أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:















المزيد.....

القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 02:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


​ليست القبلة في جوهرها مجرد التقاء جسدي عابر أو ترف رومانسي تفرزه اللحظة! ؛ بل هي نقطة تقاطع دقيقة تتشابك فيها نداءات الغريزة مع أعمق تساؤلات المعنى الوجودي. إنها سلوك بشري تحور عبر الزمن، من آلية بدائية طبيعية لضمان البقاء، إلى أداة بالغة التعقيد في هندسة العلاقات الإنسانية!. ولفك شفرة هذا الفعل، لا بد لي مت تفحص التاريخ البشري التطوري و ما بعده، وتفكيك طبقاته المتراكمة بدءاً من الحتمية الجينية، مروراً بتعقيدات الفلسفة، ووصولاً إلى سطوة السلطة واستهلاكية اقتصاد العصر الحديث! .

​ان تحليل هذا السلوك عبر علم النفس التطوري،، الذي يرى أفعالنا كنتاج لعمليات تكيفية طويلة،، سنجد أن القبلة مدفوعة بآليات بقاء عميقة لا علاقة لها بالرومانسية في أصلها؟! . وتستند هذه الرؤية إلى فرضيتين أساسيتين:
​فرضية المضغ المسبق (Premastication): ترتد القبلة في أصلها السحيق إلى سلوك الأمومة البدائي، حيث كانت الأمهات يمضغن الطعام لتليينه قبل تمريره من أفواههن إلى أفواه الصغار. هذا الفعل الغريزي حفر مساراً عصبياً عميقاً في الدماغ البشري، يربط بشكل أبدي بين التلامس الفموي، والحصول على التغذية، والشعور بالأمان، وعمليات الالتحام النفسي.
​الاستشعار الكيميائي (Chemosensory Assessment): تحت ستار الرومانسية، تُعد القبلة عملية تقييم لا واعية لجمع البيانات! . ففي لحظة الاقتراب الشديد، يعمل الدماغ كمختبر يحلل الفيرومونات لفحص التوافق الجيني، وتحديداً "جينات التوافق النسيجي الأعظم و المهم" َ،، المسؤولة عن كفاءة جهاز المناعة. تدفعنا الطبيعة بذكائها الخفي للبحث عن شركاء يمتلكون خريطة مناعية مغايرة لخريطتنا، لضمان إنتاج نسل أكثر صلابة في مواجهة الأمراض.

​ولكن كيف تحررت القبلة من سجن الغاية البيولوجية لتصبح لغة دلالية؟؛
​مع تعقد المجتمعات البشرية، أُعيد تدوير السلوكيات الغريزية لتُوظف في تحقيق مكاسب اجتماعية وسياسية. أضحت القبلة لغة غير لفظية شديدة الكثافة والتأثير؛ تُعقد بها التحالفات، وتُعلن من خلالها النوايا السلمية، وتُتخذ مساراً للتفريغ النفسي. ولنا في التاريخ المادي شواهد؛ فمن "قبلة يهوذا" التي تحولت إلى شيفرة دموية للغدر، وصولاً إلى "القبلة الاشتراكية" التي وُظفت كختم سياسي لتأكيد التحالفات الأيديولوجية في المعسكر الشرقي، نرى كيف أُفرغت القبلة من حميميتها لتُشحن برسائل السلطة والولاء.
​إن السماح للآخر باختراق المسافة الشخصية إلى حد التلامس الفموي يمثل ذروة التخلي الطوعي عن الدفاعات؛ مما يجعل القبلة التجسيد الأقوى والأكثر تجرداً لحالة الثقة المطلقة.

​وبفعل هذه البنائية الاجتماعية المعقدة، تفرعت القبلة وتعددت أشكالها لتستوعب ديناميكيات السلطة والعاطفة، لتنقسم إلى:
​القبلة (الشهوانية): غايتها الاستكشاف الحسي، تقييم الشريك، وتأجيج الرغبة.
​قبلة الانتماء (الاجتماعية والأسرية): أداة لتمتين الروابط الجمعية وتأكيد مظلات الحماية والرعاية المتبادلة.
​قبلة الخضوع (الهرمية السلطوية): كتقبيل يد الملك أو زعيم قبيلتك(الاب) . وهنا، تُفرّغ القبلة عمداً من أي شحنة عاطفية، لتُعاد تعبئتها كأداة رمزية لتكريس الهيكل الطبقي والانصياع الصريح لسطوة السلطة.

