أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع الإيراني















المزيد.....

العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع الإيراني


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 17:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أثار القصف الإيراني الذي طال مواقع وقواعد عسكرية أمريكية داخل عدد من الدول العربية نقاشًا قانونيًا وسياسيًا معقّدًا حول حدود وشرعية استخدام القوة من قِبل طرفٍ على إقليم دولة ذات سيادة تستضيف قواعد عسكرية أجنبية، وعلاقة هذا الاستخدام بمبدأ السيادة في النزاعات غير المباشرة. فبينما تؤكد الرواية الإيرانية أن العمليات استهدفت قواعد عسكرية أمريكية باعتبارها مصدرًا للتهديد، وجزءًا مما تسميه بالعمليات العسكرية العدوانية ضدها، أظهرت صور وتقارير واردة من بعض العواصم العربية أن نطاق الضربات لم ينحصر بصورة صارمة داخل حدود المنشآت العسكرية، ما أثار تساؤلات حول مدى المساس بالإقليم الوطني لتلك الدول. وانعكس ذلك توترًا في مواقف صدرت عن جامعة الدول العربية وعدد من العواصم التي شددت على ضرورة احترام السيادة الوطنية، ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية حسابات الأطراف المتنازعة.
لا شك أن هذا التداخل بين استهداف قواعد أجنبية قائمة بموجب اتفاقيات ثنائية، وبين وقوع أفعال عسكرية داخل أقاليم دول ذات سيادة، يفرض مقاربة قانونية دقيقة لا تنحاز إلى توصيف أحادي، إذ لا ينحصر الإشكال في مشروعية ضرب منشآت عسكرية أمريكية في سياق النزاع القائم بين طهران وواشنطن واسرائيل، بل يمتد إلى تحديد الوضع القانوني لتلك القواعد ومدى انعكاس استخدامها في عمليات عسكرية على مركز الدولة المضيفة. فالقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في بعض الدول العربية، رغم أنها تستند إلى اتفاقيات ثنائية تُعرف باتفاقيات وضع القوات أو التعاون الدفاعي، لا تنقل السيادة الإقليمية إلى واشنطن، بل تمنحها حق استخدام منشآت محددة ضمن شروط متفق عليها. وعليه، تبقى هذه القواعد جزءًا من إقليم الدولة المضيفة، وتظل خاضعة لسيادتها، حتى وإن مُنحت القوات الأجنبية امتيازات تشغيلية أو حصانات قضائية. وهذا المعطى أساسي، لأن أي عمل عسكري يقع داخل تلك المنشآت هو فعل يتم على إقليم دولة ذات سيادة.
فوفق المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر على الدول استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، وهي قاعدة أساسية في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تميز بين استهداف قوات أجنبية أو منشآت وطنية ما دام الفعل العسكري يتم داخل الإقليم دون موافقة الدولة. من هذا المنظور، فإن قصف قاعدة أمريكية داخل دولة عربية يشكّل من حيث الأصل مساسًا بالسيادة الإقليمية، حتى ولو كان الهدف المعلن القوات الأمريكية حصراً.
غير أن هذا الاستنتاج الأولي لا يكفي لحسم التكييف القانوني لاستخدام القوة، لأن القانون الدولي يقر استثناءً أساسيًا يتمثل في حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين من الميثاق. فإذا كانت إيران قد تعرضت لهجوم مسلح صادر عن الولايات المتحدة، وكان ذلك الهجوم منطلقًا فعليًا - دون تحديد طبيعته - من قواعد موجودة داخل تلك الدول، فإنها قد تدفع بأن ضرب تلك المنشآت يدخل في نطاق رد دفاعي يستهدف مصدر الاعتداء. وفي هذه الحالة يتحول النقاش من سؤال "هل وقع استخدام للقوة؟" إلى سؤال "هل كان هذا الاستخدام مبررًا بضرورة وتناسب دفاعيين؟".
الجدل هنا يتصل بمسألة الدولة الثالثة التي يُستخدم إقليمها كنقطة انطلاق لعمل عسكري. فإذا سمحت الدولة المضيفة صراحة أو ضمنًا باستخدام أراضيها لشن عمليات هجومية ضد إيران، فإن مركزها القانوني يقترب من وضع الطرف المشارك في النزاع، حتى دون إعلان رسمي للحرب. أما إذا لم تكن مشاركة في الأعمال القتالية، أو لم يثبت أن الهجوم انطلق من أراضيها، فإن ضرب تلك المنشآت يبقى أقرب إلى انتهاك سيادتها، بصرف النظر عن النزاع بين طهران وواشنطن.
