أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإشكاليات التحول في الفكر السياسي الفلسطيني الراهن-















المزيد.....

ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإشكاليات التحول في الفكر السياسي الفلسطيني الراهن-


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 15:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الندوة الحوارية التي نظمها مركز الأبحاث الفلسطيني، في رام الله في التاسع من جويلية تموز 2026، تحت عنوان مقتضب ومثقل بالدلالات: "آفاق المرحلة القادمة في ظل التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية"، أعاد الدكتور محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح رئيس مجلس إدارة المركز، طرح مفهوم "الصمود" كمخرج او استراتيجية للانقاذ في لحظة تشهد انسداداً تاريخياً للأفق السياسي في ايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. وهذا الطرح، وفي هذا التوقيت الحرج بالذات، وفي سياقه الراهن، يضع ضرورة الفكر الفلسفي والسياسي الفلسطيني أمام استحقاق مفاهيمي لا يقبل التأجيل وهو أيّ صمودٍ نعني؟ وهل ان هذا الصمود بقي اداة للمقاومة، ام تحوّل هذا المفهوم في الوعي الجمعي الفلسطيني والممارسات المؤسساتية من "أداة تحررية" إلى "آلية تكيفية" تخدم، من حيث لا ندري، استدامة الوضع القائم؟ إن تفكيك بنية "الصمود" يتطلب الانتقال به من الحقل اللغوي العامي—الذي يربطه بـ"القدرة السلبية على التحمل"—إلى الحقل المعرفي والسياسي الذي يعيد صياغته كـ"فعل اشتباكي مركّب" يمتد من البنية الداخلية لينصهر في التوازنات الإقليمية والدولية. فتاريخياً، شكّل الصمود في التجربة الفلسطينية فعل وجود (Ontological Utterance)؛ أي إثبات الهوية في مواجهة محاولات المحو، غير أن المشهد الراهن كشف عن انزياح خطير للمفهوم نحو "الصمود السلبي" الذي ينطوي على فلسفة "الانتظار والانفعال"، حيث يكتفي الفاعل السياسي والاجتماعي بتلقي الصدمات (امتصاص العنف البنيوي، مثل تقبل الحصار المالي، والتعايش مع اقتطاع المقاصة) مراهناً على عامل الزمن أو حدوث تبدل مفاجئ في البيئة الخارجية. ويكمن المأزق الفلسفي في هذا النمط من الصمود في حقيقتين بنيويتين: الأولى، خصخصة المعاناة وتحييد الخصم، إذ يُنقل عبء الأزمة بالكامل إلى كاهل الضحية، فتصبح إدارة الأزمة معركة داخلية للمجتمع (كيف يتدبر المواطن قوته؟ كيف تتعايش المؤسسة مع العجز؟)، في حين يتمتع الاحتلال بوضعية "الاحتلال المريح والمجاني"، حيث لا تترتب على سياساته التعنتية أي أكلاف مباشرة تُزعزع منظومته؛ والثانية، وهم الطاقة اللامتناهية، إذ يرتكز الصمود السلبي على فرضية فكرية خاطئة مفادها أن طاقة التحمل المجتمعية بئر لا تنضب، غير ان الواقع السوسيولوجي يؤكد أن التحمل هو طاقة فيزيائية ونفسية محدودة، وإذا ما طال أمد الضغط دون أفق للفعل، فإن الصمود السلبي يتحول حتماً إلى نكوص وتآكل داخلي وإحباط جمعي يؤسس للقبول بالأمر الواقع كوسيلة وحيدة للبقاء الإحيائي. من هنا، تبرز الضرورة المعرفية للانتقال نحو "الصمود الإيجابي" (Active Resilience) الذي هو ليس "حالة نفسية" بل "استراتيجية اشتباك"، يقوم على رفض مبدئي للتكيف مع القهر، وتحويل طاقة البقاء من أداة "لتحمل الألم" إلى طاقة "لتدفيع الخصم ثمن إحداث هذا الألم"، بحيث تصبح إدارة الصراع تعني إدامة الاشتباك الدائم. غير أن هذا البعد الفكري لا يكتمل إلا بترجمته سياسياً على الصعيد الداخلي، حيث يجب أن يخرج الصمود الإيجابي من إطاره الفردي الأخلاقي العفوي إلى إطار المأسسة والتنظيم؛ فإدارة الصراع بالاشتباك داخلياً تتمحور حول تحويل أدوات الضغط الإسرائيلية إلى نقاط ضعف للخصم عبر الاشتباك البنيوي والاقتصادي، بأن يُرد مثلا على احتجاز اموال المقاصة والابتزاز المالي ليس بـ"التقشف والانتظار" فقط، بل بالانفكاك الهيكلي التدريجي الذي يصوغ اقتصاداً مقاوماً يعتمد على الأمن التكافلي وتشجيع الإنتاج المحلي وتحويل المقاطعة إلى سلوك بنيوي رسمي وشعبي، مما يحوّل التحمل من أزمة فلسطينية إلى أزمة مركبة للاحتلال يجد نفسه مجبراً على تحمل التبعات القانونية والاقتصادية كقوة احتلال مباشر؛ فضلاً عن الاشتباك عبر احياء الجماعية، بتحويل الوعي من "الفردية النفعية" إلى "الجماعية المنظمة"، حيث تلعب المؤسسات الأهلية والنقابات والمراكز الفكرية والسياسية دور الحاضنة لاستراتيجيات الصمود الإيجابي، مما يرفع سقف التحمل الشعبي عبر توفير شبكات أمان معنوية ومادية جماعية، ويمنع انهيار الجبهة الداخلية تحت وطأة الحصار النفسي والمعيشي. ولصمان احراز تقدم على هذا المسار لا بد من الاعتراف بحقيقة بنيوية وهي أن الوضع الراهن للسلطة الوطنية، الذي انتجه التنصل الاسرائيلي من استحقاقات عملية السلام، والحصار الممنهج الذي باتت عليه لا يمكنها من أن تكون أداة الانفكاك ما لم تخضع لإعادة تأسيس جذرية لعلاقتها بالشعب، كما سيظل الاشتباك مشتتاً ومشوهاً دون تجاوز جذري للانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وإلا تحول الاشتباك الداخلي إلى تنافس على شرعية التحمل بين الفصائل بدلاً من أن يكون جبهة جامعة ضد الخصم. وبعيداً عن هذه الإشكالية الداخلية، فإن الخلل الأكبر في أدبيات الصمود التقليدية يتمثل في حصرها للصمود في بعده الجغرافي المعزول، فالصمود الإيجابي لا يمكنه التبلور تاريخياً في بيئة مغلقة؛ بل انه يتطلب امتداداً جيوسياسياً يربط الفعل الداخلي بالساحتين الإقليمية والدولية، ليتحول من "دفاع موضعي" إلى "اشتباك مركب عابر للحدود". فعلى المستوى الإقليمي، ينبغي استثمار التناقضات الإقليمية وفرض القضية كمعادل موضوعي في أي معادلة استقرار، وذلك عبر بناء جبهات إسناد سياسي واقتصادي تحول الصمود من عبء مالي فلسطيني إلى مسؤولية قومية مشتركة، وربط مصالح العواصم الإقليمية بمدى استقرار أو اشتعال الجبهة الفلسطينية، مما يمنع الاستفراد بها. أما على المستوى الدولي، فيمثل انسداد الأفق التفاوضي فرصة مثالية لنقل المعركة إلى الساحة الدولية، ليس لاستجداء الحلول، بل لإدامة الاشتباك القانوني والمعياري عبر عولمة المعركة القانونية في المحاكم الدولية، وتحويل المعاناة اليومية إلى سببية قانونية لتجريم المنظومة الاستعمارية، إلى جانب تفعيل الدبلوماسية الشعبية وحركات التضامن والمقاطعة، ليكون هذا الاشتباك الدولي بمثابة "مُضاعف قوة" (Force Multiplier) يفرض على عواصم القرار تكلفة سياسية باهظة ويحرم إسرائيل من عمقها الاستراتيجي الأخلاقي. بيد أن إدامة هذا الاشتباك عبر الزمن تطرح معضلة الأفق الزمني والإرهاق الجمعي، فالاشتباك الدائم دون علامات طريق ملموسة يتحول إلى عبء وجودي يستنزف الطاقة النفسية ويُحدث الإحباط، مما يستوجب بناء اقتصاد سياسي للمعنى يرتكز على تراكم الانتصارات الإجرائية الصغيرة (كقرارات المحاكم وتضاعف حملات المقاطعة) كرأس مال رمزي يغذي الدافعية ويضمن تجدد الأمل عبر الأجيال، وإلا أصبح الاشتباك نفسه استنزافاً مضاعفاً للذات بدلاً من أن يكون إزعاجاً للآخر. إن الخلاصة الفكرية التي تفرضها اللحظة الراهنة هي أن الصمود كـ"قدرة على التحمل" (فعل سلبي) هو صمود في خندق متراجع، ينتهي باستنزاف الضحية ومنح المحتل وقتاً لهندسة التصفية؛ أما الصمود كـ"إدارة للصراع عبر إدامة الاشتباك الدائم" (فعل إيجابي شامل)، فهو الكفيل بقلب ميزان التكلفة، لكن قلبه هذا يظل معلقاً ما لم تخضع النخبة الفلسطينية لمراجعة نقدية جذرية تراجع من خلالها جدوى أدوات العمل الراهنة والتي يبدو انها قد باتت عائقاً، وأن نجاح اطروحة الصمود مرهون بقدرتها على تجاوز نرجسية الخطاب الوطني الجامد نحو هندسة ثقافة مجتمعية راسخة للاشتباك، لا مجرد خيار تكتيكي مؤقت. وعليه، فإن ندوة مركز الأبحاث الفلسطيني يجب ألا تمر كحدث لتوصيف المعاناة، بل كدعوة لصياغة مانيفستو جديد يغلق عصر "التكيف السلبي" ويفتح باب "الاشتباك الممنهج"، لأن الأفق السياسي لا يُنتظر بل يُصنع بصياغة شروط مواجهة غير مريحة للاحتلال وللعالم بأسره.

هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية و ...
- سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هن ...
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...


المزيد.....




- حصد ملايين المشاهدات.. -جيموثي- الراكون الغامض يشعل تفاعلًا ...
- مصر.. -صائد الأفاعي- يعود إلى الواجهة بعد ظهوره في الفيوم
- مقتل جندي أمريكي في شمال العراق مع استمرار الحرب مع إيران
- رئيس مولدوفا السابق يرفض الوحدة مع رومانيا
- إصابة 9 أشخاص في إطلاق نار في ولاية أريزونا
- حين أصبح الرقم أقوى حجة وبرهانا من الكلمة الجزء 2 من الحوار ...
- صحيفة ألمانية: فون دير لاين تجاهلت الجدل بشأن إقالة وزير الد ...
- روبيو يبحث مع الرئيس اللبناني تنفيذ الاتفاق الثلاثي
- روايتان وسجال متجدد.. جدل جديد حول مصير أموال المواطنين في ع ...
- السلطات الإيرانية تحذر المواطنين من نشر محتوى يضر بالأمن الق ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإشكاليات التحول في الفكر السياسي الفلسطيني الراهن-