُخلي المكان لحقيقة بديلة أو منظومة أخلاقية جديدة، يجب أن تكون بدورها في خدمة غريزة البقاء ذاتها.
​للولوج إلى هذا الواقع وتفكيكه، لابد من تسليط الضوء على خمس زوايا أساسية، تتسلسل زمنياً وبنيوياً لفهم علاقتنا المعقدة مع الحقيقة:
​الوظيفة التكيفية للوهم:
لا تخلو المعتقدات غير العقلانية من غاية؛ فهي تُحسن القدرة على الصمود النفسي. العقل السليم يحتاج إلى جرعة من تضخيم الذات ليمتلك طاقة الاستمرار. الأشخاص الذين يتمتعون بـ"أوهام إيجابية" هم غالباً أكثر إنتاجية وأقل عرضة للاكتئاب.
​ كفاءة استهلاك الطاقة:
العقل البشري مُصمم بالأساس لحفظ الطاقة، لا للبحث عن الحقيقة المطلقة. الأوهام تُبسط التعقيدات وتوفر إجابات جاهزة وسريعة تستهلك موارد إدراكية أقل بكثير من التحليل المنطقي الشاق، وهي الآلية ذاتها التي تمنح نظريات المؤامرة جاذبيتها.
​الغراء الاجتماعي:
الأساطير المشتركة (الوطنية، الدينية، الثقافية) تُشكل رابطاً اجتماعياً يفوق في قوته وتأثيره الحقائق المجردة. كما أشار نيتشه، فإن "الأكاذيب الضرورية" تمثل حجر الزاوية الذي تقوم عليه الحضارات وتحافظ عبره على تماسكها الجمعي.
​التخلف البيولوجي (عدم التطابق التطوري):
تتغير آلياتنا البيولوجية ببطء شديد مقارنة بسرعة التقدم العلمي. النتيجة الحتمية هي تطور وعي جمعي ثقافي يُدار بأدمغة لا تزال تحمل بصمات وغرائز عصور السافانا القديمة.
​ صناعة الوهم في العصر الرقمي:
الخوارزميات تُفضل المحتوى العاطفي على العقلاني لأنه يولد تفاعلاً أعلى. وحتى مخرجات الذكاء الاصطناعي قد تنزع نحو الشعبوية، لأن البيانات التي يتغذى عليها كُتبت، في جوهرها، بغرائز العصر الحجري.
​الفرز الحضاري: بين الوهم البنّاء والوهم المدمّر:
​هنا يكمن التحدي الحضاري؛ فليست كل الأوهام شراً يجب اجتثاثه، وليست كلها دروعاً تحمينا. الخيط الرفيع الذي يفصل بينهما هو مدى خدمة هذا الوهم لـ "الفاعلية التطورية" وقدرته على استدامة الحياة. لتوضيح هذه المفارقة، يمكن استعراض أمثلة من واقعنا الملموس:
​ أمثلة على "الوهم الإيجابي" (البنّاء):
​وهي المنظومات الاعتقادية التي قد لا تكون دقيقة علمياً أو موضوعياً بنسبة 100%، لكنها تولّد طاقة فاعلة وتدعم استمرار النوع:
​تأثير الدواء الوهمي (Placebo Effect): من أوضح الأمثلة البيولوجية. مجرد الاعتقاد الزائف بأن حبة السكر هي دواء فعّال، يحفز الدماغ على إفراز مواد كيميائية (مثل الإندورفين) تؤدي فعلياً إلى تخفيف الألم وشفاء الجسد. الوهم هنا خلق حقيقة مادية ملموسة.
​وهم السيطرة والمبالغة في التفاؤل لدى رواد الأعمال: تشير الإحصائيات المجردة إلى أن الأغلبية الساحقة من الشركات الناشئة تفشل. لو اعتمد رواد الأعمال على الحقيقة الإحصائية الباردة، لتوقف الابتكار البشري. لكن "الوهم الإيجابي" بأنهم الاستثناء للقاعدة هو ما يدفعهم للمخاطرة، وبناء إمبراطوريات اقتصادية تخدم البشرية.
​الإيمان بالعدالة الكونية المطلقة: رغم أن الطبيعة قاسية ولا تعترف بالعدالة، إلا أن إيمان الأفراد العميق بأن "الخير سينتصر حتماً" يمنحهم المناعة النفسية ضد اليأس، ويدفعهم لتأسيس قوانين، ومحاكم، ومنظومات حقوقية تخلق مجتمعات أكثر أماناً وتعاوناً.
​ أمثلة على "الوهم السلبي" (المدمّر):
​وهي المعتقدات التي تصطدم بقوانين الطبيعة والبقاء، وتعيق قدرة الإنسان على التكيف مع مهددات الواقع، مما يقود إلى الانهيار:
​إنكار الحقائق العلمية الصلبة (كالأوبئة والتغير المناخي): عندما يتبنى مجتمع ما وهماً مبنياً على نظرية مؤامرة تنفي وجود وباء مميت أو احتباس حراري، فإن هذا الوهم لم يعد يخدم غريزة البقاء، بل يعطل الاستجابة الطبية والبيئية، مما يهدد النوع البشري بالانقراض.
​الشوفينية ووهم التفوق العرقي الأوحد: الاعتقاد بأن عرقاً معيناً هو ذروة التطور البيولوجي ويحق له إبادة الآخرين (كما حدث في النازية). هذا الوهم يخلق تماسكاً مؤقتاً ومخيفاً، لكنه وفق "الجدلية التاريخية" يولد قوى مضادة عالمية تؤدي في النهاية إلى تدمير المجتمع الذي تبناه بالكامل.
​فقاعات الأسواق المالية (الوهم الاقتصادي الجماعي): كالإيمان الأعمى بأن أسعار أصول معينة (عقارات، أو أسهم دون قيمة حقيقية) ستستمر في الارتفاع إلى الأبد. هذا الوهم يولد نشوة مؤقتة، لكنه ينتهي بانهيارات اقتصادية كارثية تدمر مدخرات وحيوية الملايين.
​مفارقة ما بعد الحقيقة وحتمية المعنى (خاتمة):
​إن قراءة حركة التاريخ والوعي البشري تخبرنا بأن البشرية لن تصل يوماً إلى مرحلة تتخلى فيها كلياً عن "الأوهام البناءة" لصالح حقائق علمية صرفة. من المستحيل جذرياً التخلي عن هذه السرديات لصالح العدمية المادية، وذلك لاعتبارات بنيوية لا يمكن تجاوزها:
​الطبيعة لا تكافئ الكائن على دقته في إدراك الواقع، بل على قدرته على البقاء والهيمنة. الحقيقة الموضوعية الباردة قد تشل الفاعلية، بينما تمنح السرديات الكبرى المجتمعات "الفاعلية الميكيافيلية" لحشد الموارد ودفع الجماهير نحو أهداف عليا. علاوة على ذلك، وبوصف المجتمعات البشرية نظماً معقدة تخضع لديناميكيات الفوضى (Chaos Theory)، فإنه لابد من وجود "جاذب" يمنع النظام من الانهيار؛ وهذا الجاذب هو "المعنى".
​إن حركتنا التاريخية تتحرك بجدلية هيجلية متواصلة. التركيب القادم في عصر "ما بعد-ما بعد الحداثة" سيشهد بناء سرديات كبرى جديدة، حيث سيدرك الإنسان علمياً أن هذه السرديات هي مجرد "أدوات تكيفية"، ومع ذلك سيختار الإيمان بها بوعي كامل. يتعامل العلم مع "النظام المكشوف" (Explicate Order)، بينما ستظل السرديات الواجهة التي نستخدمها لمحاولة فهم "النظام الضمني" (Implicate Order) الشمولي.
​في المستقبل، ومع تصاعد الآلة، سيحدث تقسيم وظيفي حتمي: التكنولوجيا ستتولى إدارة الحقائق، والكفاءة، والمنطق البارد، ليتفرغ العقل البشري لمهمته الأنطولوجية الأسمى: خلق المعنى، وصياغة الغايات، وإدارة السرديات.
​كما كتب كارل يونغ: "الحقيقة التي تُقتل هي أسوأ من الكذبة التي تُحيي". ستبقى الحقيقة العلمية هي الوقود، لكن "الوهم البنّاء" سيظل دائماً وأبداً هو عجلة القيادة.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:
- السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخ ...
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...
- حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:
- المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقا ...
- تأملات في أدوات الفهم المعقد: نحو نظرية قانونية للتاريخ والم ...
- التفسير الخطي والخوارزمي لمآلات العلمنة: نحو مأسسة -ما بعد ا ...
- ديالكتيك الآلهة: التفسير الخطي البيولوجي والسياسي للانتقال م ...
- التطور الجيني والسلوكي للتوجه الجنسي: قراءة تحليلية من الأسا ...
- الإطار الفسيولوجي للتغذية البشرية: تفكيك -عدم التطابق التطور ...
- هندسة البقاء: قراءة فلسفية في النقلة التطورية للثدييات
- فرضية الإدارة الاستراتيجية للطب التطوري: تكامليا مع الطب الس ...
- في عصر الخوارزميات المالية: مورفولوجيا الافتراس الرقمي ووهم ...
- الجسد الأنثوي في فخ الاستلاب: نحو مفاهيم إدراكية للجمال والش ...
- نحو وعي جديد ومعنى صلب: إعادة تعريف السلطة والإنسان في عصر ا ...
- في عصر الخوارزميات: -صناعة المعنى الصلب!- في عالم سائل؟
- أيهما جاء أولاً: الانفجار العظيم أم الأكوان المتوازية؟ جولة ...


المزيد.....




- -سويسرا الشرق الأوسط-.. لماذا تبدو تهديدات ترامب بـ-تفجير- س ...
- إيران: رسالة جديدة مكتوبة من مجتبى خامنئي.. وهذا ما جاء فيها ...
- بعد اغتيال محمد عودة.. كاتس يجدد التهديد بتنفيذ خطة تهجير سك ...
- مقتل جندية إسرائيلية جراء مُسيّرة لحزب الله وغارات على جنوب ...
- الجيش الأميركي: القصف الإيراني للكويت انتهاك صارخ لوقف إطلاق ...
- المستشار الألماني يتمسك بالإصلاحات ويتعهد بنهضة جديدة لألمان ...
- مالي - موريتانيا: هل دخلت التوترات -مرحلة خطيرة-؟
- تونس.. موسيقيون مكفوفون يثبتون أن الإبداع لا يحتاج إلى بصر
- زيلينسكي يطلب من ترامب في رسالة المزيد من أنظمة الدفاع الجوي ...
- مقاومة المضادات الحيوية.. كيف تنذر بأزمة صحية عالمية؟


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟: