هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي
(Hani Alroussen)
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 11:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من جديد تأتي فرنسا متأخرة، جاءت تبحث عن موقع لها في اللحظات المتأخرة من أزمة كادت أن تعصف بالأمن الدولي، لكن هذه المرة كان مجيئها متجاوزاً التصريحات التقليدية. فالإعلان المشترك الذي صدر في باريس عن الرئيس الفرنسي ماكرون وسلطان عُمان هيثم بن طارق لم يقتصر على التأكيد المبدئي على حرية الملاحة دون شروط أو قيود في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل ذهب إلى حد الحديث عن تعاون عملي بين الأطراف المعنية، يشمل عمليات مشتركة لنزع الألغام البحرية في مضيق هرمز، لإعادة فتحه أمام حركة الملاحة وفق قواعد قانون البحار.
على مستوى الظاهر، فالأمر يتعلق بتثبيت مبدأ قانوني دولي، وبمساهمة تقنية في تعزيز أمن أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الدولي. غير أن دلالة هذا التطور لا تكمن في مضمونه المعلن بقدر ما تكمن في توقيته وسياقه السياسي، خاصة إذا ما قورن بتعقيدات المشهد الإقليمي الذي سبق الإعلان، وبحقيقة أن موازين الردع في منطقة الخليج والممرات البحرية الاستراتيجية كانت قد تشكلت بالفعل بين القوى الأكثر تأثيراً في الملف.
وتزداد أهمية هذا السياق مع الرد الإيراني الذي اعتبر أن أي حديث عن نزع الألغام في مضيق هرمز خارج الإطار الثنائي المعني مباشرة بهذا الملف من شأنه أن “يعقّد الأمور”، في إشارة واضحة إلى رفض أي توسيع لدائرة التدخلات في واحد من أكثر الملفات حساسية في أمن الملاحة الدولية.
وهنا يفرض هذا التطور سؤالاً يتجاوز تفاصيله المباشرة، ليطال بنية التفكير الاستراتيجي الفرنسي: لماذا يتكرر نمط الحضور الفرنسي في المراحل المتأخرة من الأزمات الدولية، عندما تكون خطوط التوازن قد تشكلت فعلياً، بينما يظل هذا الحضور محدود التأثير في لحظات إنتاج هذه التوازنات؟ ولماذا تمتد هذه الظاهرة من لبنان إلى ليبيا، ومن سوريا إلى غزة، وصولاً إلى مضيق هرمز، حيث يتخذ الدور الفرنسي شكل المشاركة المرافقة أكثر من كونه دوراً مؤسساً لمعادلات القوة؟
والأرجح هنا أنه لا يمكن فهم هذا النمط بوصفه تفصيلاً طارئاً أو خللاً في إدارة الأزمات، بل باعتباره جزءاً من منطق أعمق يحكم سلوك السياسة الخارجية الفرنسية، حيث تتحرك فرنسا في الغالب داخل “المرحلة الثانية” من الأزمات الدولية، أي مرحلة إدارة التوازنات بعد أن تكون القوى الأكثر صلابة قد حسمت خطوطها الكبرى، عندما تصبح الكلفة السياسية والعسكرية أقل، ويصبح الفعل الدبلوماسي أكثر قابلية للتأثير الرمزي منه لإعادة تشكيل الوقائع.
هذا التمييز بين لحظة إنتاج الأزمة ولحظة إدارة ما بعدها يشكل المفتاح الهام والأول لفهم السلوك الفرنسي. فحين تكون المعادلات في طور التشكل، وتكون الكلمة الفصل لمن يمتلك أدوات القوة في الميدان، مثل الولايات المتحدة وروسيا وبعض القوى الإقليمية الصاعدة، فإن فرنسا تكون الغائب الحاضر، أما حين تستقر خطوط التوازن، وتصبح المساحة أوسع، وتنفتح أمام القوى التي تمتلك بعضاً من الثقل الدبلوماسي والتاريخي، ويسمح لها بالمشاركة في هندسة “الترتيب النهائي”، حتى إن لم تكن طرفاً في إنتاجه، فإن فرنسا تكون في طليعة هذا البعض.
غير أن تفسير هذا السلوك لا يكتمل عند بعده الوظيفي فقط، بل يجب أن يُقرأ في ضوء البنية العميقة للعقل الاستراتيجي الفرنسي نفسه، الذي لا يعتبر فرنسا دولة أوروبية عادية في إدراكها لذاتها الدولية، بل إنها كيان سياسي تشكّل عبر ثلاثة روافع تاريخية كبرى، فهي مزيج من إرث الإمبراطورية الاستعمارية، وثورة الأنوار بما تحمله من بعد كوني، ثم الإرث الديغولي الذي رسّخ فكرة الاستقلال الاستراتيجي عن الهيمنة الأمريكية.
والحقيقة أن هذه العناصر الثلاثة لم تختفِ من الوعي السياسي الفرنسي، بل ما زالت تشكل خلفيته التي من خلالها تُقرأ الأزمات الدولية، وهي التي تغذي تصوراً ذاتياً لفرنسا بوصفها قوة “أكبر من وزنها الفعلي”، أو على الأقل قوة لا يجوز أن تغيب عن أي معادلة دولية كبرى، حتى وإن لم تكن قادرة على فرض شروطها فيها.
بيد أن هذا الإدراك الذاتي يصطدم بواقع مختلف تماماً. ففرنسا المعاصرة لم تعد تمتلك أدوات القوة التي تسمح لها بلعب دور “صانع التوازنات” لا خارج الإطار الأوروبي، ولا حتى داخله. فاقتصادها مقيد داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، وقدراتها العسكرية لا تسمح لها إلا بالتدخل المحدود أو الرمزي، الذي لا يكفي لإدارة صراعات طويلة أو إعادة تشكيل خرائط النفوذ. أما على المستوى العالمي، فهي تتحرك داخل نظام دولي تُحدده في الغالب الولايات المتحدة، وتنافسه قوى صاعدة في آسيا والصين والشرق الأوسط.
وهنا ينشأ التناقض العضوي بين طموح استراتيجي ضخم يقابله عجز في أدوات التنفيذ. وهذا التناقض لا يؤدي إلى تراجع في الدور الفرنسي، بل إلى إعادة تشكيله في صورة أكثر مرونة تتخلق على شكل حضور دبلوماسي مكثف، ومبادرات سياسية متكررة، ومشاركة في إدارة الأزمات بعد انفجارها، بدل القدرة على ضبط مسارها منذ البداية.
وفي هذا السياق، يصبح الحضور الفرنسي في ملفات مثل هرمز أو لبنان أو ليبيا أو فلسطين مفهوماً بوصفه “حضوراً تعويضياً”. أي أنه لا يسعى إلى صناعة الحدث، بل إلى ضمان عدم الاستبعاد من مخرجاته. فالدبلوماسية الفرنسية لا تتحرك فقط بدافع التأثير، بل أيضاً بدافع عدم الغياب عن طاولة التسويات النهائية، حيث تُعاد صياغة النفوذ بعد انتهاء المواجهات.
من هنا يمكن فهم سبب هذا التكرار في السلوك الدبلوماسي لفرنسا، أي الوصول المتأخر في الأزمات، خاصة بالمعنى الزمني، وتدخلها عندما تصبح طبيعة التدخل نفسها أقل خطورة وأكثر رمزية. فهي تتجنب لحظة صناعة الصراع، وتتموضع داخل لحظة إدارة نتائجه، حيث يكون المجال مفتوحاً أمام الفعل الدبلوماسي أكثر من الفعل القسري.
غير أن هذا النمط، رغم استمراريته، يعكس أزمة أعمق في موقع فرنسا الدولي، أزمة تتعلق بالمسافة بين صورة الذات التاريخية والقدرة الفعلية على تجسيدها في النظام الدولي المعاصر. فبينما ما تزال فرنسا تتصرف بوصفها قوة عالمية ذات رسالة كونية، يعاملها النظام الدولي كقوة متوسطة ذات تأثير محدود، لا سيما خارج محيطها الأوروبي المباشر.
وهكذا، فإن خبر استعدادها للتدخل في أزمة مضيق هرمز لا يقدم مجرد واقعة دبلوماسية جديدة، بل يكشف مرة أخرى هذا التوتر المزمن بين الذاكرة الإمبراطورية والعجز الجيوسياسي، بين طموح أن تكون فرنسا لاعباً مؤسساً في النظام الدولي، وواقع يجعلها في كثير من الأحيان شاهداً متأخراً على تشكل هذا النظام.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة
من جديد تأتي فرنسا متأخرة، جاءت تبحث عن موقع لها في اللحظات المتأخرة من أزمة كادت أن تعصف بالأمن الدولي، لكن هذه المرة كان مجيئها متجاوزاً التصريحات التقليدية. فالإعلان المشترك الذي صدر في باريس عن الرئيس الفرنسي ماكرون وسلطان عُمان هيثم بن طارق لم يقتصر على التأكيد المبدئي على حرية الملاحة دون شروط أو قيود في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل ذهب إلى حد الحديث عن تعاون عملي بين الأطراف المعنية، يشمل عمليات مشتركة لنزع الألغام البحرية في مضيق هرمز، لإعادة فتحه أمام حركة الملاحة وفق قواعد قانون البحار.
على مستوى الظاهر، فالأمر يتعلق بتثبيت مبدأ قانوني دولي، وبمساهمة تقنية في تعزيز أمن أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الدولي. غير أن دلالة هذا التطور لا تكمن في مضمونه المعلن بقدر ما تكمن في توقيته وسياقه السياسي، خاصة إذا ما قورن بتعقيدات المشهد الإقليمي الذي سبق الإعلان، وبحقيقة أن موازين الردع في منطقة الخليج والممرات البحرية الاستراتيجية كانت قد تشكلت بالفعل بين القوى الأكثر تأثيراً في الملف.
وتزداد أهمية هذا السياق مع الرد الإيراني الذي اعتبر أن أي حديث عن نزع الألغام في مضيق هرمز خارج الإطار الثنائي المعني مباشرة بهذا الملف من شأنه أن “يعقّد الأمور”، في إشارة واضحة إلى رفض أي توسيع لدائرة التدخلات في واحد من أكثر الملفات حساسية في أمن الملاحة الدولية.
وهنا يفرض هذا التطور سؤالاً يتجاوز تفاصيله المباشرة، ليطال بنية التفكير الاستراتيجي الفرنسي: لماذا يتكرر نمط الحضور الفرنسي في المراحل المتأخرة من الأزمات الدولية، عندما تكون خطوط التوازن قد تشكلت فعلياً، بينما يظل هذا الحضور محدود التأثير في لحظات إنتاج هذه التوازنات؟ ولماذا تمتد هذه الظاهرة من لبنان إلى ليبيا، ومن سوريا إلى غزة، وصولاً إلى مضيق هرمز، حيث يتخذ الدور الفرنسي شكل المشاركة المرافقة أكثر من كونه دوراً مؤسساً لمعادلات القوة؟
والأرجح هنا أنه لا يمكن فهم هذا النمط بوصفه تفصيلاً طارئاً أو خللاً في إدارة الأزمات، بل باعتباره جزءاً من منطق أعمق يحكم سلوك السياسة الخارجية الفرنسية، حيث تتحرك فرنسا في الغالب داخل “المرحلة الثانية” من الأزمات الدولية، أي مرحلة إدارة التوازنات بعد أن تكون القوى الأكثر صلابة قد حسمت خطوطها الكبرى، عندما تصبح الكلفة السياسية والعسكرية أقل، ويصبح الفعل الدبلوماسي أكثر قابلية للتأثير الرمزي منه لإعادة تشكيل الوقائع.
هذا التمييز بين لحظة إنتاج الأزمة ولحظة إدارة ما بعدها يشكل المفتاح الهام والأول لفهم السلوك الفرنسي. فحين تكون المعادلات في طور التشكل، وتكون الكلمة الفصل لمن يمتلك أدوات القوة في الميدان، مثل الولايات المتحدة وروسيا وبعض القوى الإقليمية الصاعدة، فإن فرنسا تكون الغائب الحاضر، أما حين تستقر خطوط التوازن، وتصبح المساحة أوسع، وتنفتح أمام القوى التي تمتلك بعضاً من الثقل الدبلوماسي والتاريخي، ويسمح لها بالمشاركة في هندسة “الترتيب النهائي”، حتى إن لم تكن طرفاً في إنتاجه، فإن فرنسا تكون في طليعة هذا البعض.
