احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 02:50
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاريخي! :
إن القول بـ "ما بعد العلمانية" ليس إعلاناً عن نهاية العلمانية، بل هو رصدٌ لتحول "النسق الضمني"؛ حيث أدركت المجتمعات أن العلمانية لم تكن يوماً "محايدة"، بل كانت "نظاماً معرفياً" لضبط التجمعات البشرية.
العلمانية كـ "تقنية سلطة" (منظور فوكو):
يرى ميشيل فوكو أن العلمانية ليست مجرد فصلٍ للدين عن الدولة، بل هي "تقنية سلطة" أُنشئت لترويض الجسد الاجتماعي. لقد تحورت العلمانية من "سلطة قمعية" تهمش الدين، إلى "سلطة حيوية" (Biopower) تُدير الأفراد عبر بيروقراطية عقلانية. إن "ما بعد العلمانية" في هذا السياق، هي إدراكنا بأن الدولة لم تعد تحتكر "الحقيقة"، بل أصبحت تدير صراعاً بين أنظمة معرفية متعددة، حيث الدين ليس "خطأً" يجب تصحيحه، بل هو مساحة للمقاومة والتشكل الفردي.
تفكيك "المركزية العلمانيّة" (منظور دريدا):
بناءً على تفكيكية جاك دريدا، يمكننا القول إن العلمانية قامت على ثنائية متعالية (مقدس/مدنس) أعطت الأولوية للمدنس باعتباره "العقل". إن "ما بعد العلمانية" هي لحظة تفكيك لهذه المركزية؛ حيث يتم الكشف عن "الميتافيزيقا الدينية" الكامنة في قلب الخطاب العلماني نفسه. العلمانية لا تتطور لأنها "أكثر صواباً"، بل لأنها تكتشف أن مركزها (العقلانية) ليس ثابتاً، بل هو نصٌ يحتاج إلى تأويل مستمر، مما يسمح للأصوات الدينية بالعودة كطرفٍ فاعل في حوارٍ لا ينتهي.
معضلة "القفز التاريخي":
بالنسبة للدول التي لم تُنجز مسار العلمانية، فإن محاولة "القفز التاريخي" نحو "ما بعد العلمانية" هي مغامرةٌ فاشلة؛ لأنها تتجاهل البنية التحتية للمؤسسات التي خلقها التاريخ. إن القفز دون "مرورٍ" بمرحلة النقد العقلاني، يعني الوقوع في فخ سلطويةٍ جديدة، حيث تُستخدم التقنية كأداة قمع، وتُستخدم التقليدانية كغطاء أيديولوجي، مما يعطل تطور الدولة ويجعلها عرضة للتفتت.
الخلاصة: نحو رشدٍ تاريخي:
إن العلمانية اليوم لا تنهار، بل تخرج من "مراهقتها الأيديولوجية" إلى "رشدها التاريخي". إننا أمام مرحلةٍ تُجبر فيها النخب على التخلي عن وهم "الحقيقة الوحيدة" لصالح "إدارة التنوع". إن مهارة الحاكم اليوم لا تكمن في فرض رؤية كونية، بل في التوفيق بين ضرورة "العلمانية الإدارية" وبين الحفاظ على "الجوهر الروحي"، مدركاً أن أي محاولة لفرض نسق واحد—سواء كان علمانياً راديكالياً أو ثيوقراطياً متصلباً—هي "إرادة ميكافيلية" قاصرة ستنكسر حتماً أمام تعقيد النسق الكوني.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