أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الضفة الغربية: حين يُعاد تشكيل الأرض بصمت















المزيد.....

الضفة الغربية: حين يُعاد تشكيل الأرض بصمت


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 20:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المؤسف أن الضجيج يعلو في كل أركان المكان في الشرق الأوسط، إلا ما يدور في الضفة الغربية، حيث تتم أسرلة الفضاء بهدوء وسكينة. فبينما تتجه الأنظار إلى غزة ولبنان وإيران، تمضي في الضفة عملية أخرى أقل صخباً وأكثر تراكمية؛ فالأرض يعاد تنظيمها، والمستوطنات تتوسع، والصلاحيات الإدارية تنتقل، والحركة الفلسطينية تضيق، فيما تتعرض تجمعات فلسطينية لضغوط متزايدة تدفع بعضها إلى النزوح.
وهنا تكمن المفارقة: فالضفة تكاد تكون أقل مناطق فلسطين حضوراً في المشهد الإعلامي، لكنها من أكثرها تعرضاً لتغيير طويل الأمد. ففي حين تنتج غزة حدثاً يفرض نفسه على الشاشات، تشهد الضفة واقعاً يتراكم على الخريطة. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا يحدث في الضفة؟ بل: ما طبيعة التحول الذي يجري هناك، وإلى أين يمكن أن يقود؟
إن المؤشرات المتراكمة، وخصوصاً منذ عام 2025، تدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري يتجاوز كونه موجة استيطان تقليدية. فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مارس 2026 من تسارع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وضم أجزاء واسعة من الضفة، وربطت ذلك بالنزوح الجماعي للفلسطينيين، كما اعتبر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة المتعلقة بمصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة تعمق مسار الضم.
وعليه، فإن المسألة لم تعد محصورة في عدد المستوطنات أو الوحدات السكنية؛ فالاستيطان بات يتداخل مع القانون والإدارة والتخطيط والبنية التحتية والحركة والملكية. ومن هنا تكتسب عبارة «الضم الفعلي» دلالتها؛ فالضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان شامل، وإنما يمكن أن يبدأ بتغيير القواعد التي تحكم الأرض، وتوسيع الصلاحيات الإسرائيلية عليها، وخلق وقائع يصعب التراجع عنها.
وفي هذا السياق، أثارت الإجراءات الإسرائيلية خلال فبراير 2026، والتي شملت توسيع السيطرة على قضايا تتعلق بالأراضي والإدارة، تحذيرات أممية ودولية، وبرزت معها أهمية مفهوم «أسرلة الإدارة» بقدر أهمية الاستيطان؛ فالسيطرة على الإقليم لا تتحقق فقط بانتشار المستوطنات، وإنما عندما تصبح الجهة المسيطرة قادرة على تحديد قواعد التخطيط والبناء والملكية واستخدام الأرض والحركة والموارد.
وهذا هو التحول الأخطر: فالاحتلال الذي يفترض أن يكون مؤقتاً يبدأ بإنتاج ترتيبات قانونية وإدارية وبنى تحتية دائمة. إنها عملية «تثبيت للأمر الواقع قبل حسم الوضع القانوني»؛ فالمستوطنة ترتبط بالطريق، والطريق بالبنية التحتية، والبنية التحتية بالإدارة والحماية، لتتحول جميعها إلى منظومة يصعب تفكيكها.
وفي المقابل، لا يجري الضغط على الوجود الفلسطيني بأداة واحدة. فالمصادرة والعنف وقيود الحركة وهدم المنازل ومنع الوصول إلى الأراضي تعمل، عندما تتراكم، على إعادة صياغة علاقة الفلسطيني بالمكان.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1,000 هجوم للمستوطنين منذ بداية عام 2026 تسببت في إصابات أو أضرار مادية في أكثر من 230 تجمعاً فلسطينياً، وأسهمت في نزوح أكثر من 2,200 فلسطيني حتى يونيو. كما سجلت الأمم المتحدة 925 عائقاً أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، في أبريل 2026، وهو أعلى رقم في أكثر من عقدين، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
وهذه الأرقام تكشف وظيفة جغرافية للسيطرة؛ فالحاجز والطريق المغلق وقيود الوصول إلى الأرض لا تعطل الحياة اليومية فقط، بل تزيد من تجزئة المجال الفلسطيني. وقد حذر خبراء أمميون في يونيو 2026 من أن استمرار النزوح يفتح مساحات جديدة أمام التوسع الاستيطاني، خصوصاً في وادي الأردن وجنوب الخليل.
ولا يجري هذا المسار بالطريقة نفسها في كل أنحاء الضفة. ففي القدس الشرقية يتصل الأمر بتثبيت الارتباط الإسرائيلي بالمدينة وتغيير محيطها الجغرافي والديموغرافي. وفي منطقة E1 تتجاوز القضية البناء الاستيطاني إلى التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها. وفي الأغوار تتداخل السيطرة على الأرض مع الحسابات الأمنية والحدودية والموارد، بينما تتقاطع في جنوب الخليل ومسافر يطا قضية الأرض مع التجمعات الرعوية وقيود الوصول ومخاطر النزوح.
وفي شمال الضفة الغربية أخذ المشهد شكلاً أكثر خطورة منذ العمليات الإسرائيلية التي طالت جنين وطولكرم ومخيماتهما، وأدت إلى نزوح واسع وممتد. ووفق الأمم المتحدة، استمر نزوح أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة بعد العمليات التي بدأت في 2025. وهنا يتحول النزوح من نتيجة إنسانية إلى عامل يمكن أن يغير الخريطة السكانية للمكان.
وهذا يقود إلى قضية السلطة الفلسطينية. فالسلطة مطالبة بإدارة شؤون الفلسطينيين، لكنها لا تملك السيادة على الإقليم؛ ومطالبة بالمحافظة على الاستقرار، بينما تتوسع السيطرة الإسرائيلية في ملفات الأرض والتخطيط والبناء والحركة؛ ومطالبة بالحفاظ على المؤسسات، فيما تتقلص المساحات التي تستطيع فيها ممارسة تخطيط وتنمية وحماية فعالة.
وتزداد المفارقة وضوحاً مع اتساع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. فالقضية تحقق مكاسب على مستوى الشرعية والاعتراف، بينما تتراجع على الأرض بعض الشروط الجغرافية التي تجعل الدولة قابلة للحياة. أي أن الشرعية الفلسطينية تتسع في الخطاب الدولي، بينما تتقلص الجغرافيا الفلسطينية في الواقع.
فالاستراتيجية الإسرائيلية لا تحتاج بالضرورة إلى انتظار لحظة تعلن فيها «ضم الضفة»؛ يكفي أن تتغير الأرض إلى الحد الذي يصبح معه أي حل سياسي مستقبلي مضطراً للتعامل مع واقع مختلف جذرياً.
ولهذا فإن ما يجري في الضفة يمكن فهمه باعتباره انتقالاً من إدارة الاحتلال إلى هندسة الأرض؛ أي من السيطرة على أرض محتلة إلى إعادة تنظيمها، بما يشمل الملكية والتخطيط والحركة والاستيطان والديموغرافيا والإدارة.
ومن هنا، فإن الضفة الغربية ليست مجرد ساحة مواجهة أمنية، ولا مجرد ملف استيطان، ولا ملحقاً بما يجري في غزة. إنها ساحة الصراع على شكل فلسطين القادمة.
ولعل أخطر ما في هذه العملية أنها تحدث ببطء. فالقصف ينتج صورة، أما مصادرة الأرض فتنتج خريطة. والانفجار ينتج خبراً عاجلاً، أما الطريق الجديد فينتج واقعاً يستمر سنوات. والنزوح الجماعي يلفت الأنظار، أما تفريغ تجمع صغير بالتدريج فقد يمر دون أن يثير الانتباه. غزة تنتج حدثاً يفرض نفسه على الشاشات، أما الضفة فتنتج واقعاً يفرض نفسه على الخريطة.
ولهذا ينبغي إخراج الضفة الغربية من هامش المشهد الإخباري وإعادتها إلى مركز النقاش السياسي. فالسؤال لم يعد فقط: كم أرضاً صودرت؟ وكم مستوطنة أقيمت؟ وكم فلسطينياً نزح؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كم تبقى من الوقت قبل أن تتحول الوقائع التي يجري تثبيتها اليوم إلى حدود سياسية لا يمكن لأي تسوية مستقبلية أن تتجاهلها؟
فإذا استمر المسار الحالي، قد نجد أنفسنا أمام مفارقة أكثر قسوة: دولة فلسطينية تحظى باعتراف دولي متزايد، ولكن على أرض تتراجع فيها مقومات الاتصال والسيادة والقابلية للحياة.
وعندها لن تكون المشكلة أن الدولة الفلسطينية لم تُعلن، وإنما أن الشروط المادية التي تجعل إعلانها قابلاً للحياة تكون قد استُنزفت تدريجياً.
لهذا فإن ما يجري في الضفة الغربية يستحق أن يُقرأ بعيداً عن ضجيج المنطقة، لا باعتباره هامشاً للحرب في غزة، وإنما باعتباره واحداً من أكثر التحولات حسماً في تحديد مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: بين الردع المعلن وحدود الفاعلية ...
- فائض القوة وفشل الحسم: لماذا أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل ...
- هل نحن مع القصف الايراني لدول الجوار؟؟
- الرئيس يحارب... والنائب يفاوض: هل دخلت الولايات المتحدة مرحل ...
- ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإش ...
- على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية و ...
- سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هن ...
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...


المزيد.....




- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028
- رسائل مصرية مباشرة لإيران بشأن الخليج والملاحة البحرية.. ماذ ...
- متحدث باسم الجيش المصري: لسنا بمنأى عما يحدث حولنا من حروب
- اتصالات خليجية مكثفة بعد تأجيل اجتماع صلالة بشأن مضيق هرمز
- ترامب يتعهد بدراسة الكشف عن وثائق سرية مرتبطة بهجمات 11 سبتم ...
- إيران: تأجيل اجتماع صلالة جاء بناء على طلب بعض دول المنطقة و ...
- تمرد برلماني على جدول الأعمال.. 63 نائبا يعلنون مقاطعة جلسة ...
- واشنطن تعلن استعدادها لتزويد إيران بالوقود النووي
- كوشنر يشن هجوما جديدا على إسرائيل.. ما علاقة قطر؟
- معارك باليمن وقصف على السعودية


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الضفة الغربية: حين يُعاد تشكيل الأرض بصمت