أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأراضي- جوهر معادلة التصعيد في الضفة














المزيد.....

من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأراضي- جوهر معادلة التصعيد في الضفة


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 00:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن قراءة القرار الإسرائيلي الأخير بالشروع في تسجيل وتسوية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بوصفه إجراءً إداريًا تقنيًا، لأنه في الجوهر يعد انتقالاً نوعياً داخل الاستراتيجية التي تحكم سلوك إسرائيل تجاه الضفة: من إدارة التصعيد الميداني منخفض الكلفة إلى تثبيت واقع سيادي عبر أدوات "قانونية" ومؤسسية. وهذه الخطوة تكشف أن ما بدا سابقًا كسياسة احتواء نشط وتغيير بطيء للواقع لم يكن مجرد تكتيك، بل مسارًا متدرجًا لإعادة تعريف الأرض نفسها: ملكيةً، وسيادةً، ووظيفةً سياسية.
لقد انطلقنا في قراءة سابقة لمعالجة التصعيد الإسرائيلي من فرضية مفادها أن تل أبيب، رغم خطابها المتطرف، لا تسعى إلى مواجهة شاملة في الضفة، بل إلى تفكيك المجال الفلسطيني تدريجيًا عبر أدوات محسوبة الكلفة، والقرارات الجديدة تمنح هذه الفرضية بُعدًا مؤسسيًا صريحًا. فحين تتحول السيطرة العسكرية إلى تسجيل "قانوني" للأرض بوصفها "أراضي دولة"، فإننا نصبح أمام انتقال من منطق القوة المؤقتة إلى منطق الحق المُدَّعى، وهذه النقلة ليست شكلية؛ لأنها تعني تثبيت نتائج السيطرة في بنية "قانونية" طويلة الأمد، تجعل التراجع عنها أكثر تعقيدًا سياسيًا وقضائيًا.
وفي هذا السياق، يصبح التصعيد "القانوني" بديلاً مدروسًا عن التصعيد العسكري. فبدل فتح جبهة واسعة النطاق تستنزف الموارد وتفاقم الانقسامات الداخلية، تُفعِّل إسرائيل أدوات إدارية تبدو أقل ضجيجًا لكنها أشد تأثيرًا، فتسجيل الأراضي يخلق مرجعية ملكية جديدة تُسهِّل التوسع الاستيطاني وتمنح الدولة غطاءً رسميًا لإعادة توزيع المجال الجغرافي. وهنا يتكامل القرار مع الخطاب السياسي الذي يقوده وزراء بارزون مثل سموتريتش، حيث لا يُخفى الهدف النهائي بتحويل الضفة من ساحة نزاع إلى فضاء سيادي مُعاد تعريفه.
والحقيقة ان هذا التحول ينسجم مع منطق "التغيير البطيء للواقع" الذي يقوم على مراكمة الوقائع بدل فرض الحسم الفوري. فإعادة إجراءات الملكية على هذا النحو تعني عمليًا إعادة بناء الجغرافيا السياسية للأرض الفلسطينية، من حيث هي تقليص للحيز الفلسطيني عليها، وتكريس لتجزئتها من ناحية، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية الفعلية عليها دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي قد يستجلب كلفة دولية فورية من ناحية ثانية.
غير أن هذه المقاربة، ورغم ما تبدو عليه من نعومة تكتيكية، تحمل في داخلها عناصر عدم استقرار عميقة، لان طل خطوة "قانونية" تُعيد تعريف الأرض ستكون في الوقت ذاته نقطة احتكاك. فتحويل الأراضي إلى أملاك دولة لا يُقرأ فلسطينيًا كإجراء تنظيمي، بل كجزء من عملية اقتلاع تدريجي، وهو ما يضاعف من احتمالات انفجار شعبي منفلت، لانه ومع كل تآكل للمجال الاقتصادي والجغرافي، سيتزايد الشعور بأن الصراع لم يعد يتعلق فقط بالسيادة السياسية، بل بالوجود المكانى ذاته.
