أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت وغياب إعادة التعريف















المزيد.....

مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت وغياب إعادة التعريف


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 12:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الإصرار على دفع معركة الأسماء إلى واجهة النقاشات التي تسبق انعقاد المؤتمر الثامن، وتقديمها باعتبارها القضية الأكثر إلحاحًا، لا يعكس فقط طبيعة التجاذبات الداخلية داخل الحركة، بل يكشف أيضًا أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بغياب المعنى السياسي للمشروع نفسه. فالنقاش الذي يسبق المؤتمر ويترافق معه يكشف، بصورة متزايدة، انتقال الحركة الوطنية الفلسطينية من سؤال المشروع إلى سؤال الإدارة، ومن الانشغال بكيفية تحقيق التحرر إلى الانشغال بكيفية إعادة إنتاج البنية التنظيمية ذاتها. وهذه ليست أزمة عابرة مرتبطة بترتيبات داخلية أو توازنات شخصية، بل مأزق بنيوي يتصل بطبيعة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه: هل ما يزال مشروعًا للتحرر، أم تحوّل تدريجيًا إلى إطار لإدارة واقع دائم يُعاد وصفه بلغة وطنية؟
صحيح أن هناك ترابطًا عضويًا بين طبيعة القيادة وبين تعريف المشروع الوطني؛ فالقيادات لا تُدير المشروع فقط، بل تُعيد إنتاجه أو تُفرغه من مضمونه. غير أن الخطورة تبدأ حين يصبح الصراع على القيادة بديلًا عن الصراع على تعريف المرحلة التاريخية ذاتها. فعندما يتم الدفع بمعركة الأسماء إلى الواجهة، فإنها تتحول إلى غطاء يؤجل الأسئلة الحقيقية، وتصبح المواقع التنظيمية وكأنها بحد ذاتها مشروع سياسي، بينما يتراجع النقاش حول مضمون هذا المشروع، وحدوده، وأدواته، وقدرته على التعامل مع واقع يتغير بوتيرة تتجاوز قدرة الخطاب التقليدي على استيعابه.
وفي هذا السياق أيضًا، تتحول الثوابت الوطنية - القدس، العودة، الدولة، التحرر - من نقطة انطلاق سياسية إلى نقطة وصول رمزية. والمشكلة هنا ليست في الثوابت ذاتها، لأنها تمثل البنية الأخلاقية والرمزية التي تحفظ هوية القضية الفلسطينية وتمنع ذوبانها في مشاريع التصفية، بل في الطريقة التي جرى التعامل معها سياسيًا. فالثابت الذي لا يتحول إلى استراتيجية يصبح شعارًا، والشعار الذي يحل محل السياسة يتحول، مع الوقت، إلى شكل من أشكال إدارة العجز لا مقاومته.
لقد اعتادت الحركة الوطنية الفلسطينية، خلال العقود الماضية، على إعادة تأكيد الثوابت كلما تعمقت الأزمة، وكأن التمسك بالمفردات قادر وحده على تعويض غياب الرؤية. لكن الوقائع الكبرى لا تُواجه بالبلاغة الرمزية فقط، بل بإعادة تعريف الأدوات السياسية القادرة على تحويل الثابت إلى فعل تاريخي. فما معنى الدولة اليوم في ظل احتلال لم يعد مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل بنية استعمارية متكاملة تُعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والقانون؟ وما معنى العودة في ظل مشروع إسرائيلي قائم على تفكيك الوجود الفلسطيني نفسه وتحويل اللجوء إلى حالة دائمة؟ وما معنى التحرر حين لم يعد الاحتلال يسيطر على الأرض فقط، بل على المجال الحيوي الكامل للفلسطيني: حدوده، موارده، حركته، بياناته، وحتى تعريفه القانوني والسياسي؟
الحقيقة أن هذه الأسئلة لا تستهدف الثوابت، بل تُعيد إحياءها. فالثابت الذي لا يُعاد التفكير في آليات تحقيقه يتحول تدريجيًا إلى جدار لغوي يحجب الرؤية بدل أن يكون بوصلة للحركة. والمشكلة الأخطر أن هذا الجمود لم يعد مجرد قصور سياسي، بل أصبح في كثير من الأحيان آلية دفاع نفسي تُجنّب النظام السياسي الفلسطيني مواجهة حقيقة أن النموذج الذي أطر المرحلة السابقة فقد قدرته على تفسير الواقع الجديد أو التأثير فيه.
وهنا تحديدًا تصبح معركة الأسماء أكثر خطورة مما تبدو عليه. فمن الطبيعي أن يرتبط الصراع على القيادة بالصراع على الاتجاه السياسي، لكن حين تغيب الرؤية الحقيقية، يتحول التنافس التنظيمي إلى عملية إعادة تدوير للنخبة ذاتها داخل البنية ذاتها وبالأدوات ذاتها، وتصبح الحركة، بدل أن تكون إطارًا يقود مشروعًا للتحرر، جهازًا بيروقراطيًا يسعى قبل كل شيء إلى ضمان استمراريته. وعندها لا يعود المؤتمر محطة لإنتاج رؤية جديدة، بل مناسبة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقًا: ماذا بقي من المشروع الوطني نفسه؟
المشكلة أن الواقع لا ينتظر أحدًا، فإسرائيل لم تعد تدير الصراع كما في السابق، بل تنتقل تدريجيًا إلى محاولة حسمه من خلال فرض وقائع دائمة: توسيع الاستيطان، تفكيك المجال الفلسطيني، تكريس الفصل العنصري، وتحويل فكرة الدولة الفلسطينية إلى كيان وظيفي منزوع السيادة. وفي المقابل، ما تزال السياسة الفلسطينية، التي تدور في أفق العجز العربي وتآكل مكانة الشرعية الدولية، تتحرك ضمن أدوات صيغت لمرحلة تاريخية مختلفة تمامًا، وكأن التحولات الجارية مجرد أزمة مؤقتة لا تغير طبيعة الصراع ذاتها.
من هنا، فإن إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني لم تعد ترفًا فكريًا أو سجالًا نخبويًا، بل ضرورة وجودية، دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت أو البحث عن صيغ جديدة، بل العكس تمامًا: أي الانتقال من التعامل مع الثوابت باعتبارها نصوصًا مغلقة إلى التعامل معها باعتبارها أهدافًا تاريخية تحتاج إلى أدوات متجددة. فالمشروع الوطني لا يُقاس بقدرته على تكرار الشعارات، بل على إنتاج سياسة قادرة على الاشتباك مع الواقع المتحول. وهذا يقتضي إعادة النظر في أسئلة جوهرية ظلت مؤجلة لسنوات طويلة: ما طبيعة الكيان السياسي المطلوب في ظل انهيار الحدود التقليدية بين الاحتلال والضم؟ ما شكل العلاقة بين الداخل والشتات؟ ما حدود الرهان على النظام الدولي في ظل عجزه المتزايد عن فرض أي تسوية؟ وكيف يمكن الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إعادة تعريفه سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا باعتباره صراعًا ضد نظام استعمار وفصل عنصري؟
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه حركات التحرر ليس الهزيمة العسكرية، بل فقدان القدرة على مراجعة ذاتها. فالحركة التي تعجز عن إعادة تعريف مشروعها تتحول، تدريجيًا، إلى مؤسسة تدير المأزق بدل أن تقوده نحو الحل. وعندها يصبح الاستمرار التنظيمي بديلًا عن الفعل التاريخي، وتتحول اللغة الوطنية نفسها إلى غطاء يُخفي العجز بدل أن يواجهه.
لهذا فإن قيمة المؤتمر الثامن لن تُقاس بعدد الوجوه الجديدة أو القديمة، ولا بقدرته على إنتاج توازنات داخلية أكثر استقرارًا، بل بقدرته على مواجهة السؤال الذي جرى الهروب منه طويلًا: هل ما زال المشروع الوطني الفلسطيني قادرًا على تجديد نفسه بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يعيشها الشعب الفلسطيني والمنطقة والعالم، أم أننا أمام بنية سياسية تكتفي بإدارة التراجع بلغة الثوابت؟
في النهاية، ليست المشكلة في التمسك بالثوابت، بل في تحويلها إلى بديل عن السياسة. وليست الأزمة في الأشخاص بقدر ما هي في غياب الرؤية التي تمنح القيادة معناها التاريخي. فالمشروع الوطني لا يعيش بمجرد استحضار ذاكرته، بل بقدرته على إنتاج مستقبل. وحين تفقد حركة التحرر قدرتها على تخيل المستقبل، تتحول، حتى وإن حافظت على خطابها القديم، إلى جزء من إدارة الواقع الذي قامت أصلًا لتغييره.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت وغياب إعادة التعريف