أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة الفلسطينية من مضمونها الوظيفي؟














المزيد.....

من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة الفلسطينية من مضمونها الوظيفي؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد النقاش حول مستقبل السلطة الفلسطينية يدور في نطاق بقائها أو زوالها ككيان سياسي معلن، بل انه بات يتعلق بطبيعة الدور الذي يجري الإبقاء عليه لها، وحدوده الفعلية، ومدى قدرته على الاستمرار، حيث ان التحولات والاجراءات الإسرائيلية الجارية لا تشير الى احتمال تطور دراماتيكيا يؤدي الى قرار بإنهائها، وإنما إلى مسار متدرّج يعيد تعريفها وتوزيع وظائفها، ويقيد قدرتها على ممارسة ما مُنح لها أصلًا بموجب اتفاقيات أوسلو
فوفق هذه الاتفاقيات، قُسمت الضفة الغربية إلى مناطق (A، B، C)، وكان ذلك التقسيم جزءًا من ترتيبات انتقالية كان يفترض أنها ستقود خلال خمس سنوات إلى تسوية نهائية تتوج بقيام دولة فلسطينية كما منحت هذه الاتفاقية السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية واسعة في (A) و(B)، وصلاحيات أمنية كاملة في (A)، بينما بقيت (C) تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، غير أن الطابع “الانتقالي” لهذا الترتيب تحوّل مع مرور الوقت إلى واقع ممتد، بل إلى إطار يجري داخله إعادة ضبط موازين القوة بدل إنهائها وانسحاب اسرائيل.
ولكن التحول الأخطر الذي وقع خلال الفترة الممتدة من تشكيل السلطة الى اليوم لا يتمثل فقط في استمرار السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (C)، بل في إعادة تشكيل حدود الفعل الفلسطيني داخل المناطق المصنفة (A) نفسها. فالاقتحامات العسكرية المتكررة، وعمليات الاعتقال، وفرض الوقائع الميدانية، جعلت من مفهوم “السيطرة الكاملة” مفهومًا نظريًا أكثر منه توصيفًا عمليًا. وهنا لا يجري تعديل النص الاتفاقي، بل يجري تجاوزه بالوقائع والقوة، بحث ان تلك الصلاحية بقيت حبيسة داخل الوثائق، أما القدرة على ممارستها فتغدو رهينة ميزان القوة الحاسم للجانب الاسرائيلي.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المسألة في بعدها الأمني فقط، بل ان جوهر التفريغ يتم في المجال الإداري–الوظيفي. فالسلطة تُطالَب بإدارة شؤون السكان، وضمان انتظام المؤسسات، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، في حين تتقلص أدواتها المالية وتُقيّد حركتها الجغرافية. فعندما تعتمد السلطة في جزء أساسي من مواردها على أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل، تصبح عرضة للاقتطاع أو التأخير، فتتراجع القدرة التشغيلية للوزارات، وتتراكم الأزمات، ويتحول الأداء العام من تخطيط وتنمية إلى إدارة نقص موارد دائم.
وفي الوقت ذاته، يجري تعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (C)، التي تشكل نحو 60–61% من مساحة الضفة الغربية، عبر أدوات "قانونية" متهافتة وإدارية مثل تسجيل الأراضي وإعادة تنظيم الملكيات، ولكن الاخطران هذه الإجراءات لا تبقى محصورة في نطاق (C)، بل تنعكس على المشهد كله. إذ تتحول المدن المصنفة (A) إلى مساحات مكتظة ومحاطة بمجال خاضع لرقابة أشمل، ويغدو التوسع العمراني أو التخطيط الإقليمي محكومًا باعتبارات خارج الإرادة الفلسطينية. وهكذا، حتى حين تبقى الإدارة المدنية قائمة داخل حدود المدن، فإن المجال الحيوي الذي يفترض أن تتطور فيه الدولة المستقبلية يُعاد تشكيله بطريقة تحدّ من إمكانات ذلك التطور، كإجراءات استباقية للقضاء على حلم اقامة الدولة.
