أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.














المزيد.....

الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:22
المحور: الادب والفن
    


بدأت إرهاصات هذه الصدمة من إغواءٍ صوتي بريء؛ حين ترددت أصداء الحروف المشكّلة "أَ" بالفتحة و"أُ" بالضمة، كنغماتٍ سحرية على ألسنة الأطفال في بيت جدي. تلك المقاطع البدائية أشعلت في وعيي الغض شرارةً إبستمولوجية (معرفية) دافعة، وحفزت فضولاً فطرياً لاكتشاف تشريح اللغة!. مدفوعاً بهذا الشغف، ومسنوداً بمباركةٍ تشجيعية من جدي، خطوتُ مع أحد أقراني نحو باب "الكُتَّاب"، متوهماً أنني ألج محراباً لتفكيك طلاسم الحروف، ولم أدرك حينها أنني أسير بقدمي نحو مصيدةٍ مبكرة لمصادرة الإرادة تحت لافتة "التعلم المقدس".
لم يكد يمر يومنا الأول حتى أسقطت السلطة، المتمثلة في شخص "الشيخ"، قناعها التربوي لتكشف عن وجهها الشمولي الصارم. لم يكن المكان ساحةً للمعرفة الحرة، بل معسكراً يشترط التجنيد الأيديولوجي الإجباري؛ إذ باغتنا الشيخ باختبار الولاء الأول: "هل ستكملان المشوار حتى ختم القرآن، أم أن مجيئكما مؤقت؟".
ببراءة العقل التجريبي، أجاب رفيقي أنه جاء ليرى الأجواء ويختبر المكان. وما كان جزاء هذه الفاعلية النقدية إلا الطرد الفوري والإقصاء العلني! أمام مشهد النفي الصادم، استيقظت بداخلي غريزة البقاء؛ ابتلعتُ حقي في حرية التجربة، ومارستُ تكيفاً ميكافيلياً مبكراً باختلاق كذبةٍ وقائية للنجاة، مجيباً إياه: "أنا معكم حتى يشاء الله". رحّب بي الشيخ حينها، لا كعقلٍ يتوق للتعلم، بل كعنصرٍ أعلن خضوعه المسبق للنظام!، ويومها أدركتُ أن القراءة هنا ليست فعلاً لاكتشاف العالم، بل حقل ألغامٍ سلطوي يستوجب السير فيه بحذر.
ثم جاء اليوم الثالث، حاملاً معه استحقاق "التسميع" لما حُفظ. هنا، اصطدمت محدودية الذاكرة الطفولية لابن خالتي بقسوة النسق القمعي، فاستدعت أخطاؤه تفعيل الأداة العقابية الأبرز والأكثر رعباً: "الفلقة". لكن الصدمة التي أثارت اشمئزازي لم تكن في العقاب الجسدي ذاته، بل في هندسة الإذلال الممنهجة التي ابتكرها الشيخ. ففي تجلٍّ مرعبٍ لتوحش السلطة، أصدر أمره للأخ الأكبر للضحية، ولابن عمه، بتثبيت جسده الغض لتلقي الضربات!؟.
لقد حققت السلطة في تلك اللحظة أقصى درجات الاستلاب و السادية؛ فككت الروابط الاجتماعية والعاطفية، وحولت المقهورين إلى أدواتٍ لقهر بعضهم البعض. أن يُجبر الأخ على أداء دور "مساعد الجلاد" لأخيه، هو سحقٌ تام لمنظومة الحماية الفطرية، ومشهدٌ يجسد كيف يجند النسق القمعي ضحاياه لترسيخ هيمنته. وما ضاعف من بشاعة المشهد، هو ذلك التلذذ السادي الذي طفا على ملامح الشيخ وهو يراقب هذا الانكسار المزدوج.
أمام هذا المسرح العبثي، حيث يُطحن الفرد وتُنتهك أواصر الدم طواعيةً رهبةً من الجلاد، أدركتُ أن البقاء يعني الانتحار الرمزي والقبول بالتدجين المطلق. في لحظة انفصالٍ حاسمة عن قطيعٍ مستلب، اتخذتُ قراري السيادي الأول: الهروب!.
لم أهرب من المعرفة، بل انتفضتُ لاسترداد وكالتي الذاتية المسلوبة. ركضتُ بعيداً عن أسوار الكُتَّاب، ومع كل خطوةٍ تبتعد بي عن ذلك النسق، كنت أستعيد كينونتي وأتذوق طعم الحرية.. طعماً حسياً، حقيقياً، وحلواً ذاب على لساني ليمحو مرارة القهر. كان هروبي إعلاناً مبكراً لرفض أي معرفةٍ تُشترط بالخضوع، وتمرداً صريحاً على أي سلطة تساوم الإنسان على إنسانيته لتمنحه حرفاً. و من المفارقة المبكية المضحكة التي عززت قراري الصائب بالهروب هو ان الشيخ تم القبض عليه لاحقاً في قضية تحرش بطفل!.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصفعة الأولى: في جدلية الاغتراب
- تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟ ...
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:
- السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخ ...
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...
- حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:
- المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقا ...
- تأملات في أدوات الفهم المعقد: نحو نظرية قانونية للتاريخ والم ...
- التفسير الخطي والخوارزمي لمآلات العلمنة: نحو مأسسة -ما بعد ا ...
- ديالكتيك الآلهة: التفسير الخطي البيولوجي والسياسي للانتقال م ...
- التطور الجيني والسلوكي للتوجه الجنسي: قراءة تحليلية من الأسا ...
- الإطار الفسيولوجي للتغذية البشرية: تفكيك -عدم التطابق التطور ...
- هندسة البقاء: قراءة فلسفية في النقلة التطورية للثدييات
- فرضية الإدارة الاستراتيجية للطب التطوري: تكامليا مع الطب الس ...
- في عصر الخوارزميات المالية: مورفولوجيا الافتراس الرقمي ووهم ...
- الجسد الأنثوي في فخ الاستلاب: نحو مفاهيم إدراكية للجمال والش ...
- نحو وعي جديد ومعنى صلب: إعادة تعريف السلطة والإنسان في عصر ا ...


المزيد.....




- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.