أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الرئيس يحارب... والنائب يفاوض: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الفوضى الاستراتيجية؟















المزيد.....

الرئيس يحارب... والنائب يفاوض: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الفوضى الاستراتيجية؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 15:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن ظهور نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في بودكاست جو روغان مجرد مقابلة إعلامية عادية، بل بدا وكأنه يعلن عن بيان يكشف حجم التصدعات داخل مركز صناعة القرار في واشنطن. فالرجل لم يكتفِ بإعادة التأكيد على شعار "أمريكا أولاً"، وإنما وجّه اتهامات غير مسبوقة لدوائر داخل الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى جر الولايات المتحدة نحو حرب مفتوحة لا نهاية لها، كما تحدث عن حملات ضغط وتمويل تستهدف التأثير في القرار الأمريكي، في تصريحات كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية داخل المؤسسة الأمريكية.
والافت في هذه التصريحات لا يكمن في حدتها فحسب، وإنما في توقيتها، اذ اعقبت انهيار مسار التهدئة مع إيران، وعودة العمليات العسكرية، وانها جاءت في وقت كان فيه ترامب يعلن عن توسيع نطاق الضربات العسكرية، خرج نائبه يتحدث بلغة التفاوض وخفض التصعيد، الامر الذي تبدو معه القضية ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر داخل الإدارة الأمريكية، وإنما مؤشراً على اضطراب أعمق أصاب آلية اتخاذ القرار نفسها.
لقد قدّم فانس خلال المقابلة سردية مغايرة لما اعتادت الإدارات الأمريكية ترديده بشأن العلاقة مع إسرائيل، حيث تحدث عن أطراف داخل الحكومة الإسرائيلية ترى في استمرار الحرب مصلحة استراتيجية لها بغض النظر عن نتائجها، معتبراً أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بدفع ثمن حروب لا تخدم مصالحها القومية. كما أشار إلى وجود حملات ضغط إعلامية وسياسية يقودها مؤثرون محافظون بهدف إفشال أي مسار تفاوضي مع إيران، قبل أن يعيد التأكيد بأن ولاء المسؤول الأمريكي يجب أن يكون للمصلحة الأمريكية أولاً وليس لأي طرف خارجي.
وفي السياق التاريخي فان هذه اللغة تمثل تحولا في الخطاب أكثر مما تمثل تحولاً في السياسة، فالتاريخ الأمريكي عرف خلافات بين الرؤساء ونوابهم، وبين البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية والمخابرات، إلا أن الجديد هذه المرة هو خروج هذه الخلافات إلى العلن في ذروة أزمة إقليمية مفتوحة، بحيث أصبحت الرسائل الصادرة من واشنطن متناقضة إلى حد يصعب معه على الحلفاء والخصوم معاً معرفة الاتجاه الحقيقي للسياسة الأمريكية.
فبينما كان فانس يتحدث عن فرص السلام التي أُطلقت خلال اللقاءات التي استضافتها سويسرا، كانت الإدارة نفسها تعود إلى الخيار العسكري، معلنة استئناف العمليات الواسعة ضد أهداف داخل إيران، في رسالة تنسف عملياً كل ما قيل عن فرص التسوية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام توزيع متعمد للأدوار بين رئيس يتبنى خطاب القوة ونائب يترك باب التفاوض مفتوحاً، أم أن الأمر يعكس غياب مركز موحد لاتخاذ القرار؟
الحقيقة فانه يصعب الدفاع عن فرضية "تبادل الأدوار" في ضوء الوقائع. صحيح انه في الدبلوماسية قد تلجأ الدول أحياناً إلى أسلوب تبادا الادوار لتحقيق مكاسب تفاوضية، غير أن نجاح هذا الأسلوب يفترض وجود هدف واحد ورسالة واحدة، أما في الحالة الأمريكية الراهنة، فإن الرسائل تبدو متعارضة بالكامل؛ فالرئيس يوسع العمليات العسكرية، بينما ينتقد نائبه السياسات التي ساهمت في إشعال الحرب أصلاً، ويهاجم أطرافاً يعتبرها الرئيس من أقرب الحلفاء. لذلك فإن ما نشهده أقرب إلى فوضى في صناعة القرار منه إلى استراتيجية محسوبة.
