أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأمر الواقع














المزيد.....

الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأمر الواقع


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 12:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لئن كان من المبكر استباق النتائج النهائية للاتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه بين الولايات المتحدة وإيران، من حيث فرص تنفيذه الفعلية أو قدرته على الصمود أمام التعقيدات السياسية والاستراتيجية المحيطة به، فإن ذلك لا يمنع من التوقف عند دلالاته الأعمق، إذ في الوقت الذي تكمن أهمية بعض الاتفاقات بما تتضمنه من بنود مباشرة، فإن أهمية بعضها الآخر تتجلى فيما تنطوي عليه من تحولات في موازين القوى. ويبدو في هذا السياق أن هذا الاتفاق الإطاري ينتمي إلى الفئة الثانية؛ إذ إن الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، رغم محوريتهما التاريخية، لا يبدوان العنصر الأكثر دلالة أمام ما تسرب من ترتيبات إجرائية تقترح وقف الحرب على مختلف الجبهات وإعادة تمهيد المشهد الأمني في جنوب لبنان ومضيق باب المندب، ما يجعلنا أمام تطور يرسم عملياً ملامح نهاية حقبة محاولات "الاحتواء العازل" لإيران، والانتقال إلى مرحلة التأسيس لواقع إقليمي جديد يقوم على الاعتراف بوزنها كلاعب لا يمكن تجاوزه.
إن الانتقال الأمريكي من استراتيجية "الضغط الأقصى" والعزل الشامل إلى مربع المقايضة والربط بين الملفات، جاء نتيجة اصطدام واشنطن بالعقم الإجرائي للعقوبات الاقتصادية التي عجزت على مدار سنوات عن تفكيك أو تقويض خطوط الإمداد والتسليح العابرة للحدود التي تديرها طهران. ومن هنا، فإن إقحام ملفات إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد تخص أمن جبهات مستقلة كجنوب لبنان واليمن في متن تفاوض نووي، لا يحمل صك اعتراف دولي بشرعية التمدد الإيراني في هذه الساحات، بقدر ما يمثل إقراراً أمريكياً واقعياً بأن طهران غدت الطرف الذي يمسك حصرياً بمفاتيح التهدئة والتصعيد الميداني، وهو ما فرض على الإدارة الأمريكية تحولاً برغماتياً يهدف إلى كبح خطوط التهديد وضبطها من الداخل عبر التفاوض المباشر مع مركز القرار، بدلاً من التمسك بسياسات الإقصاء التي تجاوزتها الحقائق على الأرض.
ويتسع هذا الاضطرار الأمريكي ليتكامل مع معطيات الاقتصاد الدولي وتحول موازين القوى نحو التعددية القطبية، حيث تجد واشنطن نفسها عاجزة عن الاستمرار في تحمل التكاليف العسكرية والسياسية المنفردة لضمان أمن الممرات المائية الحيوية في مضيق هرمز وباب المندب، تحت وطأة ضغوط صينية وروسية مستمرة لتأمين سلاسل التوريد وحماية أسواق الطاقة العالمية من الهزات الكارثية. هذا التقاطع في المصالح الدولية أنتج مقايضة استراتيجية واضحة المعالم، يقبل بموجبها المجتمع الدولي بتخفيف الخناق الاقتصادي عن طهران والاعتراف بوزنها الإقليمي كأمر واقع، مقابل تعهدها باستخدام نفوذها لتهدئة الجبهات البحرية بما يضمن حرية الملاحة وتدفق الطاقة، مما يحول الاتفاق من صفقة ثنائية إلى صيغة جماعية لتقاسم أعباء الاستقرار الإقليمي بين أقطاب النظام الدولي الجديد.
غير أن هذا الترسيم السياسي لواقع النفوذ يصطدم مباشرة بالمعطى الأكثر راديكالية وقدرة على تفجير التفاهمات من داخلها، والمتمثل في "الفيتو الميداني" لإسرائيل التي ترى في غيابها عن صياغة الاتفاق مبرراً شرعياً لرفضه، لكونها تعتبر رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران دون تفكيك البنية التحتية العسكرية لحلفائها خطراً وجودياً يمنح المحور فرصة ذهبية لإعادة التموضع والملء التسليحي بكفاءة أعلى. وبناءً على التفوق العسكري المستقل والغطاء السياسي الذي تحظى به تل أبيب في واشنطن، فإن الميدان سيبقى ساحة مفتوحة للاختراقات الإسرائيلية المتتالية التي تستهدف خطوط الإمداد والمستودعات الاستراتيجية في سوريا ولبنان، في محاولة عملية لإثبات أن أي تفاهمات سياسية لا تضمن الردع العسكري المباشر على الأرض تظل حبراً على ورق، مما يضع استدامة الاتفاق برمته تحت رحمة صدمات الميدان غير المحسوبة.
وفي مقابل هذا السعي الإسرائيلي للتعطيل، فإن الترتيبات الراهنة لا تضع إيران في مواجهة مع حلفائها الإقليميين كما تروّج القراءات السطحية، بل تعكس تكاملاً استراتيجياً داخل "محور المقاومة" للانتقال من مرحلة "فرض الوجود بالنار" إلى مرحلة "تثبيت المكاسب بالسياسة". فقبول طهران وحلفائها في لبنان واليمن بالتهدئة الإجرائية لا يمثل انصياعاً أو مقايضة للتضحيات، بل هو قرار منسق ومدروس داخل غرف العمليات المشتركة لتسييل الصمود الميداني وتحويله إلى اعتراف قانوني وسياسي بالبنية الحالية للمحور؛ حيث تدرك الفصائل الحليفة أن رفع الحصار الاقتصادي عن المركز في طهران يمثل شريان الحياة الحيوي لاستدامة قوتها وتأمين حاضنتها الشعبية وإعادة الإعمار في بلدانها. هذا التناغم البنيوي يجعل من الاتفاق أداة لشرعنة ومأسسة النفوذ المشترك للمحور ككتلة موحدة في الإقليم، وليس مشروعاً لتفكيكه أو إحداث شرخ بين أطرافه.
وفي المحصلة، يظهر التحليل المدقق للمعطيات أن المنطقة لا تتجه نحو نظام متوازن وثابت، بل تدخل طوراً جديداً من "الفوضى المنظمة" التي تدار بالقطع والتفاوض المستمر تحت سقف تعدد الأقطاب، حيث تخلت القوى العظمى عن أوهام الاجتثاث الكامل وقبلت بإدارة المخاطر القائمة على الأرض. وتظل استدامة هذا الواقع الإقليمي الجديد محكومة بمدى نجاح واشنطن وطهران في امتصاص واستيعاب الضربات العسكرية الإسرائيلية دون الانزلاق نحو الحرب الشاملة، ومدى قدرة شبكة التحالف الإيرانية على استثمار مرحلة التهدئة لترسيخ نفوذها السياسي والمؤسساتي في بيئاتها المحلية، بعيداً عن القراءات التبسيطية التي تختزل هذا المخاض الاستراتيجي المعقد في حسابات الربح والخسارة للمشاريع المنفردة.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...


المزيد.....




- مع تنحي ستارمر.. نظرة على رؤساء وزراء بريطانيا منذ عهد بلير ...
- تبدلوا 6 مرات بـ10 سنوات.. لماذا تشهد بريطانيا تغييراً مستمر ...
- إيران: لم نتفق على تفقد وكالة الطاقة الذرية لمنشآتنا النووية ...
- وفاة -نجم الخليج- في القاهرة
- تأكيدات على تفادي التصعيد في لبنان.. طهران وواشنطن تتفقان عل ...
- عيون في الظلام.. كيف يرى حزب الله تحركات جنرالات إسرائيل في ...
- اجتماع سري بين قيادات من -حماس- ووفدٍ فرنسي لأول مرة منذ حرب ...
- شاهد: طائرات فرنسية تحيي ذكرى استقلال أمريكا بتحليق فوق واشن ...
- ليلة تألق النجوم .. ميسي ومبابي وهالاند في العرس الكروي
- السعودية تؤكد دعمها لسوريا وتوجه نداء باسم العرب


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأمر الواقع