غير أن تفسير هذا السلوك لا يكتمل عند بعده الوظيفي فقط، بل يجب أن يُقرأ في ضوء البنية العميقة للعقل الاستراتيجي الفرنسي نفسه، الذي لا يعتبر فرنسا دولة أوروبية عادية في إدراكها لذاتها الدولية، بل إنها كيان سياسي تشكّل عبر ثلاثة روافع تاريخية كبرى، فهي مزيج من إرث الإمبراطورية الاستعمارية، وثورة الأنوار بما تحمله من بعد كوني، ثم الإرث الديغولي الذي رسّخ فكرة الاستقلال الاستراتيجي عن الهيمنة الأمريكية.
والحقيقة أن هذه العناصر الثلاثة لم تختفِ من الوعي السياسي الفرنسي، بل ما زالت تشكل خلفيته التي من خلالها تُقرأ الأزمات الدولية، وهي التي تغذي تصوراً ذاتياً لفرنسا بوصفها قوة “أكبر من وزنها الفعلي”، أو على الأقل قوة لا يجوز أن تغيب عن أي معادلة دولية كبرى، حتى وإن لم تكن قادرة على فرض شروطها فيها.
بيد أن هذا الإدراك الذاتي يصطدم بواقع مختلف تماماً. ففرنسا المعاصرة لم تعد تمتلك أدوات القوة التي تسمح لها بلعب دور “صانع التوازنات” لا خارج الإطار الأوروبي، ولا حتى داخله. فاقتصادها مقيد داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، وقدراتها العسكرية لا تسمح لها إلا بالتدخل المحدود أو الرمزي، الذي لا يكفي لإدارة صراعات طويلة أو إعادة تشكيل خرائط النفوذ. أما على المستوى العالمي، فهي تتحرك داخل نظام دولي تُحدده في الغالب الولايات المتحدة، وتنافسه قوى صاعدة في آسيا والصين والشرق الأوسط.
وهنا ينشأ التناقض العضوي بين طموح استراتيجي ضخم يقابله عجز في أدوات التنفيذ. وهذا التناقض لا يؤدي إلى تراجع في الدور الفرنسي، بل إلى إعادة تشكيله في صورة أكثر مرونة تتخلق على شكل حضور دبلوماسي مكثف، ومبادرات سياسية متكررة، ومشاركة في إدارة الأزمات بعد انفجارها، بدل القدرة على ضبط مسارها منذ البداية.
وفي هذا السياق، يصبح الحضور الفرنسي في ملفات مثل هرمز أو لبنان أو ليبيا أو فلسطين مفهوماً بوصفه “حضوراً تعويضياً”. أي أنه لا يسعى إلى صناعة الحدث، بل إلى ضمان عدم الاستبعاد من مخرجاته. فالدبلوماسية الفرنسية لا تتحرك فقط بدافع التأثير، بل أيضاً بدافع عدم الغياب عن طاولة التسويات النهائية، حيث تُعاد صياغة النفوذ بعد انتهاء المواجهات.
من هنا يمكن فهم سبب هذا التكرار في السلوك الدبلوماسي لفرنسا، أي الوصول المتأخر في الأزمات، خاصة بالمعنى الزمني، وتدخلها عندما تصبح طبيعة التدخل نفسها أقل خطورة وأكثر رمزية. فهي تتجنب لحظة صناعة الصراع، وتتموضع داخل لحظة إدارة نتائجه، حيث يكون المجال مفتوحاً أمام الفعل الدبلوماسي أكثر من الفعل القسري.
غير أن هذا النمط، رغم استمراريته، يعكس أزمة أعمق في موقع فرنسا الدولي، أزمة تتعلق بالمسافة بين صورة الذات التاريخية والقدرة الفعلية على تجسيدها في النظام الدولي المعاصر. فبينما ما تزال فرنسا تتصرف بوصفها قوة عالمية ذات رسالة كونية، يعاملها النظام الدولي كقوة متوسطة ذات تأثير محدود، لا سيما خارج محيطها الأوروبي المباشر.
وهكذا، فإن خبر استعدادها للتدخل في أزمة مضيق هرمز لا يقدم مجرد واقعة دبلوماسية جديدة، بل يكشف مرة أخرى هذا التوتر المزمن بين الذاكرة الإمبراطورية والعجز الجيوسياسي، بين طموح أن تكون فرنسا لاعباً مؤسساً في النظام الدولي، وواقع يجعلها في كثير من الأحيان شاهداً متأخراً على تشكل هذا النظام.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة
#هاني_الروسان (هاشتاغ)
Hani_Alroussen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