وتتجاوز خطورة هذا الارتباك حدود السياسة الأمريكية الداخلية، لأنه يضرب أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي، وهو وضوح النوايا. فالردع لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على قدرة الخصوم والحلفاء على توقع كيفية استخدامها، أما عندما تصبح الرسائل متناقضة، فإن احتمالات سوء التقدير ترتفع بصورة خطيرة؛ فايران لا تعرف إن كانت واشنطن تريد الحرب أم العودة إلى التفاوض، بينما تجد الدول العربية نفسها عاجزة عن قراءة اتجاهات الأزمة أو الاستعداد لسيناريوهاتها المقبلة.
أما إسرائيل، فإنها تقرأ هذا المشهد والارتباك من زاوية مختلفة تماماً؛ حيث تؤدي قناعاتها بتزايد وجود أصوات نافذة داخل الإدارة الأمريكية تنتقد سياساتها إلى دفعها لتكريس وقائع ميدانية جديدة قبل أن تتغير موازين القرار في واشنطن، ومن هنا يمكن فهم استمرار توسيع عملياتها العسكرية في أكثر من جبهة باعتبارها محاولة لفرض معادلات يصعب التراجع عنها لاحقاً، بصرف النظر عن طبيعة الإدارة الأمريكية أو اتجاهاتها المستقبلية التي لم تعد مضمونة أو واضحة.
لكن الطرف الأكثر تضرراً من هذا المشهد يبقى المنطقة العربية. فهي تتحول تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فوقها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية دون أن تمتلك القدرة على التأثير في مسارها. فالقواعد الأمريكية في الخليج ستبقى أهدافا قائمة تضاف لها الممرات البحرية الحيوية لتهديد أسواق الطاقة، بينما تستمر ساحات مثل لبنان وسوريا واليمن في دفع أثمان التصعيد المتبادل.
وإذا استمرت هذه الحالة من غياب الانسجام داخل الإدارة الأمريكية، فإن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة لا يملك أحد القدرة على احتوائها. فكل طرف سيبني قراراته على تقدير مختلف لما تريده واشنطن، وقد تتحول الأخطاء في الحسابات إلى مواجهات يصعب وقفها لاحقاً. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون الخطر ناجماً فقط عن قوة السلاح، وإنما عن غياب المرجعية السياسية القادرة على رسم حدود التصعيد.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لتصريحات فانس لا تكمن في الانتقادات التي وجهها لإسرائيل، ولا في اللغة غير المألوفة التي استخدمها، وإنما في أنها كشفت، من حيث أراد أو لم يرد، أزمة أعمق تعيشها الولايات المتحدة، فالمشكلة لم تعد في اختلاف التقديرات، بل في غياب القرار الموحد. وعندما يصبح نائب الرئيس يتحدث بلغة، بينما يتحرك الرئيس في اتجاه معاكس، فإن الأزمة لا تعود أزمة سياسة خارجية، بل أزمة قيادة.
لذا فان أخطر ما تواجهه المنطقة ليس مجرد استمرار الحرب، وإنما غياب الطرف القادر على ضبط إيقاعها. فالفوضى الاستراتيجية ليست سياسة بديلة، بل وصفة مفتوحة لتوسيع الصراعات وإطالة أمدها. وفي هذه المعادلة لن يكون الأمريكيون ولا الإسرائيليون ولا الايرانيون هم من يدفع الثمن الأكبر، بل الشعوب العربية التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع لا تملك التحكم بمساره، لكنها تتحمل نتائجه كاملة.
هاني الروسان/استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإش ...
- على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية و ...
- سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هن ...
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...


المزيد.....




- في الأمازون.. علماء آثار يكتشفون 400 منشأة ترابية أثرية تحت ...
- اعتراف رسمي أمريكي: بركة لينكولن كانت تعاني عيوبًا إنشائية ق ...
- الاتحاد الأوروبي يعلن عبور سفينة تجارية بأمان في البحر الأحم ...
- قناة السويس: الأزمة التي مثّلت نهاية بريطانيا العظمى وفرنسا ...
- -تعثّرتُ في الدراسة الجامعية، لكنني نجحت في بناء خمس شركات ك ...
- المجد للشهيد ستار خضير الحيدر
- سوريا.. إصابة 6 أشخاص بهجوم مسلح في مخيم العائدين بمدينة حمص ...
- مودي يعارض ملاحقة متظاهري حركة -الصراصير-
- سوريا.. تشكيل لجنة تحقيق خاصة في جريمة الاعتداء على طفلة بمح ...
- توغل إسرائيلي جديد في قرى وبلدات جنوب سوريا


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - الرئيس يحارب... والنائب يفاوض: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الفوضى الاستراتيجية؟