​في أروقة الفلسفة، تأرجحت القبلة بين الروح و المادة، متأثرةً بتحولات فهمنا للذات:
​المثالية والنزعة الروحية: في العالم القديم، نظر أفلاطون إلى القبلة كلحظة تسرب والتحام للأرواح. وتتجلى هذه النظرة في أسطورة أريستوفانيس (في محاورة "الندوة")، التي تفترض أن الإنسان كان كائناً مزدوجاً شطرته الآلهة، لتغدو القبلة محاولة وجودية يائسة للذاتين للاندماج من جديد، واستعادة تلك الوحدة الكونية المفقودة.
​التحليل المادي والوجودية الحداثية: على الضفة الأخرى، جرّد الحداثيون القبلة من هالتها المقدسة. فقد رآها جان بول سارتر محاولة وجودية لـ "التملك"، ورغبة محمومة في الإمساك بوعي الآخر وتثبيته في حيز الجسد المادي. بينما ذهب شوبنهاور إلى ما هو أبعد، معتبراً إياها تجلياً سافراً لـ "إرادة الحياة" (الدافع الأعمى للبقاء)، حيث توهمنا الطبيعة بسحر الرومانسية كطُعمٍ لاجتذابنا نحو تحقيق غايتها الوحيدة: استمرار النوع البشري.

​أمام هذا الثقل البيولوجي والفلسفي، يطفو تساؤل حتمي: لماذا سعت الدوغما، والمؤسسات الدينية، والهياكل التاريخية المحافظة، إلى احتجاز القبلة خلف أسوار من المحرمات والقوانين الصارمة؟ تكمن الإجابة في تشريح السياسة الحيوية (Biopolitics)، التي تكشف كيف تسعى السلطة للهيمنة على الأجساد وتوجيه طاقاتها.
القبلة الحرة في جوهرها هي إعلان نقي عن "الوكالة الفردية" والسيادة على الجسد. وتستشعر السلطة في هذه الحرية تهديداً لمركزيتها؛ فالفرد الذي يملك حق تقرير مصير جسده وانفعالاته، يكتسب مناعة ضد الانقياد، ويتمرد بسهولة على أوامر القطيع!. السلطة لا تقمع الاتصال الجسدي لمجرد المنع، بل تسعى لإعادة توجيهه ليكون "منتجاً". مأسسة القبلة وتأطيرها حصراً داخل قوالب قانونية كالزواج يهدف إلى احتكار الجسد لإنتاج "وحدات بشرية" تخدم الاقتصاد العضوي للمجتمع. أما القبلة الحرة خارج هذه المنظومة، فتُرعب السلطة لأنها تمثل طاقة مُهدرة لا ترفد آلة التدجين والإنتاج.
​ تاريخياً، رسمت المؤسسات خطاً فاصلاً بين الروح (النقاء/المقدس) والجسد (الغريزة/المدنس). ولأن القبلة تمزج بطبيعتها المزدوجة بين الطهارة الروحية والشبق الجسدي، فإنها تُحدث شرخاً في هذا التصنيف المؤسس لسطوة الدوغما.
​ما بعد الحداثة: القبلة في عصر السيولة والاستهلاك.

وفي خضم عصر تغول الاستهلاكية الرأسمالية المعاصرة، لا يمكننا إغفال مآل هذا الفعل البشري. لقد فُقدت القبلة اليوم الكثير من ثقلها الوجودي وتمردها الذاتي. لم تعد في واجهتها التزاماً روحياً أو حتى صراعاً مع السلطة الكلاسيكية، بل جُردت من قداستها وأُعيد إنتاجها كـ "سلعة شهوانية"؛ على الشاشات، وفي لوحات الإعلانات، وعبر منصات التواصل، تُستهلك القبلة كأداة تسويقية بصرية، مما يحيلنا إلى تساؤل أخير: هل نجونا حقاً من فخاخ الطبيعة الجينية وقيود الدوغما التاريخية، لنقع طواعية في شباك التسليع المادي، حيث تُفرغ أعمق انفعالاتنا من معناها لتُباع وتُشترى في سوق العواطف المفتوح؟



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الروابط البشرية القبلية؟ ام -الروابط الضعيفة- في عالم معقد:
- أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-
- المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء
- وهم السيادة: كيف تختزل الطبيعة دور الذكر في رحلة البقاء؟
- حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟ ...
- درع الملامح الغاضبة: جينات البقاء في صباحاتنا:
- الإنسان الأعلى في عصر -العقد البيولوجية-: تجاوز الخوارزمية ن ...
- ​ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة الت ...
- ​ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاري ...
- إرادة القوة: ما وراء الصدفة في رحلة التاريخ الليبي
- الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.
- الصفعة الأولى: في جدلية الاغتراب
- تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟ ...
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:
- السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخ ...
- الهوس!: كيف يعيد الكبت تشكيل الخرائط العصبية في العقل البشري ...
- حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي: