أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريكي للسلطة؟














المزيد.....

زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريكي للسلطة؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بدت زيارة الرئيس محمود عباس إلى موسكو، للوهلة الأولى، وكأنها بلا سياق سياسي واضح، أو كجهد متأخر لملء فراغ دبلوماسي في لحظة انسداد شامل، لا يحمل في ظاهره أكثر من إعادة تدوير علاقات تقليدية لم تعد قادرة على إنتاج اختراقات ذات معنى. غير أن العارفين بالرئيس عباس، وبأسلوبه في إدارة الصراع لا في خوضه علنًا، يدركون أن هذا النوع من التحركات هو تحديدًا ما يجيده، حيث يتفنن بتنسيق هجمات اللحظات الأخيرة، الصامتة والمركّزة، حين يعتقد الخصوم أن المعركة حُسمت وأن مسارات الإنهاء باتت سالكة بلا مقاومة. فمن خبر دهاليز النظام الدولي لعقود، يعرف متى يبدو التحرك في ظاهره بلا معنى، ليكون في جوهره محاولة مدروسة لإرباك وتعطيل وربما افشال مسار كانٍ يُراد له أن يُغلق بهدوء وسكينة.
فما كان يجري في الكواليس الدولية، وبخاصة في واشنطن، لم يكن مجرد نقاشات نظرية حول "اليوم التالي" في غزة، بل مسارًا عمليًا لإعادة تعريف المسألة الفلسطينية خارج إطارها السياسي التاريخي والقانوني. فعدة تقارير تحليلية متداولة في الدوائر الأمريكية المؤثرة، أعدّها مستشارون منخرطون في متابعة ملف ما بعد الحرب، كشفت عن تحوّل نوعي في التفكير الامريكي، انتقل من البحث عن سبل إصلاح السلطة الفلسطينية إلى العمل على تجاوزها، عبر خلق أطر إدارية موازية لا تحتاج إلى شرعية سياسية، ولا إلى توافق وطني، ولا حتى إلى التزامات صريحة بحل الدولتين.
وفي قلب هذا التحول، برز الى الوجود نموذج “لجنة إدارة غزة” بوصفه أكثر من ترتيب مؤقت، بل كنموذج قابل للتعميم. فالمقاربة الأمريكية الجديدة لا تسعى إلى إعادة إطلاق مسار سياسي، بل إلى نزع الطابع السياسي عن القضية الفلسطينية عبر تحويلها إلى مسألة إدارة سكانية وأمنية منخفضة الكلفة، إدارة بلا سيادة، واستقرار بلا تمثيل، وازدهار اقتصادي مفصول عن أي أفق وطني. وهنا تكمن خطورة هذا النموذج: فهو يعمل بكفاءة أكبر كلما تراجعت السياسة فيه، وهو لا يحتاج إلى حل الدولتين لكي يستمر.
وهذا على الاغلب ما التقطه محمود عباس مبكرًا. الخطر، من وجهة نظره، لم يعد في إسقاط السلطة الفلسطينية أو تفكيكها علنًا، بل في تجاوزها وظيفيًا مع الإبقاء على شكلها الفارغ. أي سحب القرار الحقيقي من يدها، ونقل إدارة الأرض والسكان إلى أطر بديلة تُدار من الخارج، مع الاحتفاظ بالسلطة كواجهة شكلية تمتص الغضب وتتحمل الكلفة دون أن تمتلك الفعل.
من هنا، لا يمكن قراءة زيارة موسكو إلا باعتبارها هجومًا دبلوماسيًا مضادًا على هذا المسار. هجوم لا يرفع الشعارات، ولا يعلن القطيعة مع واشنطن، بل يسعى إلى تعطيل مشروع التجاوز الأمريكي عبر إدخال لاعب دولي ثقيل إلى المعادلة، وكسر وهم الإجماع الدولي على المقاربة الترامبية الجديدة. فالسلطة التي تُصنّف دوليًا بوصفها "قابلة للتجاوز" تصبح خارج المستقبل، حتى وإن استمرت شكليًا.
واختيار موسكو تحديدًا لم يكن اعتباطيًا. فروسيا، الساعية إلى استعادة موقعها في الشرق الأوسط في ظل انشغالها بالجبهة الأوكرانية، تحتاج إلى ملفات تعيد تثبيت حضورها كقوة دولية لا يمكن تجاوزها. والملف الفلسطيني، بما يحمله من رمزية قانونية وسياسية، يشكّل فرصة مثالية لموسكو للعودة إلى مسرح الأحداث دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
