أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية ومنطق المقايضة السياسية














المزيد.....

على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية ومنطق المقايضة السياسية


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 16:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الفضاء المعرفي لعلم الاجتماع السياسي، عادة يُنظر إلى الفساد في النظم السياسية المستقرة أو العادية بوصفه ظاهرة طبيعية هامشية تقع على رصيف البنية الحيوية للدولة، حيث تنبثق ممارساته سوسيولوجياً من نوازع بشرية فردية، أو نتيجة ثغرات تقنية في إحدى أو كلا المنظومتين القانونية والقيمية داخل الدولة أو المجتمع، وهي ثغرات تملك الدولة عادة أدوات عزلها ومحاصرتها دون أن تتأثر شرعيتها الوجودية بأي من ارتداداتها، أي ارتدادات الظاهرة أو سبل مقاومتها. لكن الخطورة السياسية تكمن حين يتجاوز الفساد هذا البعد في السلوك الفردي ليتحول إلى آلية بنيوية مرتبطة بعقل الدولة نفسه، وتحديداً حين يجري إنتاج مسبباته أو إنتاجه هو، كأداة مرنة لإدارة التوازنات بين ما يُعتقد أنها أنواع القوة المنتشرة في جسم الدولة لضمان البقاء والاستمرارية.
وفي الحالة الأردنية، يكتسب هذا المفهوم أبعاداً بالغة الحساسية، لأن الفساد هنا لا يتحرك في مساحات هامشية، بل يتقاطع مع هندسة التوازنات التي يقوم عليها عقل الدولة، وهو توازن لا يجري تفكيكه وإعادة صياغته بين عناصر الثوابت الوطنية العليا والمطلقة، وإنما يقع في المنطقة الحرجة والخطرة بين هذه الثوابت العضوية العميقة المكونة لبنية الدولة الداخلية من جهة، وبين المتغيرات السياسية والجيوسياسية المتسارعة في المحيطين الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
وإذا ما أردنا تفكيك هذا المشهد استناداً إلى بعض بديهيات صناعة القرار وعلم النظم السياسية، فإن التكرار المطرد لظاهرة إقالة الوزراء ـ والتي كان من آخر تجلياتها مؤخراً، إقالة وزير العمل بكار على خلفية شكل من أشكال ممارسات الفساد المختلفة والمتباينة في تأثيرها ـ لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إجراء تصحيحي أو عقابي أو حدث جنائي معزول، لأن الجانب الإنساني والقانوني لهذه الإقالات، وإن بدا طبيعياً ومألوفاً في مسار الإدارة العامة للدولة، إلا أنه في عمقه السياسي والاقتصادي يمثل مؤشراً على خلل فادح وتآكل مستمر في مدخلات صناعة القرار الوطني، وخاصة على مستويي السلطة التنفيذية، ومفاصل السلطة الإدارية. ويتبدى هذا الخلل بوضوح حين يتراجع وزن الثوابت الوطنية العضوية المتمثلة في المرجعيات الأخلاقية، الهوية والتاريخ الوطني، والوحدة الوطنية، والدستور وسيادة القانون، إلى جانب الكفاءة، والنزاهة، وتحصين الجبهة الداخلية، لتصبح المتغيرات السياسية الناجمة عن الضغوط الإقليمية والدولية وإفرازاتها في الداخل هي العنصر الحاسم والدينامو المحرك لعملية التعيين والإقالة وتوزيع الحصص والمكتسبات. إن هذا التراجع البنيوي للمدخلات الوطنية في صناعة القرار يشي بتحول استراتيجي خطير، يتحرك فيه عقل الدولة الأردنية من عقل استراتيجي يحافظ على عناصر قوته ومناعته الذاتية في مكونات الهوية السياسية التاريخية، ليتحول إلى عقل مقايض، يجازف باستبدال الثوابت العضوية في مكونات الهوية بأخرى هجينة، وهو تحول لا يهدف إلى المقايضة والمناورة بين عناصر قوة الثوابت الوطنية العضوية لتعزيز الموقف العام، بل يقوم بالمقايضة الصريحة بين هذه الثوابت الذاتية وبين قوة وعناصر المتغيرات السياسية الضاغطة، مما يجعل القرار الداخلي مرتهناً لحسابات وتوازنات المتغير على حساب صلابة الثابت.
إن هذا النمط من الإدارة والمقايضة المستمرة يضع الدولة أمام مقتل استراتيجي ومهدد وجودي حقيقي عند قراءته في سياق نظريات البقاء والاستقرار السياسي، إذ إن استمرار عقل الدولة في ممارسة هذا الدور التوفيقي وتمرير الفساد كآلية لتزييت مفاصل التوازن يؤدي بمرور الوقت إلى إحداث تغيرات هيكلية عميقة في ثوابت البقاء نفسها، وهي تغيرات تتراكم بصمت حتى تصل بالدولة إلى نقطة حرجة يغدو معها التراجع أو مسار الإصلاح الطبيعي أمراً مستحيلاً من الناحية السياسية والدستورية مستقبلاً. والخطورة القصوى في هذه الديناميكية تكمن في أنه في حال وصول التآكل البنيوي إلى جوهر الدولة، وحاولت السلطة السياسية حينها استعادة توازنها وإعادة ضبط الأمور، فإنها لن تجد في ترسانتها سوى خيار واحد ومغامرة كبرى تتمثل في محاولة الاستخدام المفرط والواسع للقوة الخشنة لإعادة فرض الاستقرار والدفاع عن بقائها، وهو خيار مشكوك في نجاحه بنيوياً، بل إن شبكة الارتباطات والالتزامات والاشتراطات الخارجية المتولدة عن المتغيرات السياسية التي كبلت صناعة القرار الوطني في البداية، قد لا تسمح للدولة أصلاً باستخدام هذه القوة، مما يترك الكيان السياسي بأكمله مكشوفاً وعاجزاً عن الدفاع عن وجوده.
وبناءً على هذا، فإن البقاء في مربع المناورة وإدارة الأزمات عبر "العقل المقايض" لم يعد تكتيكاً قابلاً للحياة، بل أصبح استنزافاً متسارعاً لشرعية الدولة هوعناصر قوتها العضوية، وهو ما يفرض حتمية الخروج الفوري والحاسم من هذا النمط السلوكي وبدون أية مماطلة أو تسويف، لأن تحصين الدولة الأردنية وحماية مستقبلها يتطلبان قطعاً راديكالياً مع سياسة التأجيل، وإعادة الصدارة الكاملة للثوابت الوطنية العضوية في بنية الدولة، مع ضرورة عزل مدخلات صناعة القرار الوطني وحمايتها بالكامل من حسابات الضغوط والتهديدات والمواءمات السياسية ذات الأبعاد الخارجية، مهما بلغت درجة خطورتها أو حجم الضغط الذي تمارسه القوى الإقليمية والدولية، لأن كلفة مواجهة التهديد الخارجي بجبهة داخلية صلبة ومؤسسات محصنة تظل دائماً أقل بكثير من كلفة انهيار الثوابت الداخلية التي تعني بشكل مباشر نهاية القدرة على البقاء.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هن ...
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...


المزيد.....




- بريتاني ألين تنجح في ترشيح نفسها لجائزة -إيمي-.. كيف حدث ذلك ...
- الأعنف منذ 20 عامًا.. قتلى ومفقودون مع انتشار حرائق الغابات ...
- كيف حلّت عملية سرية للشرطة البريطانية لغز عملية قتل بعد وقوع ...
- -يوناتان هون- بدلاً من يائير نتنياهو: لماذا يغير أفراد عائلة ...
- قبل فوات الأوان-.. إنذار أمريكي حاسم لهافانا
- وزير الطاقة السوري يعتذر للمواطنين بسبب أزمة البنزين ويوضح أ ...
- هل تعود الحرب إلى إثيوبيا؟.. سلطات تيغراي تتحدث عن انهيار ات ...
- زيلينسكي يقر بفشل الدفاع الجوي الأوكراني في اعتراض الصواريخ ...
- فيدان يدعو أوكرانيا إلى دعم ما تم التوصل إليه بمناقشات أنكور ...
- القائم بأعمال وزارة الدفاع في إيران: نقاط ضعف العدو محسوبة ل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية ومنطق المقايضة السياسية