أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - احمد كانون - التمرد الخلوي: كيف يساعدنا فهم تطور السرطان في مواجهته؟ (الأنانية الخلوية والتعاون العرضي)














المزيد.....

التمرد الخلوي: كيف يساعدنا فهم تطور السرطان في مواجهته؟ (الأنانية الخلوية والتعاون العرضي)


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 07:30
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


بصفتي طبيباً وباحثاً في الطب التطوري، أرى في السرطان أكثر من مرض عضوي. إنه ظاهرة تكشف عن صراع عميق داخل أجسادنا: صراع بين الحرية الفردية للخلية وبين استقرار الكائن متعدد الخلايا ككل.
في الجسم السليم، تتنازل كل خلية عن جزء من "حريتها" لصالح بقاء الجسم بأكمله. فإذا تعرضت الخلية لخلل يهدد المنظومة، تنتحر طواعية عبر برنامج يُسمى الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis). هذا الاتفاق الاجتماعي الخلوي هو أساس بناء الكائنات المعقدة مثل الإنسان.
لكن السرطان يمثل نوعاً من النكوص التطوري. تعود بعض الخلايا إلى سلوك قديم جداً ؛ يعود إلى أكثر من مليار سنة؛ حين كانت الخلايا تعيش منفردة وأنانية، تهتم فقط ببقائها وتكاثرها. تفقد هذه الخلايا ارتباطها بالجسم، وتبدأ في التصرف ككائنات أحادية الخلية داخل مجتمع كان يعتمد على التعاون.

على عكس ما يعتقده كثيرون، الورم السرطاني ليس كتلة واحدة متجانسة تتحرك بوعي جماعي. إنه في الواقع نظام بيئي معقد يخضع لـ"الداروينية الخلوية". تتنافس الخلايا السرطانية بشراسة؛ ليس فقط ضد الجهاز المناعي؛ بل ضد بعضها البعض أيضاً على الموارد المحدودة مثل الجلوكوز والأكسجين.
هذا التنافس يؤدي إلى ما يُسمى التطور النسيلي (Clonal Evolution)، حيث تنشأ سلالات مختلفة من الخلايا السرطانية، بعضها أكثر شراسة أو مقاومة للعلاج من بعضها الآخر. ولهذا السبب نرى تبايناً جينياً كبيراً داخل الورم الواحد (Tumor Heterogeneity)، وهو أحد الأسباب الرئيسية لصعوبة علاج السرطان ومقاومته للأدوية.

أحد أكثر الأمثلة إثارة هو قدرة الأورام على بناء أوعية دموية جديدة (Angiogenesis) لتغذية نفسها. قد يبدو هذا سلوكاً جماعياً منظماً، لكنه في الواقع نتيجة ناشئة عن أفعال فردية.
عندما تختنق الخلايا السرطانية في مركز الورم بسبب نقص الأكسجين، تفرز مواد مثل VEGF لإجبار الجسم على بناء أوعية دموية جديدة. كل خلية تفعل ذلك لإنقاذ نفسها أولاً، لكن النتيجة النهائية تفيد الكتلة بأكملها. إنه تعاون عرضي وليس تخطيطاً مركزياً.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل شيء فوضى مطلقة. فالأبحاث الحديثة تظهر أن هناك درجات متفاوتة من التعاون والتواصل بين الخلايا السرطانية (مثل تبادل المواد الغذائية أو الإشارات الكيميائية). الورم إذن ليس مجرد مجموعة من الخلايا الأنانية، بل بيئة حية معقدة تجمع بين المنافسة والتعاون.

فهم هذه الديناميكيات التطورية يغير طريقة تفكيرنا في العلاج. استراتيجية "القضاء التام" على الورم؛ التي نعتمدها تقليدياً؛ قد تترك وراءها الخلايا الأكثر مقاومة، فتعود أقوى مما كانت.
لذلك، يتجه الباحثون اليوم نحو العلاج التكيفي (Adaptive Therapy)، وهو نهج يستغل المنافسة الطبيعية داخل الورم نفسه. بدلاً من محاولة قتل كل الخلايا السرطانية، يُحاول العلاج السيطرة عليها وإبقاءها في حالة متوازنة، بحيث تبقى الخلايا الأقل شراسة قادرة على منافسة الأكثر شراسة، وبالتالي يصبح الورم مرضاً مزمناً يمكن التعايش معه لسنوات طويلة.
هذا النهج لا يزال في مراحله التجريبية، لكنه يمثل نقلة نوعية في التفكير: من حرب شاملة إلى إدارة ذكية للمرض.

السرطان ليس "عدواً خارجياً" فقط، بل هو تعبير عن خلل في النظام الاجتماعي الخلوي الذي يحكم أجسادنا. فهمنا لهذا التمرد الخلوي يساعدنا على تقبل فكرة أن الوقاية والكشف المبكر هما أقوى أسلحتنا، وأن العلاج المستقبلي قد يعتمد على الذكاء البيولوجي أكثر من القوة الغاشمة.
إن الجسد البشري معجزة من التعاون. وعندما ينهار هذا التعاون، يذكرنا السرطان بأهمية الحفاظ على التوازن؛ على المستوى الخلوي، وعلى مستوى حياتنا ككل.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة التجرد: الجسد كساحة للتمرد على السياسة الحيوية:
- الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:
- القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:
- الروابط البشرية القبلية؟ ام -الروابط الضعيفة- في عالم معقد:
- أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-
- المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء
- وهم السيادة: كيف تختزل الطبيعة دور الذكر في رحلة البقاء؟
- حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟ ...
- درع الملامح الغاضبة: جينات البقاء في صباحاتنا:
- الإنسان الأعلى في عصر -العقد البيولوجية-: تجاوز الخوارزمية ن ...
- ​ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة الت ...
- ​ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاري ...
- إرادة القوة: ما وراء الصدفة في رحلة التاريخ الليبي
- الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.
- الصفعة الأولى: في جدلية الاغتراب
- تشريح الوهم: لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها لبقاء النوع البشري؟ ...
- صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العا ...
- القيادة العسكرية: بين خندق المعركة وقاعة الإدارة: نحو مسار ت ...
- أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة
- فخ الطبيعة: مسودة في الندم وجبر الخاطر:


المزيد.....




- بدأت السفر منفردة بعمر الـ13 عامًا..من هي الأمريكية التي تكا ...
- دراسة تكشف الخطر الخفي للسكر
- بلجيكا: حان الوقت للحوار مع روسيا وإنهاء نزاع أوكرانيا
- استمرار مراسم تشييع خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، مع إعلان ...
- -كما كان الحال مع هتلر، جنون الارتياب يسيطر على بوتين- - مقا ...
- تصعيد في الشرق الأوسط يهدد الهدنة بين واشنطن وطهران
- رئيس الوزراء البلغاري يدعو -الناتو- إلى حل قضايا الأمن دون ت ...
- اغتيال منفذة العملية الإرهابية في موناكو يضع نظام كييف في مأ ...
- إيران تستهدف مواقع في البحرين والكويت بعد ضربات أمريكية
- رئاسيات 2027.. لوبان تترشح رغم الإدانة وتراهن على الطعن في ا ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - احمد كانون - التمرد الخلوي: كيف يساعدنا فهم تطور السرطان في مواجهته؟ (الأنانية الخلوية والتعاون العرضي)