هنا تلاقت الحاجة بالحساب:
عباس احتاج إلى شريك دولي قادر على تعطيل المسار الأمريكي، ولو سياسيًا ورمزيًا.
وموسكو احتاجت إلى ملف يعيدها إلى قلب التوازنات الإقليمية والدولية.
ولكن الهدف لم يكن إنتاج مبادرة روسية بديلة، ولا فتح مسار تفاوضي جديد، بل إعادة تسييس ما تسعى واشنطن إلى تحويله إلى ملف إداري تقني. فمجرد إدخال روسيا إلى النقاش حول مستقبل الحكم في الأراضي الفلسطينية يعقّد فكرة اللجان التكنوقراطية، ويعيد ربط أي ترتيبات إدارية بسؤال الشرعية الدولية والتمثيل السياسي.
وفي هذا السياق، تمثل زيارة ابو مازن محاولة واضحة لإفشال مخططات ترامب لا عبر المواجهة، بل عبر رفع كلفتها. فمشروع إدارة غزة بلجان مستقلة، ثم تعميم النموذج على الضفة الغربية، يفقد كثيرًا من زخمه إذا ما واجه اعتراضًا من قوة دائمة العضوية في مجلس الأمن، حتى وإن كان هذا الاعتراض محدود الأدوات.
صحيح أن هذه المناورة لا تملك القدرة على إسقاط المشروع الأمريكي، لكنها تستهدف تعطيله وظيفيًا ومنع تحوله إلى مسار دولي مستقر. وهي، في جوهرها، دفاع أخير عن بقاء القضية الفلسطينية داخل الحقل السياسي الدولي، لا ترحيلها إلى هامش "الإدارة الرشيدة" الخالي من المعنى السيادي.
في المحصلة، لا تعكس زيارة موسكو ثقة عباس بقدرة روسيا على إنقاذ المشروع الوطني، بقدر ما تعكس إدراكه أن المعركة لم تعد على تحسين شروط التسوية، بل على منع تصفية فكرة التسوية نفسها عبر بدائل إدارية هجينة. إنها خطوة رجل يعرف أن ميزان القوة لا يميل لصالحه، لكنه يحاول، في اللحظة الأخيرة، استخدام تناقضات النظام الدولي لإرباك مشروع الإنهاء الأمريكي، ولو مؤقتًا.
أما السؤال الحقيقي، فلم يعد ما إذا كانت هذه المناورة ستنجح، بل كم من الوقت تستطيع تأجيل مسارٍ يبدو أن واشنطن ماضية فيه: تجاوز السلطة الفلسطينية… وتجاوز حل الدولتين معها، بلا إعلان وبلا صدام، الى حين ان يطرأ تحول جديد على اعادة انتشار وتوزيع القوة داخل الاقليم، حيث يبدو ان مراجعات جوهرية سعودية باتت من تحصيل الحاصل.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام والجيوبوليتيك في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات
- قطر بين صدمة الواقع والرهان على الوهم
- صدقية الاعتراف بالدولة الفلسطينية رهين بحماية السلطة ووقف حر ...
- نفس الاهداف ونفس النتائج: منع تأشيرة الرئيس ابو مازن يعيد لل ...


المزيد.....




- مسؤولة أوروبية تتوقع إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة ا ...
- الكاف يفرض عقوبات على السنغال والمغرب بعد فوضى نهائي كأس أمم ...
- -هل يمكن أن تجعلنا الحبوب الذكية أكثر صحة؟- - مقال في فاينان ...
- ماذا نعرف عن الحرس الثوري الإيراني بعد تحرك أوروبي من أجل تص ...
- تساقط ثلوج قياسي يسبب فوضى في أنحاء عدة من اليابان
- هل يكون بديلًا لتيك توك؟ تطبيق طوره فلسطيني يحقق أرقامًا قيا ...
- أخبار اليوم: الاتحاد الأوروبي يتفق على فرض عقوبات جديدة على ...
- عكس التيار الأوروبي.. إسبانيا تتجه لتسوية أوضاع نصف مليون مه ...
- إيطاليا: لحظات تحبس الأنفاس.. انهيارات أرضية في صقلية
- المستشار الألماني: أوروبا شريك لواشنطن وليست تابعا لها


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريكي للسلطة؟