والحقيقة ان هذه العوامل تتراكم لتنتج معادلة مختلة، اي مسؤوليات واسعة ملقاة على كاهل السلطة مقابل قدرات وادوات محدودة، في الوقت الذي تبقى فيه السلطة مسؤولة أمام مجتمعها عن الخدمات والاستقرار، رغم انها لا تتحكم في الموارد الطبيعية، ولا في الحدود، ولا في المجال الجغرافي المتصل، ومع استمرار هذا الاختلال، يبدأ التآكل من الداخل، فالانهيار عادة لا يكون بقرار واحد، بل عبر استنزاف بطيء يفصل الشكل المؤسسي عن مضمونه الفعلي.
بهذا المعنى، فإن تقليص الصلاحيات داخل (A/B) لا يقتصر على البعد الميداني، بل يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة الكيان ذاته. فالسلطة التي نشأت بوصفها خطوة انتقالية نحو الدولة، تجد نفسها أمام واقع يعيد تعريفها كإدارة محلية محدودة الصلاحيات ضمن بنية سيطرة أوسع، والفرق بين “الانتقال” و”الديمومة” هنا ليس لغويًا، بل سياسي وجودي: الانتقال يفترض أفقًا مفتوحًا، أما الديمومة فتفترض تثبيتًا للواقع.
غير أن استمرار هذا المسار لن يبقى بلا ارتدادات. فالسلطة الفلسطينية، مهما تقلصت أدواتها، تدرك أنها لم تنشأ بوصفها جهاز خدماتي محض، بل كنواة دولة جرى الاتفاق على قيامها عقب مرحلة انتقالية محددة زمنيًا، وكل إجراء يُفرغها من مضمونها الوظيفي لا يضغط عليها إداريًا فقط، بل يمس الأساس السياسي الذي قامت عليه. ومع تضاؤل الفارق بين سلطة مقيدة وسلطة معطلة، يصبح الاستمرار في تلقي الإجراءات دون مراجعة خيارًا يهدد وجودها ذاته، وعند نقطة معينة، قد تجد نفسها مدفوعة — بحكم إدراكها لطبيعة الدور الذي أُنيط بها تاريخيًا — إلى إعادة تعريف موقعها، والانتقال من إدارة التوازنات الدقيقة إلى مواجهة سياسية مباشرة دفاعًا عن دورها بوصفها التعبير المؤسسي عن مشروع الدولة. وحينها، لن يكون السؤال ما إذا كانت قد أُفرغت من مضمونها، بل ما إذا كان الضغط المتراكم قد أعادها إلى خط الصراع الأول، بعد أن ظُنّ طويلًا أن المرحلة الانتقالية قابلة للتمديد إلى ما لا نهاية.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة


المزيد.....




- أفغانستان وباكستان.. ضربات متبادلة تشعل الأزمة بين البلدين
- طهران تتحدث عن -الجولة الأفضل- من المفاوضات مع واشنطن.. ومنا ...
- بينهم إسرائيليان.. السجن 8 سنوات لمدانين بفضيحة التجسس على ه ...
- -اسألوا ترامب-.. هيلاري كلينتون تدلي بشهادتها في قضية إبستين ...
- بعد أقل من شهر.. رئيسة وزراء الدنمارك تدعو إلى انتخابات تشري ...
- واشنطن وكييف تناقشان في جنيف التحضيرات لمفاوضات مع موسكو.. و ...
- في سابقة تاريخية.. ميلانيا ترامب تترأس مجلس الأمن الدولي
- عاجل | مراسل الجزيرة: دوي انفجار هائل في العاصمة الأفغانية ك ...
- بدأ بناؤه قبل 50 عاما.. افتتاح مسجد في مصر يستلهم تصميم آيا ...
- إسرائيل تُجبر 37 منظمة إنسانية على مغادرة غزة


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة الفلسطينية من مضمونها الوظيفي؟