احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 04:52
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
طالما ساورني خاطران حين أتأمل مسار التاريخ الإنساني: هل المعرفة البشرية بناء تراكمي يسلم فيه الخلف ما تسلمه من السلف، أم أنها قلعة زجاجية يتهدم بنيانها مع كل كارثة وطوفان؟ عند النظرة الأولى، يخيل للمرء أن التراكم الأدبي واللغوي يمتلك حصانة ضد عوادي الزمن؛ فالشعر ينساب على ألسنة العوام، والقصص تنتقل شفاهاً في الأزقة والكتاتيب، بينما تقبع العلوم والتكنولوجيا في أبراج عاجية ومؤسسات مركزية تجعلها صيداً سهلاً للحروب والكوارث الطبيعية.
هذا الانطباع ليس خيالاً، فللعلوم المتقدمة شروط؛ إنها تتطلب معاهد راعية، وأدوات قياس دقيقة، ونخبة متخصصة تحفظ أسرار الصنعة. حين انقض المغول على بغداد وتحولت مياه دجلة إلى سواد الحبر، لم تبتلع المياه مجرد كتب، بل ابتلعت بيئة علمية كاملة ومؤسسات بحثية استغرق بناؤها قروناً. وحين انهارت الإمبراطورية الرومانية، خسر العالم خلطة الخرسانة الرومانية، ونسي تصميم آلية أنتيكيثيرا التي سبقت عصرها بألف عام كأول حاسوب فلكي. كان على الإنسانية أن تنتظر قروناً طويلة لتعيد اختراع ما كان بديهاً لأجدادها.
غير أن التأمل العميق يكشف عن حقيقة أكثر إيلاماً: الأدب واللغة لم ينجوا أيضاً من هذا الرماد. صحيح أن اللغة اليومية أطول عمراً لأنها ملك للجميع، لكن التراكم الأدبي والفكري واللغوي تعرض لإبادة لا تقل قسوة. إن تسعة أعشار المسرح الإغريقي القديم اختفت إلى الأبد، ونصف إنتاج الفكر الروماني أصبح أثراً بعد عين مع حريق مكتبة الإسكندرية. وفي المقابل، أدت نيران الاستعمار الإسباني إلى حرق مخطوطات شعب المايا، فتمحت أدبيات وتاريخ حضارة كاملة، فضلاً عن لغات ومخطوطات عجزنا عن فك رموزها حتى اليوم كـ الخطية A، فصارت همساً بلا معنى.
إن المقارنة بين مساري التراكم تفتح أعيننا على طبيعة الوجود الإنساني؛ العلوم هي العقل الحركي للحضارة، تنهار فور تدمير بنيتها التحتية وتتطلب هدوءاً واستقراراً لتعود للنمو. أما الأدب واللغة فهما روح الحضارة والذاكرة العاطفية، يسهل انتشارها شعبياً، لكنها تظل عرضة للتصحر والضياع عندما يُقطع لسان الثقافة وتُحرق مكتباتها. نحن لا نخسر آلاتنا فقط حين تقع الكوارث، بل نخسر أجزاءً من أرواحنا وهويتنا المكتوبة، في صراع أبدي بين البناء الإنساني ومحّايات التاريخ.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