وتتداخل هنا أيضًا قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظّم سلوك الأطراف أثناء النزاع المسلح. فالمنشأة العسكرية التي تسهم مساهمة فعالة في العمليات القتالية تُعد هدفًا عسكريًا مشروعًا من حيث المبدأ، ويجوز استهدافها بشرط احترام مبدأي التناسب والتمييز. إلا أن مشروعية الهدف في إطار قانون النزاعات المسلحة لا تعني بالضرورة مشروعية اللجوء إلى القوة، لأن السؤال الأول يتعلق بشرعية الحرب، بينما يتناول الثاني شرعية الوسائل والأساليب. ومن ثم، قد تكون القاعدة هدفًا مشروعًا في نزاع قائم بين إيران والولايات المتحدة، لكن تنفيذ الضربة داخل إقليم دولة ثالثة يظل مثقلاً بإشكالية السيادة.
تزداد الصورة تعقيدًا إذا تجاوز نطاق القصف حدود المنشآت العسكرية وأصاب محيطًا مدنيًا أو بنى تحتية وطنية، إذ يمتد إلى احتمال خرق قواعد التمييز وحماية المدنيين. كما تعكس ردود الفعل الصادرة عن جامعة الدول العربية وبعض العواصم تمسكًا بالمفهوم التقليدي لحرمة الإقليم، الذي لا يتلاشى لمجرد وجود قوات أجنبية بموافقة الدولة.
المحصلة أن التكييف القانوني للقصف الإيراني لا يمكن أن يستقر على وصف واحد قاطع. فإذا لم يثبت وجود هجوم مسلح سابق منطلق من تلك القواعد، يُعد الفعل استعمالًا غير مشروع للقوة وانتهاكًا لسيادة الدولة المضيفة. وإذا ثبت العكس، فقد يُدرج ضمن الدفاع الشرعي، مع بقاء الجدل حول حدود امتداد هذا الحق داخل إقليم دولة ثالثة. أما إذا كانت الدولة المضيفة منخرطة فعليًا في العمليات العسكرية، فإن وضعها القانوني يتغير، ويغدو إقليمها جزءًا من مسرح النزاع.
في كل الأحوال، تكشف الواقعة عن هشاشة التوازن بين مفهوم السيادة التقليدي وواقع الانتشار العسكري العابر للحدود. فوجود قواعد أجنبية يُنتج وضعًا قانونيًا وسياسيًا ملتبسًا، يجعل الدولة المضيفة واقعة بين حقها في استضافة قوات حليفة، وواجبها في صون إقليمها من أن يتحول إلى هدف مشروع في صراعات الآخرين. وبين هذين الحدين يتحدد المعنى القانوني النهائي لأي قصف، لا بوصفه مجرد ضربة عسكرية، بل كاختبار فعلي لحدود النظام القانوني الدولي المعاصر.
ويبقى أن نقول إن الوقائع بينت أن طبيعة استخدام القواعد العسكرية عمومًا ليست دائمًا عسكرية مباشرة، بل قد تشمل وظائف استخبارية أو فنية أو دعمًا لوجستيًا يساهم في العمليات العسكرية. وفي الحالة الراهنة، الأرجح أن القواعد الأمريكية تقوم بمهام متعددة تساهم بشكل أو بآخر في العمليات العسكرية، مما يجعلها جزءًا من تهديد وشيك أو فعلي ضد إيران. وعليه، فإن الهجمات الإيرانية قد تُدرج في نطاق الدفاع الشرعي عن النفس وفق القانون الدولي، مع ضرورة احترام شروط التناسب والتمييز، مع شرط وجود علاقة فعلية بين استخدام القوة من القواعد والتهديد الواقع، وأي تجاوز للحدود العسكرية أو استهداف غير مشروع للبنى المدنية يخرج الفعل عن نطاق الدفاع الشرعي ويشكل انتهاكًا لسيادة الدولة المضيفة.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...


المزيد.....




- حالة من الذعر في بيروت مع تهافت السكان على المغادرة بعد أوام ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهدافه -مركز قيادة- إيراني في لبنان ...
- تركيا تكشف حقيقة مطالبتها للاستخبارات البريطانية بتعزيز حماي ...
- في اليوم السابع للحرب.. إسرائيل تضرب أكثر من 400 هدف في إيرا ...
- واختار حزب الله المشي على الجمر
- مع تصاعد الحرب.. فرنسا ترسل حاملة مروحيات إلى المتوسط
- قطر تدين هجمات إيران على أراضيها وتصفها بـ-انتهاك صارخ للسيا ...
- خبراء يشككون باستسلام إيران.. لماذا تبدو الحرب الأمريكية بلا ...
- لماذا الولايات المتحدة قلقة من ميزانية الدفاع الصينية الجديد ...
- مسؤول لـCNN: دول خليجية تراجع استثماراتها الخارجية بسبب الحر ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع الإيراني