أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب:














المزيد.....

اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 00:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم تكن اللغة يوماً مجرد أداة تقتصر مهمتها على نقل الأفكار، بل هي العدسة التي نرى من خلالها الوجود، والإطار الذي يهندس طريقتنا في التفكير. أؤمن بشدة أن اللغة تشكل الإدراك و العكس طبعاً، وبناءً على هذه البديهية، فإن لغتنا الأم لا ينبغي أن تُختزل في أحاديثنا اليومية، بل يجب أن تتربع على عرش العلم والأدب. لفهم هذه الحتمية، دعونا نتأمل الأمر عبر ثلاث مناظير متقاطعة: التطور البيولوجي، والديناميكية الاجتماعية، وفلسفة السلطة.
من منظور علم السلوك التطوري، لم تنشأ اللغة الأم في فراغ، بل تطورت كاستجابة حيوية لبيئتنا وتفاعلات أسلافنا. لقد تشكلت أدمغتنا عبر آلاف السنين لتستوعب العالم من خلال مفردات وتراكيب لغوية محددة ارتبطت بالبقاء، والتعاون، وفهم الطبيعة المحيطة.
لغتنا الأم هي الامتداد الطبيعي لبيولوجيتنا الإدراكية. عندما نتعلم العلوم أو ننتج الأدب بلغة أجنبية، فإننا نستهلك طاقة ذهنية هائلة في "الترجمة العصبية" وفك التشفير، بدلاً من توجيه تلك الطاقة نحو الإبداع والابتكار. الإبداع العلمي الحقيقي والعمق الأدبي يتطلبان تدفقاً ذهنياً لا توفره إلا اللغة التي تشربناها مع حليب أمهاتنا، فهي الوحيدة القادرة على تحفيز أعمق مسارات الخيال و بالتالي الابداع، في عقولنا.

إذا انتقلنا إلى علم الاجتماع، نرى أن اللغة هي المادة اللاحمة لهوية المجتمع وثقافته. عندما نتبنى لغة أجنبية كلغة وحيدة للعلم والمعرفة الأكاديمية، فإننا نخلق فجوة طبقية خطيرة بين "نخبة متعلمة" تملك مفاتيح المعرفة، و"عوام" معزولين عن نتاج مجتمعهم الفكري.
العلم لا يعيش في المختبرات والجامعات فقط، بل يجب أن ينعكس على وعي الشارع وسلوكه. والأدب ليس مجرد ترف فكري، بل هو مرآة المجتمع لنفسه!. حين تُكتب العلوم وتُصاغ الآداب باللغة الأم، فإننا ندمقرط المعرفة (نجعلها ديمقراطية ومتاحة للجميع)، ونضمن أن المعرفة المتولدة قادرة على اختراق الطبقات الاجتماعية كافة، مما يعزز التماسك الاجتماعي ويجعل التطور العلمي جزءاً من الثقافة الشعبية اليومية لا كياناً غريباً عنها.

هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية، حيث أستعير نظارات الفيلسوف ميشيل فوكو الذي علمنا أن "المعرفة والسلطة متلازمان". بالنسبة لفوكو، اللغة ليست بريئة؛ إنها أداة لتشكيل "الخطاب" (Discourse) الذي يحدد ما يمكن قوله، ومن يحق له القول، وما يُعتبر حقيقة.
عندما تُفرض لغة أجنبية (غالباً لغة المستعمر القديم أو القوى الاقتصادية المهيمنة) كلغة حصرية للعلم والأدب، فإننا نخضع طوعاً لهيمنة إبستمولوجية (معرفية). نحن بذلك لا نستورد مصطلحات علمية فحسب، بل نستورد معها أيديولوجيا وثقافة وطريقة محددة في رؤية العالم تخدم مركزية القوة المُصدّرة لتلك اللغة. الكتابة والبحث باللغة الأم، من منظور فوكوي، هي فعل "مقاومة"؛ هي تفكيك لهيمنة الخطاب الغريب، واستعادة للسيادة على عملية إنتاج الحقيقة وتوجيه بوصلة المعرفة بما يخدم قضايانا وواقعنا.

لا يسعني إلا أن أؤكد أن التخلي عن لغتنا الأم في ميادين العلم والأدب هو تخلٍ عن وعينا ذاته. إن المعرفة التي لا تنطق بلسان أصحابها تبقى معرفة مغتربة. لغتنا الأم هي الشيفرة التي كُتب بها تكويننا النفسي والمجتمعي، ولن ينهض علمنا ولن يخلد أدبنا إلا إذا نبعا من ذات النبع الذي تشكلت منه وعينا و مداركنا.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيادة الإبستمولوجية وتفكيك عقدة التبعية: الدرس المسكوت عنه ...
- تأملات في النميمة؟.
- بين المعرفة الادبية و العلمية: هل تحفظ اللغة ما تضيعه الكوار ...
- الوهم والواقع: الهندسة العكسية للقدر البشري عبر النبوءة ذاتي ...
- الفساد المُدار: الضرورة الهيكلية لاستقرار الهرم المجتمعي! :
- التمرد الخلوي: كيف يساعدنا فهم تطور السرطان في مواجهته؟ (الأ ...
- فلسفة التجرد: الجسد كساحة للتمرد على السياسة الحيوية:
- الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:
- القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:
- الروابط البشرية القبلية؟ ام -الروابط الضعيفة- في عالم معقد:
- أكثر من مجرد تحية: ماذا يختبئ خلف سؤالنا للغرباء -كيف حالك؟-
- المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء
- وهم السيادة: كيف تختزل الطبيعة دور الذكر في رحلة البقاء؟
- حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟ ...
- درع الملامح الغاضبة: جينات البقاء في صباحاتنا:
- الإنسان الأعلى في عصر -العقد البيولوجية-: تجاوز الخوارزمية ن ...
- ​ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة الت ...
- ​ما بعد العلمانية: جدلية القوة، التفكيك، والرشد التاري ...
- إرادة القوة: ما وراء الصدفة في رحلة التاريخ الليبي
- الصفعة الثانية: فخ المعرفة وصناعة السادية.


المزيد.....




- انفجار في محطة كهرباء مدينة الزاوية غرب ليبيا
- عزيزي: الأجدر بترامب أن يهتم بأمنه الشخصي بدلا من التهديدات ...
- دراسة تكشف دورًا غير متوقع للعضلات في التئام كسور العظام.. م ...
- متربي في كندا.. بيع صقر بالمزاد في السعودية بنحو 1.3 مليون ر ...
- الجيش الإسرائيلي يستعد لشن هجمات على لبنان الليلة
- جندي أمريكي -ميت- على شاطئ هرمز.. رسالة تهديد إيرانية جديدة ...
- موسكو تحذر أنقرة وواشنطن من تسليح كييف
- وسائل إعلام: العثور على حطام ثالث طائرة مسيرة في تركيا خلال ...
- صحيفة ألمانية تكشف تداعيات الفساد المحيط بزيلينسكي على أوروب ...
- صحيفة: كييف تعاني من مشاكل في الدفاع الجوي بينما تطور موسكو ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب: