احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 17:04
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في اللحظة التي تنشق فيها شرنقة النوم، تستيقظ وجوهنا متجمدة، يعتليها عبوس صارم وغضب فطري غير مبرر. هذه ليست مجرد حالة مزاجية عابرة، بل آلية دفاعية سحيقة حُفرت في شيفرتنا الجينية عبر آلاف الأجيال. لقد حمت هذه الملامح المتربصة أسلافنا من أنياب الافتراس في غابات ما قبل التاريخ. لولا هذا «الغضب الصباحي» لما كنا هنا اليوم نروي الحكاية. في قانون الاصطفاء الطبيعي الصارم، كان العبوس والتربص نواة البقاء، بينما كانت «الابتسامة الصباحية الساذجة» بمثابة بطاقة دعوة مفتوحة للفناء.لم تندثر هذه الآلية مع انقراض النمور ذات الأنياب السيفية، بل تطورت وتحورت حتى غدت أساساً نفسياً وثقافياً يحكم تفاعلاتنا. هذا «الغضب الفطري» تحول إلى حاجز لا شعوري نرفعه في اللقاءات الأولى، كأننا نختبر أمان المحيط قبل أن نسمح لملامحنا بالاسترخاء. والمفارقة هنا تكاد تكون شعرية: حين تبتسم المخطوبة بوداعة في أول لقاء مع خطيبها، فهي — في قاموس التطور العتيق — تُسقط درعها البشري الأول، وتتخلى عن غضبها الصباحي الفطري لتقدم نفسها له طواعية... ليفترسها بمحض إرادتها! ههههه. إن الابتسامة التي كانت تعني «الفناء» في الماضي السحيق، أصبحت اليوم لغة القبول والاستسلام الطوعي. دليل حي على أننا لم نتخلص من هذه الآلية، بل صرنا نتحكم بها ونطوعها حسب مستوى الأمان الذي نستشعره.
الإلهام الأول: لم تولد هذه الخاطرة من كتب الأنثروبولوجيا، بل من مشهد طالما راقبته في طفولتي: أبي! حين يستيقظ. كانت ملامحه تتخذ ذلك القالب المتجمد، الغاضب المهيب، كحارس قديم استيقظ للتو في بيئة محفوفة بالمخاطر. يأخذ دقائق معدودات يتنفس فيها هواء الصباح، يستكشف أمان محيطه، ثم يذوب الجليد شيئاً فشيئاً عن وجهه، فتعود ابتسامته الأبوية الدافئة. تلك الدقائق الصامتة في وجهه لم تكن قسوة، بل كانت عرضاً حياً لتاريخ البشرية كله... تاريخ يخبرنا أن الغضب في الصباح لم يكن يوماً عيباً، بل كان الدرع الذي حمى لنا الحياة، لنبتسم في أمان لاحقاً.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