أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مرحلة اختلال موازين القوة















المزيد.....

نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مرحلة اختلال موازين القوة


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 12:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جاء انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في لحظة تتقاطع فيها تداعيات الحرب على غزة مع التحولات الإقليمية المتسارعة والتغيرات التي تشهدها بنية النظام الدولي، ليشكل مناسبة بالغة الأهمية لا من حيث إنه استحقاق تنظيمي، سواء على صعيد تجديد الأطر القيادية أو إعادة التأكيد على الثوابت الوطنية كالدولة الفلسطينية والقدس وحق العودة ورفض مشاريع التصفية، بل في الأسئلة التي أعاد طرحها حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
فبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية أمام معضلة تتجاوز الاعتبارات التنظيمية والفصائلية، حيث السؤال لم يعد متعلقًا بكيفية تحقيق الأهداف الوطنية، وإنما بكيفية الحفاظ عليها ومنع تصفيتها في بيئة تتسم باختلال غير مسبوق في موازين القوة لصالح إسرائيل، وفي ظل نظام إقليمي ودولي لا يبدو مستعدًا أو قادرًا على فرض تسوية عادلة للصراع.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ما هو مرغوب وما هو ممكن. فالمشكلة التي تواجه السياسة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة لا تتمثل في غياب الشعارات أو ضعف الشرعية الوطنية، بل في اتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والأدوات المتاحة لتحقيقها. ففي كثير من الأحيان بدا الخطاب السياسي الفلسطيني وكأنه ما زال يتحرك ضمن افتراضات تاريخية لم تعد قائمة، فيما الوقائع على الأرض تتغير بصورة عميقة ومتسارعة.
فإسرائيل اليوم ليست إسرائيل السبعينيات، أو حتى التسعينيات من القرن الماضي. وفي المقابل، لم تعد البيئة العربية تمثل عامل توازن كما كانت سابقًا. فالدول العربية الرئيسية أصبحت منشغلة بأولوياتها الداخلية، بينما اتجه بعضها نحو بناء علاقات طبيعية أو شبه طبيعية مع إسرائيل لاعتبارات ترتبط بحساباتها الوطنية. أما الدول التي كانت تمثل عمقًا لمحور المواجهة مع إسرائيل، فقد استنزفتها الحروب والأزمات، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرتها على التأثير في معادلات الصراع. كذلك دوليًا، فقد سجلت القضية الفلسطينية تراجعًا رسميًا واضحًا في موقعها ضمن سلم أولويات القوى الكبرى. فالولايات المتحدة باتت أكثر انخراطًا في إدارة المنافسة مع الصين وروسيا، بينما تنظر العديد من القوى الصاعدة إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا أخلاقيًا وسياسيًا، ولا تعتبره أولوية استراتيجية في علاقاتها الدولية. وفي الوقت نفسه، أظهرت الحرب على غزة حدود فعالية النظام الدولي في فرض التزام حقيقي بالقانون الدولي على القوى المدعومة غربيًا.
إن القراءة الواقعية لهذه المعطيات تقود إلى نتيجة لا يمكن تجاهلها: شروط الحسم العسكري للصراع غير متوافرة فلسطينيًا ولا عربيًا، ولا توجد مؤشرات جدية على إمكانية تغير هذه المعادلة في المدى المنظور. غير أن هذه الحقيقة لا تقود بالضرورة إلى الاستسلام أو القبول بالأمر الواقع، بل تفرض البحث عن مقاربة مختلفة للصراع.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من استراتيجيات الحسم إلى استراتيجية إدارة الصراع وإدامة الاشتباك، التي لا تعني كما قد يذهب في ظن البعض التخلي عن الحقوق الوطنية أو خفض سقف الأهداف التاريخية، بل إعادة صياغة العلاقة بين الأهداف والوسائل بصورة تجعل المشروع الوطني قادرًا على الاستمرار في ظروف بالغة الصعوبة. فالعبرة لا تُقاس فقط بالقدرة على تحقيق الانتصارات، بل أيضًا بمنع الهزائم الاستراتيجية والحفاظ على شروط البقاء إلى أن تتغير موازين القوى.
لقد اعتادت الأدبيات السياسية الفلسطينية النظر إلى النصر باعتباره لحظة نهائية تحقق الأهداف الوطنية الكبرى، غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الهيمنة لا تنتصر عبر لحظة واحدة، بل عبر مسارات طويلة من التراكم والصمود وإعادة إنتاج عناصر القوة الذاتية. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الهوية الوطنية، ومنع شرعنة الاحتلال، وإفشال مشاريع التصفية، وحماية الوجود على الأرض، أشكالًا من الإنجاز الاستراتيجي لا تقل أهمية عن المكاسب السياسية المباشرة.
