أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هندسة الانتقال السياسي














المزيد.....

سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هندسة الانتقال السياسي


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أثارت بعض تفاصيل جنازة قائد الثورة الإيراني علي خامنئي سلسلة واسعة من القراءات والتأويلات في الإعلام ومواقع التحليل، تراوحت بين التركيز على الغيابات السياسية اللافتة، والانفعالات العلنية لبعض المسؤولين، والجدل حول بعض الرموز الدينية والآيات التي تليت خلال المراسم. وقد ذهبت بعض هذه القراءات إلى اعتبار تلك التفاصيل مؤشرات مباشرة على تحولات عميقة في بنية السلطة داخل إيران، أو على إعادة تشكيل غير معلنة لموازين القوة داخل النظام.
غير أن هذا النوع من التأويل، رغم انتشاره، يطرح سؤالاً منهجياً أكثر عمقاً: إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الجزئيات علامات سياسية مكتملة الدلالة؟ وهل تسمح طبيعة المشهد ذاته بتحويل تفاصيله البصرية والرمزية إلى استنتاجات بنيوية حول السلطة، أم أن هذه القراءات حمّلت العلامات أكثر مما تحتمل؟
الحقيقة لم تكن جنازة علي خامنئي مجرد تقليد بروتوكولي يخص نهاية مسار سياسي طويل لزعيم وقائد، بل بدت مناسبة ولحظة كثيفة الدلالة أعادت تقديم السلطة الإيرانية داخل فضاء بصري ورمزي يتجاوز الخطاب السياسي المباشر. فالحدث لم يُعرض بوصفه طقساً دينياً فحسب، بل بوصفه أيضاً مشهداً لإعادة تنظيم حضور السلطة نفسها في لحظة انتقال حساسة اعقبت حرب طاحنة استمرت لنحو اربعين يوما، تتقاطع فيها البنية السياسية بالمؤسسة الدينية والعسكرية، وتتشكل فيها المعاني عبر الصورة بقدر ما تتشكل به عبر النص، ان لم يكن اكثر وضوحا في دلالاتها.
ففي مثل هذه السياقات، لا يكون النص السياسي المكتوب هو المدخل الأكثر فاعلية لفهم الواقع، بل ان الصورة، والتوزيع المكاني، ولغة الجسد، تتحول إلى أدوات إنتاج للدلالة السياسية والمعنى الادق للخفي اكثر من الكتوب. من هنا يمكن النظر إلى هذه الجنازة باعتبارها مشهداً سيميولوجياً مركباً، تُنتج فيه السلطة معانيها عبر علامات متجاورة: ترتيب الصفوف، توزيع الحضور، كثافة الغياب، انفعالات الأجساد، وطريقة إدارة الصورة إعلامياً.
وان أول ما يبرز في هذا المشهد هو مسألة الحضور والغياب. فوجود المؤسسة العسكرية والأمنية بشكل كثيف ومنظم في الصفوف الأمامية، مقابل غياب أو تراجع لظهور شخصيات سياسية بارزة من أجيال مختلفة، يشكل في حد ذاته بنية دلالية. غير أن هذا التباين لا يُقرأ هنا كحكم نهائي على إعادة توزيع السلطة، بل كمؤشر بصري على تفاوت مواقع الفاعلين داخل لحظة رمزية محددة. فالغياب، في هذا السياق، لا يتحول تلقائياً إلى بيان سياسي مكتمل، بل يبقى علامة قابلة للقراءة ضمن سياقها الزمني والمكاني.
اما على مستوى لغة الجسد داخل الصفوف الأمامية، وحيث يبرز البكاء العلني لبعض المسؤولين بوصفه عنصراً بصرياً لافتاً، غير أن ما ينقله من مستو انفعالي مؤثر وجدانيا لا يُعامل كمعنى سياسي جاهز، بل كإشارة على كثافة اللحظة وضغطها الرمزي على النخبة الحاضرة. ويظهر هنا التباين الواضح بين الانضباط البروتوكولي العام وبين لحظات الانفعال الفردي، دون أن يتحول هذا التباين إلى استنتاج حول طبيعة النظام، بل يبقى داخل حدود توصيف المشهد نفسه.
وأما في ما يتعلق بتموضع المؤسسة العسكرية، فإن حضور قادة الحرس الثوري والجيش بشكل متقارب ومركزي بصرياً فانه يعكس ثقل هذا الفاعل داخل بنية الدولة، ولكن رغم ذلك فان هذا الثقل يُفهم ايضا في إطار المشهد ذاته، أي بوصفه تموضعاً وظيفياً داخل مراسم رسمية عالية الحساسية، وليس بوصفه تحولاً بنيوياً مكتمل الدلالة. فالصورة تُظهر مركزية واضحة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج استنتاج شامل حول إعادة تشكيل السلطة.
كذلك، فان الغياب الواسع لشخصيات سياسية بارزة يشكل مؤشراً بصرياً إضافياً، ولكنه كما يظهر في حدود المعطيات المرصودة، لا يُقرأ كإعلان سياسي مباشر، بل كاختلاف في درجات الحضور الرمزي داخل لحظة معينة. أي أنه يعكس تفاوتاً في التموقع داخل المشهد، دون أن يتحول إلى دليل نهائي على إعادة هندسة كاملة للنظام السياسي.
أما الرموز الدينية، وخصوصاً تلاوة الآيات القرآنية، فتقدم مستوى آخر من إنتاج المعنى. فالتعدد في التأويلات لا ينبع فقط من النصوص ذاتها، بل من سياقات توظيفها داخل المشهد، ما يجعلها قابلة للقراءة بطرق مختلفة. غير أن المنهج التحليلي هنا لا يفترض وجود رسائل سياسية ثابتة خلف كل اختيار، بل يكتفي برصد كثافة المعنى الرمزي وقابليته للتأويل داخل فضاء مفتوح.
وفي مستوى آخر، يظهر الإخراج الإعلامي كعنصر أساسي في تشكيل الدلالة. فالتباين بين البث الرسمي الإيراني والتغطيات الخارجية لا يعكس مجرد اختلاف في زاوية التصوير، بل يكشف عن اختلاف في بناء المعنى نفسه. فبينما يركز البث الرسمي على الجماعية والانضباط والطقس الديني، تميل التغطيات الأخرى إلى إبراز الانفعالات الفردية والفراغات داخل الصفوف. وهذا التباين يشير إلى أن الصورة ليست وسيطاً محايداً، بل أداة لإعادة إنتاج الحدث وفق منظور كل جهة.
وبناءً على هذه المستويات المتعددة، لا يمكن التعامل مع الجنازة بوصفها حدثاً يُنتج معنى واحداً مكتمل الدلالة، بل بوصفها شبكة من العلامات الجزئية التي تتجاور داخل مشهد واحد. فالسلطة هنا لا تُفهم من عنصر منفرد، بل من تفاعل عناصر متعددة: حضور، غياب، انفعال، ترتيب، وصورة.
وفي هذا السياق، يمكن للمتابع أن يتكوّن لديه تصور أولي عن شكل الهندسة الرمزية التي تُدار بها لحظة الانتقال. ولكن هذه الهندسة لا تظهر كنموذج خطي واضح، بل كبنية مركبة تتداخل فيها ثلاثة مستويات: مستوى بروتوكولي يضبط الجسد والمكان، ومستوى رمزي ديني يفتح المعنى على تعدد التأويلات، ومستوى بصري إعلامي يعيد تشكيل ما يُرى وفق زوايا انتقائية.
وبهذا المعنى، فإن ما يظهر في المشهد ليس سلطة مكتملة التعريف، بل سلطة تُنتج نفسها عبر إدارة دقيقة للعلاقات بين ما يُرى وما يُقال وما يُغاب عنه، بحيث يصبح الانتقال السياسي ذاته عملية إعادة ترتيب للمعنى قبل أن يكون إعادة توزيع للمواقع.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...


المزيد.....




- بريتاني ألين تنجح في ترشيح نفسها لجائزة -إيمي-.. كيف حدث ذلك ...
- الأعنف منذ 20 عامًا.. قتلى ومفقودون مع انتشار حرائق الغابات ...
- كيف حلّت عملية سرية للشرطة البريطانية لغز عملية قتل بعد وقوع ...
- -يوناتان هون- بدلاً من يائير نتنياهو: لماذا يغير أفراد عائلة ...
- قبل فوات الأوان-.. إنذار أمريكي حاسم لهافانا
- وزير الطاقة السوري يعتذر للمواطنين بسبب أزمة البنزين ويوضح أ ...
- هل تعود الحرب إلى إثيوبيا؟.. سلطات تيغراي تتحدث عن انهيار ات ...
- زيلينسكي يقر بفشل الدفاع الجوي الأوكراني في اعتراض الصواريخ ...
- فيدان يدعو أوكرانيا إلى دعم ما تم التوصل إليه بمناقشات أنكور ...
- القائم بأعمال وزارة الدفاع في إيران: نقاط ضعف العدو محسوبة ل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هندسة الانتقال السياسي