أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صراع وجودي وحضاري














المزيد.....

من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صراع وجودي وحضاري


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الحرب إلى المعنى: لماذا
وحيث إنّ كلّ المؤشرات المتراكمة، ميدانيًا وسياسيًا ورمزيًا، تشي بأنّ الحرب التي اندلعت منذ نحو شهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، لم تعد تتحرك ضمن حدود التصعيد التقليدي القابل للضبط والسيطرة، بل تتجه نحو مستوى نوعي من الانفلات، حيث لا يكون الخطر في اتساع رقعتها الجغرافية فحسب، بل في تحوّل طبيعتها من صراع سياسي قابل للإدارة إلى صراع مشحون بدلالات وجودية وثقافية حضارية وعقائدية. ومن هذه اللحظة تحديدًا، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا على دونالد ترامب أن يسارع إلى إنهاء هذه الحرب قبل أن تتجاوز نقطة اللاعودة؟
الحقيقة أن المقاربات السطحية قد تختزل الإجابة في حسابات الربح والخسارة أو في كلفة الاستنزاف العسكري، غير أنّ جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير، إذ نحن أمام مسار تراكمي من السياسات الأمريكية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001، مرورًا بإعادة تشكيل المجال الإقليمي عقب غزو العراق عام 2003، وصولًا إلى الانحياز المطلق لإسرائيل في مذبحة غزة فضلاً عن دعمها السافر لها في مواصلة احلالها لفلسطين طوال أكثر من سبعين عامًا، ثم الانخراط الآن في مواجهة مفتوحة مع إيران. ان هذا المسار لم يُنتج فقط اختلالات في موازين القوى الإقليمية، بل بدأ يُعيد تشكيل "معنى الحرب" ذاته داخل الوعي الجمعي في الإقليم، الذي بدأت بوادره الأولى في الانخراط الواسع لفئات شبابية في حركات التطرف المسلحة.
فالمشكلة إذن التي قد تبلغ ذروات غير مسبوقة لم تعد في الوقائع المادية للحرب، بل في التحول الوجداني الذي يواكبها ويعيد تفسيرها. فالحروب والمآسي، في لحظاتها القصوى، لا تُختزل في كونها صدامًا بين جيوش، بل تتحول إلى وقائع مُؤسِّسة للمعنى، تُستدعى فيها الذاكرة، وتُعاد صياغة الهوية، ويُعاد ترتيب موقع الفرد داخل الصراع. فما حدث في غزة مثلاً لم يبقَ حدثًا عسكريًا مهما بلغت قسوته، بل تحوّل إلى بؤرة كثيفة لإنتاج الدلالة: صورة مكثفة للظلم، للصمود، وللاختلال الفادح في موازين القوة، وهذه البؤرة لم تُغلق بانتهاء العمليات، بل بقيت مفتوحة في الوعي، قابلة لإعادة الاستدعاء والتوظيف.
ومع انتقال المواجهة اليوم إلى إيران، فإنّ هذا المخزون الوجداني لا يُترك خامدًا، بل يُعاد تفعيله ضمن إطار أوسع، حيث تبدأ الحرب في تراكم تداعياتها على ما سبقها من مخزون، لا في الانفصال عنه. وهنا تحديدًا يكمن الخطر البنيوي: تراكم الأحداث لا بوصفها وقائع منفصلة، بل كسلسلة دلالية واحدة تُعاد قراءتها ضمن منطق يتجاوز السياسة إلى عقيدة الانتماء الحضاري، وفي هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من بدأ الحرب؟ بل: "ما الذي تمثّله هذه الحرب؟"
هذا التحول من "السبب" إلى "المعنى " هو ما يهدد الصراع بالانزلاق التدريجي نحو التديين. فحين تُقرأ الحرب كامتداد لسلسلة من الاعتداءات المتراكمة، ويُعاد تأطيرها ضمن ثنائيات كبرى (ظلم/عدل، اعتداء/دفاع، وجود/إبادة)، فإنّها تخرج من منطق المصالح إلى منطق القيم المطلقة. وفي هذا المستوى، يصبح الانخراط في الصراع ليس خيارًا سياسيًا، بل استجابة وجدانية وأخلاقية، تتغذى من الشعور بالواجب والانتماء.
إنّ أخطر ما في هذا المسار أنّه يحرّر طاقات التعبئة ويدفعها الى خارج سيطرة الدول. فالفرد الذي يرى نفسه معنيًا بالحرب على أساس هويته أو عقيدته لا يحتاج إلى قرار دولة كي ينخرط فيها، سواء ماديًا أو رمزيًا. وهنا تفقد القوة العسكرية التقليدية إحدى أهم ميزاتها في القدرة على تحديد من يقاتل ومن لا يقاتل.
لقد أظهرت تجارب سابقة أنّ الحروب التي تُؤطر دينيًا وعقائديا تميل إلى الاستدامة والتوسع، لأنها لا تُحسم في ساحة المعركة فقط، بل في فضاء المعنى الذي لا يخضع لقواعد الردع، وضمن هذا الإطار، يمكن فهم التراكم الاستراتيجي للأخطاء الأمريكية ليس فقط بوصفه إخفاقًا في التقدير، بل بوصفه مسارًا أفضى، موضوعيًا، إلى إنتاج هذا التحول. فالرهان على إدارة الفوضى بعد 11 سبتمبر، ثم تفكيك التوازنات الإقليمية بعد غزو بغداد 2003، وأخيرًا الانخراط غير المشروط في حرب غزة، كلّها عناصر أسهمت في بناء بيئة نفسية-سياسية مشبعة بالاحتقان، جاهزة لاستقبال أي صراع جديد بوصفه امتدادًا لمعركة أوسع. ومع الحرب على إيران يزداد احتمال أن يكتمل هذا المسار، لأنّنا أمام فاعل قادر أصلاً على توظيف البعد العقائدي في التعبئة.
من هنا، فإنّ استمرار الحرب لا يعني فقط تعميق الخسائر الناجمة عنها أو توسيع رقعة الاشتباك، بل يعني، على نحو أخطر، تثبيت هذا التحول في الوعي، فكلّ يوم إضافي من القتال لا يضيف فقط إلى حصيلة الدمار دمارًا أوسع، بل يضيف إلى رصيد السردية التي تُعيد تعريف الحرب كصراع ديني وحضاري. وعندما تترسخ هذه السردية، فإنّ أي محاولة لاحقة لاحتواء الصراع تصبح أكثر صعوبة، لأنّها ستُواجه ليس فقط بحسابات القوة، بل برفض وجداني عميق لأي تسوية.
وبعبارة حاسمة، على ترامب أن يسارع إلى وقف هذه الحرب لأنّها تقف على حافة تحوّل نوعي: من حرب يمكن إنهاؤها بقرار سياسي إلى حرب يُعاد إنتاجها داخل الوعي الجمعي بوصفها واجبًا عقائديًا وحضاريًا. وفي اللحظة التي يحدث فيها هذا التحول، تفقد الولايات المتحدة-وأي قوة نظامية-قدرتها على التحكم بمسار الصراع أو بنهاياته.
فالخطر، إذن، ليس في أن تخسر واشنطن معركة، بل في أن تُسهم، من حيث تدري أو لا تدري، في إطلاق دينامية صراع لا يمكن إطفاؤها بالوسائل التي أشعلتها بها. وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها إنهاء الحرب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية لتفادي انزلاق شامل نحو صراع مفتوح على المعنى، قبل أن يكون مفتوحًا على الجغرافيا.
هاني الروسان/ استاذ الجيوبوليتيك في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صراع وجودي وحضاري