إن إعادة تعريف مفهوم النصر تمثل المدخل الضروري لأي استراتيجية فلسطينية جديدة، فالنصر في الظروف الراهنة لا يعني بالضرورة تحرير الأرض دفعة واحدة، بل منع تحويل الاحتلال إلى حقيقة نهائية. ولا يعني إقامة الدولة فورًا، بل الحفاظ على الحق في إقامتها ومنع شطبه من الأجندة الدولية، ولا يعني تغيير موازين القوة العسكرية، بل المحافظة على موازين الشرعية السياسية والأخلاقية والقانونية في مواجهة المشروع الإسرائيلي.
وعليه، تتحول ديمومة الاشتباك إلى سياسة يومية متعددة المستويات، حيث إن المواجهة مع الاحتلال لا تقتصر على الميدان العسكري، وإنما تمتد إلى المجال القانوني والدبلوماسي والإعلامي والاقتصادي والثقافي. والهدف من ذلك ليس تحقيق انتصار سريع، وإنما فرض كلفة متواصلة على الاحتلال ومنع استقراره السياسي والأخلاقي، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة باعتبارها قضية تحرر وطني.
غير أن نجاح مثل هذه المقاربة يتطلب قبل كل شيء تجاوز الفجوة التقليدية بين الشعار والسياسة. فالمشكلة ليست في التمسك بالثوابت الوطنية، وإنما في تحويلها إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ. كما أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تبقى شعارًا مناسباتيًا، بل ينبغي أن تتحول إلى إطار تنسيق يسمح بتجميع عناصر القوة الفلسطينية وتوجيهها لمواجهة الاحتلال.
وفي السياق ذاته، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لفكرة بناء القدرة الذاتية، فالتجارب التاريخية تؤكد أن الصمود السياسي لا ينفصل عن الصمود الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي الذي يسد فجوات التدخلات الخارجية. ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الوطني بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية المتنافسة.
في هذا الإطار يمكن النظر إلى مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح باعتبارها فرصة لإطلاق نقاش وطني أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالمسألة لم تعد مجرد تجديد هياكل تنظيمية أو إعادة توزيع مواقع قيادية، بل إعادة تعريف الاستراتيجية الوطنية في ضوء التحولات العميقة التي شهدها الإقليم والعالم خلال العقدين الأخيرين.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم هو إنتاج سياسة تتناسب مع الواقع القائم دون أن تستسلم له. فالسياسة ليست فن ترديد الشعارات، وإنما فن تحويل المبادئ إلى أدوات عمل، ومن دون هذا التحول ستبقى الفجوة قائمة بين الخطاب والممارسة، وبين الأهداف المعلنة والإمكانات المتاحة.
لقد أثبتت الوقائع أن الشعب الفلسطيني يمتلك قدرة استثنائية على الصمود وإعادة إنتاج الذات. غير أن المرحلة الراهنة تتطلب أكثر من الصمود بمعناه التقليدي؛ إنها تتطلب بناء استراتيجية تجعل من الصمود نفسه مشروعًا سياسيًا منظمًا، ومن إدارة الصراع أداة للحفاظ على الحقوق الوطنية ومنع تصفيتها.
ففي ظل اختلال موازين القوة، قد لا يكون ممكنًا فرض الحل الذي نريده، لكن يبقى ممكنًا منع فرض الحل الذي تريده إسرائيل. وبين هذين الحدين تتحدد المهمة المركزية للحركة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الراهنة: ليس البحث عن معركة حاسمة تفتقد شروطها الموضوعية، بل بناء ديمومة اشتباك قادرة على حماية القضية حتى تتغير الظروف وتُفتح أمامها آفاق جديدة.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...


المزيد.....




- تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران قد يؤدي إلى تعزيز موقف طهران ...
- كوبا: زلزال قوي قبالة السواحل يهز هافانا ويؤدي إلى إخلاء مكا ...
- من هرمز إلى باب المندب.. قائد فيلق القدس يعلن تشكيل -حزام أم ...
- مع توقف النفط عبر هرمز.. تحذيرات من انهيار مالي في العراق
- عاجل | الجيش الإسرائيلي: إنذار عاجل بإخلاء مدينة صور والمخيم ...
- وحدة البيانات بالجزيرة تكشف انهيار إمدادات النفط والغاز عبر ...
- بعد ظهورها التلفزيوني بالحجاب.. محامية فرنسية تقاضي ناشطتين ...
- لبنان ورقة تفاوضية.. هل تتآكل أوراق طهران؟
- إجماع دولي على قيادة مدنية في السودان.. وتحذير للمعرقلين
- -سبيس 42-: دخول 3 أقمار فورسايت مرحلة التشغيل الكامل


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مرحلة اختلال موازين القوة