والأثر الناجم عن ذلك سوف لن يقتصر على المجتمع الفلسطيني، بل يمتد إلى بنية العلاقة مع السلطة الوطنية الفلسطينية. فكل تقليص في مساحة الحيز الإداري والاقتصادي لها يضعف قدرتها على أداء وظائفها، ويخلق فراغًا تدريجيًا قد تملؤه قوى أكثر تشددًا أو أنماط مقاومة أقل قابلية للضبط. وهنا يظهر التناقض في الاستراتيجية: أدوات منخفضة الكلفة على المدى القصير قد تنتج كلفة أمنية وسياسية أعلى على المدى المتوسط، خاصة إذا تحولت الضفة إلى ساحة احتكاك دائم وغير قابل للاحتواء.
أما دوليًا، فتمثل هذه القرارات اختبارًا جديدًا لحدود رد الفعل على سياسة فرض الأمر الواقع. فبينما تتزايد الانتقادات والتحذيرات، تظل أدوات الضغط محدودة، ما يشجع إسرائيل على المضي قدمًا في تكريس الوقائع التي تريدها. إلا أن التراكم "القانوني" للسيطرة قد يعمق عزلتها السياسية تدريجيًا، ويعيد طرح أسئلة تتعلق بطبيعة النظام القائم في الأرض المحتلة، وهو مسار قد لا يظهر أثره فورًا لكنه يتفاعل ببطء في البيئة الدولية.
ورؤية مستقبلية هنا، لا تشير إلى أن هذه الخطوة ستؤدي بنا نحو الاقتراب من انفجار شامل في الضفة، بل إلى تعميق نموذج الصراع منخفض الحدة وعالي التأثير، مع استمرار الخطاب السياسي مرتفع السقف، بينما تستمر الممارسة الميدانية و"القانونية" في التقدم بخطوات محسوبة. لتفادي لحظة الانفجار، غير ان تراكمًا بطيئًا للضغوط قد يصل في لحظة ما إلى نقطة تحول غير متوقعة.
ويبقى ان نقول، ان قرار تسجيل الأراضي يكشف أن معادلة التصعيد لم تتغير في جوهرها، بل دخلت مرحلة أكثر صراحة وتنظيمًا. وهو ما يرتب على الجانب الفلسطيني الآن، ضرورة التفكير بشكل استراتيجي مختلف عن السابق لمواجهة مخاطر التآكل التدريجي للسلطة الوطنية، لان اسرائيل الى جانب محاولاتها المحمومة لخلق وتثبيت وقائع "قانونية" جديدة على الأرض، تلوح في الأفق محاولات لإعادة تصميم شكل السلطة الفلسطينية على غرار نموذج لجنة إدارة غزة، وهو ما تشير إليه المعطيات الميدانية الحالية حيث تسعى إسرائيل لنزع أي طابع سياسي عن الضفة عبر إنهاك السلطة الوطنية، وتحويلها إلى إدارة مدنية بلا قدرة على اتخاذ قرارات ذات صلة بالسيادة. وهذا يفرض على القيادة الفلسطينية فضلاً عن ضرورة التفكير في أدوات أكثر نجاعة لحماية الأرض والكيان السياسي، وتعزيز قدرات الصمود المحلي، وضمان صيانة الوجود الإداري والحقوقي، العمل الفعال على الجبهة العربية لتفعيل دورها إن للدعم المباشر للصمود الفلسطيني، او لتفعيل ثقلها على المستوى الدولي للضغط على اسرائيل، كخط أول لمواجهة أي محاولة لتكرار نموذج غزة في الضفة.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات


المزيد.....




- الشرطة البريطانية: الإفراج عن أندرو شقيق الملك تشارلز الثالث ...
- أول تعليق لترامب بشأن القبض على الأمير البريطاني السابق أندر ...
- ترامب: غزة لم تعد بؤرة للإرهاب، ومساعدات تقدر بنحو 20 مليار ...
- أخبار اليوم: سجال بين ماكرون وميلوني على خلفية مقتل ناشط يمي ...
- موقع إيطالي: لماذا كان إبستين حريصا على الاستثمار في الصين؟ ...
- صحيفة روسية: هل باتت موسكو في مرمى الخطر؟
- بعد 8 سنوات من الغياب.. أسطورة فوازير رمضان نيللي تعود بـ-بم ...
- قائد قوة الاستقرار الدولية في غزة يعلن تفاصيلها والدول الداع ...
- الفيفا وإعادة إعمار غزة.. ماذا سيقدم؟
- -شبيبة التلال- الاستيطانية تتبنى عشرات الهجمات في الضفة


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأراضي- جوهر معادلة التصعيد في الضفة